الطاهر الطويل: “كورونا” المغربي و”الجائحة” الأمريكي وانتعاش نظرية المؤامرة!

الطاهر الطويل
الجمعة, مارس 13, 2020 - 11:45
الطاهر الطويل: “كورونا” المغربي و”الجائحة” الأمريكي وانتعاش نظرية المؤامرة!

“كورونا” ملأ الدنيا وشغل الناس، وصار حديث الساعة في التلفزيونات العالمية.
وفي المغرب، بينما تبثّ القنوات التلفزيونية يوميا مستجدات هذا الفيروس على المستوى المحلي (وهي قليلة ولله الحمد، إذ لم تتجاوز ستّ حالات إلى حدود أول أمس)، فإن الإشاعات والأخبار الكاذبة انتعشت بشكل ملحوظ، ووجدت في شبكات التواصل الاجتماعي ميدانها الخصب، رغم الوعيد الذي أطلقته السلطات في حق كل من ينشر الافتراءات.
بالمقابل، حَوّلَ الكثيرون “كورونا” إلى مادة سائغة للسخرية عبر النكات والطرائف والأغاني الشعبية والرسوم الكاريكاتورية وغيرها؛ مما جعل باحثا مغربيا مقيما في لندن، هو مراد بنيعيش، يُغرِّد مُتسائلا في حَيْرة: “لماذا يتعامل العرب والمسلمون باستهتار واستهزاء مع وباء فتّاك قد يقضي عليهم، والغرب يأخذ الأمر بكل جدية؟” رأيُنا، أنه ربما تكون السخرية وسيلة للتنفيس والتخفيف من حدّة الخوف.
التحذيرات من مخاوف الإصابة بالفيروس، جرّاء الاحتكاك بالقادمين من إيطاليا، وصلت في المغرب إلى درجة إلغاء الرحلات الجوية من وإلى هذا البلد الأوربي. لكنْ، يتمّ التغافل عن دول أخرى “صديقة”، وخاصة فرنسا التي فاق عدد المصابين فيها بـ”كورونا” 2000 حالة. فلماذا لم يُدرج المسؤولون المغاربة في الحسبان احتمال الإصابة بالفيروس نتيجة الاحتكاك بالقادمين من فرنسا؟ علمًا بأنّ سائحا فرنسيا نقل معه الفيروس، حينما حطت به الطائرة في مدينة مراكش، وانتقلت العدوى إلى زوجته وابنته، وقد تكون انتقلت إلى آخرين ممن احتك بهم السائح.
من بين المفارقات الأخرى أن السلطات المغربية، مُمثَّلة في وزارة الثقافة والشباب والرياضة، أصدرت بلاغا حول منع التظاهرات الثقافية والفنية لمدة شهر، ولا سيما تلك التي يفوق عدد المشاركين فيها ألف شخص. لكن البلاغ استثنى “المواسم” من هذا المنع. مما يُطرح معه التساؤل التالي: هل مَن يقصدون المواسم الدينية يكونون مُحصّنين من الفيروس، بفعل “بركة” الأولياء والأضرحة؟ وماذا عن الذين يؤدون صلاة الجمعة، لاسيما في المساجد الكبرى التي تكون مكتظة؟
إذا كانت وزارة الأوقاف والشؤون الإسلامية لا تجرؤ على منع الصلوات الجماعية في أماكن العبادة، فإنها سارعت أول أمس (الأربعاء) إلى إصدار بلاغ صحفي بشأن المواسم، يتدارك الثغرة أو الاستثناء الموجود في بلاغ وزارة الثقافة، حيث قررت “الأوقاف” إلغاء جميع المواسم الدينية مهما كان حجم التجمعات التي تشهدها، وبررت ذلك “بتوجهات الشرع في حفظ الأنفس والأبدان من الهلاك ومن جميع الأضرار، واعتبارا للوباء الذي ظهر في عدد من البلدان، وما وجب من اتباع الإرشادات الطبية الواردة في الموضوع، ولاسيما ما يتعلق بتجنب العدوى خلال التجمعات”.
وفي الوقت الذي ألغى فيه المغرب، مؤقتا، تنظيم المهرجانات والتجمعات الكبرى، لوحظ أن التلفزيون المغربي بَثّ تقريرا عن المعرض الدولي للكتاب الذي شهدته بروكسيل منذ أيام، حيث سُجِّلَ إقبالٌ كثيف على الكتب واللقاءات الثقافية. وأوضحت الأرقام أن حوالي ألف كاتب حضروا هذا المعرض ليلتقوا جمهورهم ويوقّعوا إصداراتهم الجديدة. كما أن المعرض نفسه استقطبت أكثر من ستين ألف زائر.
بلجيكا التي توجد فيها مائتي حالة من المصابين بفيروس كورونا، لم تُلغ مثل تلك الأنشطة الثقافية. كما أن التقرير الذي بثّه التلفزيون المغربي لم يظهر فيه أيّ شخص يضع الكمامة على فمه وأنفه. الكل يعيش الحياة كالمعتاد.
فرق كبير بين أخذ الاحتياطات والتعامل مع الفيروس كواقع، وبين إشاعة الترويع والخوف وإيقاف الحركة الثقافية والفنية.

أهي حرب بيولوجية؟

مثلما تنتشر الإشاعات في أحوال كهذه، تنتعش أيضا نظرية المؤامرة، حيث تُلصق الأحداث الطارئة بفعل فاعل خارجي. هكذا، إذن، وجدنا مَن يشير بأصبع الاتهام إلى الولايات المتحدة الأمريكية، ويعتبرها هي التي تقف وراء “صناعة” فيروس “كورونا المستجد”، لرغبتها الجامحة في التحكم بموازين القوى العالمية.
مصدر هذا الكلام ليس العرب أو المسلمون الذين عادة ما يُتّهمون بمُعاداة “العم سام”، ولكن مصدره الخصم التقليدي والتاريخي لواشنطن، فقد نقلت قناة “روسيا اليوم ـ بالعربي” منذ أيام تصريحا، لعالم بيولوجي روسي يؤكد فيه أن “كورونا” مُنتَج أمريكي، يستهدف دولاً بعينها، واستدلّ على ذلك بكون أعلى الإصابات بهذا الفيروس سُجّلت في الصين وإيران وحتى في بعض بلدان الاتحاد الأوربي التي تُوصف بكونها تميل إلى الجناح الروسي كإيطاليا.
هذه الفرضية التقت مع تقرير بثّته القناة نفسها، منذ حوالي سنتين، تضمّن اتهاما صريحا وجهته وزارة الدفاع الروسية إلى نظيرتها الأمريكية (البنتاغون)، بنشر مختبرات لأسلحة بيولوجية قرب الحدود الروسية، خاصة في جورجيا ودول أخرى، تحت غطاء مدني. وعُدّت تلك المختبرات تهديدا مباشرا لروسيا وللصين. وأشار المصدر إلى وجود طائرات أمريكية مُسيَّرة تنقل الحشرات الحاملة للجراثيم.
ولأمر ما، تساهم منظمة الصحة العالمية في ترويع الناس بطريقة الإعلان عن بلاغاتها المتعاقبة، ويظهر مديرها العام “تيدروس أدهانوم غيبريسوس”، في التصريحات الإعلامية المتتالية، عبوسا، متجهّما، حيث اتخذ ظهوره على الشاشات التلفزيونية إيقاعا تصاعديا، إلى أنْ أعلن أخيرًا أنّ فيروس “كورونا” صار “جائحة”، ولم يعد مجرد وباء، وفسّر ذلك بكون “الجائحة” تصيب عددا كبيرا من الناس، وتنتشر في بلدان عديدة أو قارات.

خيال أم حقيقة؟

العالم البيولوجي الروسي “إيغور نيكولين” في حديثه لقناة “روسيا اليوم بالعربي” يلمح إلى أن الأمر يبدو كما لو أنه تطبيق فعلي لفيلم أمريكي يحمل عنوان “الجائحة”. الفيلم الذي يندرج ضمن أفلام الخيال العلمي، يتحدث عن وباء يحدث في المستقبل القريب، حيث يتخذ “فيروس” أبعادا أسطورية، فيصيب أعدادا هائلة من البشر، وتفقد الإنسانية قدرتها على البقاء على قيد الحياة، ويظل الأمل الوحيد هو العثور على العلاج والإبقاء على المصابين أحياء والحد من انتشار “الجائحة”، مثلما ورد في ملخص الفيلم.
الكثيرون سيبحثون عن هذا الفيلم، لمشاهدته، كما هو الشأن مع غيره من الأفلام والمسلسلات المرعبة التي تتحدث عن الجوائح والأوبئة والفيروسات الفتاكة. وفعلا، فقد سجّل موقع إلكتروني عربي ارتفاع الإقبال على الفيلم السينمائي الأمريكي “العدوى” Contagion الذي بات ثاني أكثر فيلم يجري استئجاره من إحدى الشركات المختصة على الشبكة الإلكترونية العالمية، رغم أنه كان في المرتبة المائتين والسبعين منذ حوالي ثلاثة شهور. ونقل الموقع عن عالمة اجتماع أمريكية قولها “إنه من الطبيعي أن نرغب في مشاهدة أفلامٍ عن الأشياء التي نخشاها. لا أعتقد أن الأمر به نوعٌ من قلة الذوق، بل أرى أنّها محاولةٌ منّا لتخفيف القلق، وللشعور بالألفة والثقة وبسيطرة أكبر على الوضع النفسي”.
أما موقع “بي بي سي” فكان له رأي آخر، حيث أثار الانتباه إلى وجود أوجه شبه “مذهلة” بين ما يحدث حاليا في العالم وبين فيلم “العدوى” الأمريكي الذي أنتج منذ تسع سنوات؛ حيث تُصاب بطلة الفيلم بعدوى فيروس غامض أثناء رحلتها إلى الصين (نعم، الصين!) ومن هناك، تنطلق الشرارة وتُعلن حالة طوارئ صحية في جميع أنحاء العالم.
إزاء هذا المعطى الجدير بالتأمل، يحقّ لنا أن نتساءل: ما الحدود الفاصلة بين الواقع والخيال في ما يجري حاليا عبر العالم؟ وهل الأمر مجرد صدفة، أن يحصل ذلك التقاطع بين صانع الفيلم السينمائي وصانع القرار السياسي في أمريكا، إن لم يكن الشخص هو نفسه؟

نقلا عن القدس العربي

التعليقات

أضف تعليقك