عبد اللطيف الحاميل: المَال السّايب كيْعّلم السّرقة

عبد اللطيف الحاميل
الاثنين, مارس 16, 2020 - 16:00
عبد اللطيف الحاميل: المَال السّايب كيْعّلم السّرقة

مع اقتراب استحقاقات 2021 بدأ رؤساء بعض الجماعات يتساقطون واحدا تلو الآخر كما تتساقط قطع الدومينو بسبب الرقم المباشر الذي وضعته النيابة العامة أمام المواطنين للتبليغ عما يتعرضون له من ابتزاز أو رشوة أو ما يقفون عليه من فساد.

يمكن في البداية تسجيل ملاحظتين أساسيتين بخصوص المسؤولين الذين أسقطهم هذا الرقم، أولهما  أن هؤلاء التعساء،  لأن هناك محظوظين كثر لم تطلهم يد القضاء بعد، وصولوا لمسؤولية تدبير الشأن العام بنفس الطريقة تقريبا رغم اختلاف انتماءاتهم الحزبية والسياسية، ثم ثانيا، صمت الأحزاب التي ينتمون إليها عن إدانتهم والتبرؤ منهم بسبب هذا السلوك المجرم قانونا وأخلاقا، وكأن الأمر لا يعنيهم تماما.

ولمعرفة خطورة هذا الأمر، لا أجد أحسن من شهادة حكيم بنمشاش، الأمين العام السابق لحزب الأصالة والمعاصرة، الذي فضح في رسالة مطولة بعثها من الإكوادور في عز الأزمة بينه وبين "تيار المستقبل" بعض الممارسات داخل هذا الحزب -وباقي الأحزاب التي على شاكلته- ، حيث اعترف بنشماش بأن "هناك شبكة  تريد السطو على الحزب لتدبير التزكيات المقبلة والطموح إلى التحكم فيها، أولا لأنها مدرة للدخل المباشر الغزير  الذي لا يجد طريقه لحساب الحزب البنكي؛ وثانيا لأنها المعبر الضروري نحو الجماعات الترابية بما تتيحه من عقد الصفقات وضمان تجديد  الصفقات لفترة أطول". هل يعني هذا أن ملف التزكيات داخل هذا الحزب كان يدبر بالشفافية اللازمة من قبل؟!

السياسة أخلاق، لكن الله يزع بالسلطان ما لا يزع بالقرآن. ولذلك لا يمكن الرهان على البعد القيمي فقط، رغم أهميته، من أجل تخليق الحياة العامة ومحاربة الفساد المستشري في مفاصل الدولة، والذي يكلف المغرب سنويا 5 في المائة من الناتج الداخلي الخام، أي ما يعادل 50 مليار درهم حسب تقارير رسمية.وهو غلاف مالي مهم كفيل بمحاربة الفقر والهاشة والبطالة وغيرها من الإشكالات البنيوية التي تفقد المغرب توازنه الاجتماعي والمجالي وتجعله يمشي نحو المستقبل بسرعتين متفاوتتين.

ولذلك، لا يمكن  الحديث عن أي نموذج تنموي بدون نخب حزبية تجمع بين الكفاءة والأخلاق. أو على الأقل بدون وجود مقتضيات  قانونية زجرية تجرم الإثراء غير المشروع، وإلا فإنه لا يسعنا إلا أن نقول للصوص الوطن كما قال لهم وزير الدولة المكلف بحقوق الإنسان، الذي كان وراء تعديل القانون الجنائي لما كان وزيرا للعدل "بصحتكم" مادام البرلمان لم يفرج بعد عن هذا القانون المودع لديه منذ 2016 بسبب بلوكاج بعض الأحزاب، التي تقوم اليوم، تحت ذرائع مفضوحة، بتوفير الغطاء القانوني والسياسي للفساد والمفسدين.

ولعل هذا ما دفع لجنة  شكيب بنموسى، المكلفة بإعداد نموذج تنموي جديد، لقطع خلوتها والإدلاء  بدولها في النقاش الحاصل حول قانون "من أين لك هذا؟" ، في الوقت الذي يسعى فيه البعض لنزع روح هذا القانون، حيث أعلنت  الصفحة الرسمية للجنة بوضوح أنه  "لا يمكننا الحديث عن نموذج تنموي دون الحديث عن أمرين: الإثراء غير المشروع يجب تجريمه، وربط المسؤولية بالمحاسبة".

الفرصة اليوم سانحة أمام الأحزاب السياسية لإثبات وطنيتها الصادقة، فأمامها طريقين منفصلين، إما أن تتحمل مسؤوليتها في تخليق الحياة العامة وتفرج عن مشروع القانون الجنائي بصيغة تجرم الإثراء غير المشروع، وأن ترفع حصانتها عن المتورطين في جرائم الفساد المالي من المنتسبين إليها، أو أن تختار الطريق الآخر، وحينها لا يمكن لوم المواطنين على العزوف عن المشاركة السياسية وضعف الانخراط في الأحزاب وعدم الثقة في المؤسسات...وقديما قال المغاربة "المَال السَّايْب كَيْعَلَّم السّرقة".

التعليقات

أضف تعليقك