"كورونا" يقتل السياسة

"كورونا" يقتل السياسة
الأحد, 22. مارس 2020 - 14:52
م ع

حسنا فعل بنا كورونا، حين جفف منابع السياسوية إلى حد كبير، وخلص السياسة من الارتهان للفردانيات المفرطة، التي لا ترى المصلحة وجودا وعدما إلا بالقدر الذي تفيض به على الذات، سواء كانت هذه الذات فردية أو حزبية أو فئوية، فلقد فعل بنا كورونا خيرا حين حررنا من ذواتنا، وجعلنا ننصهر في الذات الجماعية، وإن كان هذا الانصهار بصيغة الاضطار وليس في أغلبه  اختيارا، مادام هذا " الكورونا " يستهدفنا في الوجود، إلا أن اللحظة تبقى مهمة في إعادة صياغة خطابنا السياسي، والتصالح مع المضمون النبيل للسياسة، بالعودة الى تدقيق ارتباطنا بالأنا الجمعي في إتيان السياسة، مما يجعلنا نتوقع أن كورونا سيضع توقيعه الإيجابي على فعلنا السياسي لاحقا.

كورونا قتل أيضا مضمونا ارتبط بالسياسة كان يراد لنا من خلاله أن نتعرف إلى السياسة  وأن نمارسها عبره، ويتعلق الأمر بحتمية الصراع، فارتبط في وعينا أن لا سياسة بدون صراع، ما دامت السياسة محل تضارب مصالح، والحال أن الحتميات انتهت منذ زمن الإطلاقيات الفكرية المتجاوزة، وحل محلها التنسيب كمضمون عرضاني يخترق الاجتماع البشري عموما، وعليه فقد قام كورونا الى رد الكثيرين منا عن "غي الصراع الحتمي" إلى جادة التعاون والتآزر، وهو ما لا يمكن أن تخطئه العين الموضوعية التي ترصد سلوك الفاعل السياسي وعموم المواطنين، في تعاملهم مع مبادرات الدولة وتوجيهات المؤسسات الرسمية.

قد يبدو ما قدمناه في الفقرتين سابقا للبعض من باب شرح الواضحات، لكن بالعودة الى الوراء واستحضار منطلقات كثير من "مقترفي السياسة" وأثر ذلك على عموم سلوكات المواطنين، سنعرف أننا فعلا ممكن أن نلج زمنا سياسيا جديدا، تصاغ فيه هوية جديدة  للسياسة تخفف من وطأة ثنائية الصراع وتضارب المصالح وحتميتهما، وتحل بشكل أقوى ضامين التعاون والتنسيب، فشكرا "كورونا" على قتله الأسوأ فينا وإحيائه للخير الكامن في ذواتنا الفردية والجماعية، وقديما قيل "رب ضارة نافعة".

التعليقات

أضف تعليقك