استعدادا لما بعد "ربيع كورونا" : تأملات في الحاجة إلى مواصلة المصالحات والإصلاحات المصيرية المستعجلة

استعدادا لما بعد "ربيع كورونا" : تأملات في الحاجة إلى  مواصلة المصالحات والإصلاحات المصيرية المستعجلة
الاثنين, 30. مارس 2020 - 13:16
الحبيب الشوباني

▪ المقالة الأولى ▪

 ١- استهلال :

 تستحق الفترة الزمنية التي يصول فيها وباء كورونا ويجول، فارضا سلطانه القاهر على بني آدم في مشارق الأرض ومغاربها ، أن تسمى وتدون في تاريخ البشرية ب"ربيع كورونا". يجد هذا الاقتران بين لفظة "الربيع" وبين إسم المارد "كورونا " جذوره ومغزاه في أمر لافت، يتعلق بالبعد التاريخي الذي صارت معه لفظة "الربيع " مرتبطة  بالتحولات المجتمعية المباغتة والعميقة التي عاشتها تاريخيا شعوب ومناطق عديدة من العالم بحثا عن الحكم الرشيد والعدالة الاجتماعية والعيش الكريم.

 يندرج تحت هذا  المعنى في تاريخ البشرية، "ربيع الشعوب" أو "الثورات الأوروبية" عام 1848 المعروفة أيضاً باسم "ربيع الأمم"، والتي تجسدت في سلسلة من الاضطرابات السياسية التي اندلعت في فبراير 1848 من فرنسا، وعمت جل دول القارة الأوروبية. كانت هذه الثورات ترمي لإزالة المؤسسات الإقطاعية المهيمنة على حياة الأوروبيين وخلق كيانات وطنية مستقلة تحقق نسبة أعلى من رضى المواطنين على القيادات السياسية لدولهم، وكذا زيادة منسوب المشاركة في الحياة العامة وتكريس الديمقراطية، وتعزيز حرية الصحافة، بالإضافة إلى الاستجابة لمطالب الطبقة العاملة الصاعدة. موجات هذا النوع من "الربيع" ضربت أيضا أمريكا اللاتينية في سبعينيات القرن الماضي لمواجهة استبداد الأنظمة العسكرية ، ثم تبعتها أوروبا الشرقية عام 1989 عقب انهيار منظومة الدول الشيوعية من برلين إلى موسكو. آخر موجات هذا   " الربيع " المتجول عاشتها المنطقة العربية عقب اندلاع ثورة الياسمين من تونس في يناير 2010 ، وما زالت مفاعيله سارية وتعتمل في رحم المنطقة سلبا وايجابا إلى يوم الناس هذا.

تأملاتي في التحولات الحتمية العميقة، التي ستعقب انقشاع غمة وباء الكورونا، وأثرها على مجمل الوضع الوطني والدولي بلا خلاف ،  ترمي لتقاسم بعض المقترحات في ضرورة استثمار هذا الزلزال الكوني لمواصلة مسار المصالحات والإصلاحات المصيرية والمستعجلة وطنيا، من أجل المساهمة في بناء وعي جديد لعلاقة جميع المغاربة بوطنهم / سفينتهم، والتي سيعرف إبحارها في المستقبل المنظور تحديات عالية الخطورة في بحر عولمة تمور بكل المفاجآت غير السارة، والتي افتُتِح عهدها الجديد والمقلق ب"ربيع كورونا" !

لقد أكدت في مقالة سابقة ( نشرت على صفحتي بالفايسبوك بتاريخ 18 مارس 2020) أن المغرب يسير بحمد الله في الاتجاه الصحيح الآخذ بأسباب الحزم وتفعيل المقاربة الاستباقية والوقائية والتجند المجتمعي الشامل لجعل هذا الوباء يمر سريعا خفيفَ الوطأة على صحة المواطنين واقتصاد البلد وتماسك كيانه. لكن هذا الجانب، على أهميته البالغة، ليس سوى الجزء الظاهر من جبل الجليد والمعركة الأولى في حرب مفتوحة معاركها على المستقبل، دشنها "ربيع كورونا " بقوة خارقة زلزل بها أقوى الاقتصادات إنتاجا ووَفْرة، وأعْطَبَ بها أشد الأنظمة الصحية شمولا ومتانة . ويبدو من خلال تحليلات وتوقعات مراصد المستقبليات، أن هذا المارد في طريقه لصناعة ركود اقتصادي عالمي ستكون له عواقب وخيمة وتداعيات ثورية على موازين القوى الدولية واستقرار الأنظمة وأمن الشعوب وسيادتها.

 أجل ، لقد كشف " ربيع كورونا " حدود صِدْقِية العناوين الإيجابية الخادعة "للعولمة" كما تروج لها الرؤية الليبرالية اللاإنسانية  المهيمنة، وفرَضَ  مُساءلة المقولات les paradigmes الفلسفية للاجتماع البشري المعاصر ، وسرَّع دينامية مراجعة أسس وتعاقدات العلاقات والتكتلات الدولية، ودفع حركة التاريخ في اتجاه إعادة ترتيب أولويات الأفراد والشعوب والأنظمة لمواجهة التحديات المستقبلية بشكل يجعلها أكثر جاهزية للتعاطي مع مخاطر العولمة ومفاجآتها الكثيرة ، لحماية الأجيال  القادمة من صواعقها وزلازلها.

تأسيسا على ما سبق، نواصل المساهمة في النقاشات الفكرية الحيوية التي أفرزها السياق الوطني وخصوصياته في هذا الظرف العصيب، بما يجعل هذه اللحظة التاريخية في تفاعلنا مع " ربيع كورونا " لا تقل جرأة ورشدا في التفاعل مع "الربيع الديمقراطي" الذي عاشت بلادنا أطواره وتفاعلاته قبل عقد من الزمن ، وخرجت منه منتصرة ومتماسكة بمصالحاتها وإصلاحاتها التي جعلت المغرب يتجاوز الامتحان بنجاح معتبر، سيظل عنوانه الأبرز تمتيع البلد بدستور 2011 الذي يحمل في روحه ونصه كثيرا من معاني التعاقد المجتمعي المأمول، للتأسيس عليه ومواصلة بناء مغرب أصيل ومتماسك، آمن ومتقدم.

 ( يتبع  مع المقالة الثانية : كلام في ضرورة مواصلة المصالحات المصيرية المستعجلة ).

التعليقات

أضف تعليقك