رضا بوكمازي يكتب: ليس دفاعا عن الرميد

رضا بوكمازي
الثلاثاء, مايو 5, 2020 - 17:00
رضا بوكمازي يكتب: ليس دفاعا عن الرميد

قرأت باستغراب شديد أحد المقالات التي استنكرت تداول مذكرة الأستاذ المصطفى الرميد وزير الدولة المكلف بحقوق الإنسان والعلاقة مع البرلمان حول مشروع القانون 22.20، معتبرة ذلك تسريبا غير مشروع، وأن خلفياته هي "رغبة للكسب السياسي لوزير الدولة المكلف بحقوق الإنسان، ومحاولته الظهور بمظهر المدافع عن حقوق الانسان على خلاف باقي المكونات الحكومية"، وما يزيد من الغرابة هو اعتبار تقاسم مسودة مشروع قانون من قبل وزير العدل يهم تعديل بعض مقتضيات قانون المسطرة المدنية وقانون المسطرة الجنائية من أجل استعمال الآليات الرقمية في تدبير المساطر القضائية "تسريبا مشروعا"، أي أنه ما يندرج ضمن حق عموم المواطنين، وواجب على الحكومة، وبالتالي بات "التسريب" فيه المشروع وغير المشروع، ومناط تحديد هذه المشروعية من عدمها متعلق بصاحب الفعل هذا إذا ما سلمنا بذلك بطبيعة الحال.

     ورغم اقتناعي أتم الاقتناع أن الأستاذ المصطفى الرميد لا يمكن بأي حال من الأحوال أن يقوم بتسريب وثيقة أعدها، لسبب بسيط هو أن هذا الأخير معروف لدى الجميع أنه إذا ما اقتنع بنشر هذه المذكرة لن يكون في حاجة إلى العمل على تسريبها وإخراجها بالطرق الملتوية، بل سيعمل على نشرها بشكل مباشر، كما أن ترجيحه عدم التشويش على لحظة الاجماع الوطنية، والتزامه بخصوصية المداولات الوزارية تجعله بعيدا كل البعد عن هذا الأمر، وهو ما عبرت عليه المذكرة ذاتها حين وقوفها عند الملاحظات العامة حول مشروع القانون 20.22 والذي اعتبر فيها "عدم ملاءمة إصدار أي قانون يفضي إلى إضعاف ثقة الناس واجتماع كلمتهم، بل واعتبار أن الحكومة استغلت الظروف الصعبة التي تمر منها البلاد لتمرير قانون يقيد حرية الرأي والتعبير"، وإخراج تلك المقتضيات رغم تسجيل الاعتراض عليها بكل تأكيد لن يسهم إلا في تحقيق التشويش على هذا الاجماع الذي تعرفه بلادنا، والذي وجب الحفاظ عليه في الأصل بعدم اقتراح مثل هذه المشاريع في هذه الظرفية، فما بالك بالتشويش على هذا الاجماع  بإخراج مقتضيات بكل تأكيد لا يملك أي ديمقراطي إلا أن يعترض عليها ويرفضها.

    بيد أن المبدأ الدستوري الواجب الدفاع عنه في هذه اللحظة والمتعلق بالحق في الحصول على المعلومة، وحق العموم في الاطلاع المسبق على مشاريع القوانين تجعل من الفعل غير المشروع هو عدم تمكين عموم المواطنين والمواطنات من الاطلاع على مسودة مشروع القانون 22.20 وإبداء الملاحظات بشأنها كما كان الأمر عليه في الكثير من النصوص التنظيمية والتشريعية وذلك إعمالا لمسطرة التشاور العمومي حول النصوص التشريعية والتنظيمية قبل عرضها على مسطرة المصادقة، خاصة وأن فكرة تقنين الولوج إلى وسائل التواصل الاجتماعي هي فكرة قديمة، وأن طرحها في هذه المرحلة لا يثير أي استعجال، وهو ما يجعل من باب الأولى انتقاد عدم نشر مسودة القانون للتشاور العمومي لا اعتبار اطلاع الناس على وجهة نظر معتبرة حول مشروع القانون 22.20 من باب التسريب غير المشروع.

     وقد يجد المرء نفسه في حالة ذهول حين يطالع انتقاد الإحالة على النصوص الدستورية والوثائق المرجعية والاتفاقيات والمعاهدات الدولية في مجال الحق في التعبير وحرية الرأي وولوج المواقع الالكترونية، واعتبار ذلك من باب الاطناب الذي لا يفيد، بيد أنه لا يمكن إلا لمن أراد أن ينسى أن الخلفية الحقوقية والموقع الحكومي الذي يشغله وزير الدولة المكلف بحقوق الإنسان هو موقع حاكم، وإذا لم يذكر الوزير المكلف بحقوق الانسان في الحكومة بهذه المقتضيات الدستورية المتعلقة بالحق في الرأي والتعبير من له أن يقوم بهذا الدور، وكيف له أن يؤسس موقفه دون الإحالة على هذه المقتضيات، بل في كثير من المقالات التي ينشرها حتى المنتقد لفكرة الإحالة على المقتضيات الدستورية والذي انتقد هذه الإحالة على النصوص المرجعية، لطالما ملأ مقالاته  بالنصوص الدستورية والقانونية، وهذا ما لا عيب فيه بطبيعة الحال، بل من باب الواجب والضرورة في معالجة القضايا والدفاع عن الآراء.

 

     وإن كنت لا أرغب في الدخول في المضمون لأنه ببساطة حسب بلاغ المجلس الحكومي، تم اعتماد لجنتين احداهما تقنية تعيد النظر في النص على ضوء ملاحظات الوزراء، لتقوم اللجنة الثانية المتكونة من الوزراء المعنيين بالبت في النص على ضوء ما أثير من ملاحظات، والجدير بالذكر انه الى حد الان لا نعلم التعديلات التي ادخلت على النص والمواد التي تم الإبقاء عليها أو تم حذفها، خاصة في ظل النقاش المجتمعي المهم الذي واكب ويواكب هذا المشروع، إلا أن ملاحظة أثارت انتباهي في إقحام الحق في ممارسة الاضراب والذي له إطاره القانوني الخاص والمعروض على مجلس النواب في أفق مناقشته والمصادقة عليه، ومحاولة خلط بينه وبين المقتضيات التي تهم المنافسة المنصوص عليها بالقانون 104.12 والذي يعد طرحها من باب القياس والتوازن بين المقتضيات القانونية الواجبة التطبيق في النوازل التي تكون متقاربة فيما بينها حتى يحقق المقتضى التشريعي الانسجام والتكامل مع باقي المقتضيات التشريعية التي قد تستوجب نفس المنطق التشريعي.

إن الانتماء السياسي والرغبة في الدفاع عن الحزب السياسي الذي ينتمي إليه الإنسان يجب أن لا يتحول إلى حالة خلط للأمور والعمل على إلباس المبادئ لبوسا لا يليق بها.

التعليقات

أضف تعليقك