الغماز يكتب: كورونا ... دروس الحاضر وخيارات النموذج التنموي الجديد

سعيد الغماز
الأربعاء, مايو 6, 2020 - 15:00
الغماز يكتب: كورونا ... دروس الحاضر وخيارات النموذج التنموي الجديد

قبل جائحة كورونا، كانت العديد من التحاليل الاقتصادية تتحدث عن دور البحث العلمي والمقاولة الخاصة والمبادرة الفردية في تطوير الاقتصاد الوطني. كما كانت هذه التحاليل تعتبر أن الدولة لا يمكنها أن تتحمل وحدها تحقيق الطفرة التنموية التي ينشدها المغاربة، وأن القطاع الخاص والمبادرة الحرة لهما دور أساسي في هذا المجال. وهناك تحاليل أخرى تتحدث عن دور الدولة في تحفيز القطاع الخاص وتنمية المبادرة الفردية عبر برامج ومخططات مدروسة وعملية.
   جائحة كورونا لم تُمهل المخططات الحكومية في تفعيل برامج تدعيم المبادرة الفردية ودفع القطاع الخاص لمزيد من الفاعلية خاصة المقولات الصغرى والمتوسطة، كما أنها لم تمهلها في إتمام تنزيل المشاريع الخاصة بالبحث العلمي على رأسها مراكز الابتكار، بل جعلت كورونا عبقرية المغاربة تتفتق فجأتا وتُبرز قدرة كبيرة على الابداع والابتكار لم تكن معروفة لدى الكثيرين من ذي قبل، حيث شرعت هذه العبقرية في اختراعات وانجازات علمية وتكنولوجية غير مسبوقة. فمواجهة الجائحة جعلت المبدع المغربي يبتكر الأجهزة الإصطناعية للتنفس صنع مغربي 100%، وأجهزة ذكية للوقاية من الفيروس كالكمامة الذكية على سبيل المثال، وتطبيقات لتتبع انتشار فيروس كورونا. دون أن ننسى الطفرة الكبيرة التي حققها النسيج الاقتصادي المغربي في صنع الكمامات التي فاقت الاستهلاك الداخلي وتستعد البلاد لتصديرها للخارج، في الوقت الذي نجد فيه دولا كبرى تعاني من ندرة في هذا المنتوج الذي كثر عليه الطلب بشكل فجائي. ولم تستطع الاستجابة لهذا الطلب إلى الاقتصادات التي تتوفر على قدرة كبيرة في التأقلم مع المتغيرات الدولية ومن بينها الاقتصاد المغربي.
     إذا كان هذا ما أفرزه زمن كورونا، فإن مرحلة ما بعد كورونا تُسائلنا جميعا في قدرتنا على استثمار هذا المخزون الإبداعي لدى المغاربة. مخزون يُبرز خزان الابتكار والاختراع المتوفر في الطاقات المغربية الشابة، والكل مسؤول في تثمينها وفتح المجال لها مستقبلا لتعبر عن ذاتها وتطور مؤهلاتها ولما لا توفير مساحة لها في النموذج التنموي الجديد الذي ينتظره المغاربة. فمن بين أهداف النموذج التنموي المنشود الاستثمار في الطاقات الشابة لتنمية المجتمع.
    الأكيد أن المغرب يشهد دينامية كبيرة في دعم الابتكار والبحث العلمي، تأتي كاستجابة لدينامية أخرى يشهدها الاقتصاد المغربي متمثلة في سياسة المشاريع الكبرى ودخول المغرب في توطين صناعات كبيرة في مجال السيارات وأجهزة الطائرات والطاقة النظيفة خاصة الطاقة الريحية والشمسية. هذا إلى جانب الخدمات اللوجيستيكية وعنوانها الكبير ميناء طنجة المتوسط والنجاح الكبير الذي شهده بعد التوسعة الثالثة له. إذا كان المغرب يشهد هذه الدينامية بكل تفرعاتها وتنوع مجالاتها، فإن دور الحكومة يزداد ويتوسع لاستثمار هذه القدرة على الابتكار التي برزت مع أزمة كورونا، والاستفادة القصوى من عائداتها. ونعتقد أن التوجه الذي ينبغي أن نسير عليه في زمن ما بعد كورونا يهم مساران اثنان نأمل أن نلمسهما كإجراءات في النموذج التنموي المنشود:
-1-  خلق علاقة صناعية بين المبتكرين من جهة والمصانع والمقاولات من جهة أخرى. الهدف من هذه العلاقة هو تثمين الاختراعات والابتكارات التي في غالبها تكون من إنتاج أفراد، وإخراجها من المجال النظري إلى المجال الصناعي. هذا الهدف لا يمكن تحقيقه إلا بوجود مُحفز يُدعم العلاقة بين الاثنين حتى لا تضيع القدرة على الابتكار التي اكتشفناها لدى المغاربة زمن كورونا. ولعل اعتماد الحكومة لمشاريع وبرامج بهذا الخصوص هو العامل الرئيسي في خلق هذه العلاقة وهذا التحفيز ولما لا تأسيس هيئة خاصة لمتابعة هذا المشروع. حسبنا في ذلك ما قامت به بعض الدول التي نجحت في نموذجها التنموي كالهند مثلا حين شكل رئيس الوزراء مؤسسة تابعة له مباشرة تتمتع بسلطة الوزارة الأولى وتهدف إلى خلق الجسور وتوطين التعامل بين الدولة متمثلة في الجامعات من جهة، والقطاع الخاص متمثل في المقاولات والمصانع ورؤوس الأموال من جهة ثانية.
-2- خلق علاقة تشاركية بين الحكومة ومختبرات البحث العلمي في الجامعات وفق ضوابط دقيقة وأهداف مسطرة سلفا. فالبحث العلمي لا يجب أن يكون ترفا ولا ابتكارا محصورا بين أصوار الجامعات ولا نظريات لا يستطيع أصحابها التطبيق العملي لها، وإنما يجب أن يشكل إجابة لحاجة النسيج الاقتصادي سواء لمعالجة مشكلة أو لتطوير منتوج قائم. فالبحث العلمي كان دائما مكونا أساسيا لأي نموذج تنموي ناجح، وأبرز مثال في هذا الخصوص ما قامت به ماليزيا حين أنشأت مؤسسة وزارية خاصة بتدعيم العلاقة بين البحث العلمي في الجامعات والنسيج الاقتصادي من مصانع ومقاولات. فلم يعد البحث العلمي والابتكار حبيس المقاولات والتجارب والعروض العلمية في ماليزيا، بل أصبح موردا تجني منه الجامعات أرباحا لتطوير البحث العلمي وتحقيق المزيد من الابتكار. كما أن هذا البحث العلمي صار في ماليزيا استثمارا للقطاع الخاص يُوسع به نشاطه الاقتصادي ويوفر له تنافسية جيدة لاقتحام الأسواق الدولية. ونذكر كذلك ما قام به رئيس الوزراء الهندي حين استدعى "صابر بهاتيا" المؤسس المشارك في محرك البحث العالمي "هوت مايل" وكلفه بالإشراف على العلاقة بين البحث العلمي في الجامعات والنسيج الاقتصادي.
     زمن ما بعد كورونا، يجب أن يجعل المغرب قادرا على مد جسور العمل المشترك بين الدولة والجامعة والمبتكرين، ولا شك أن للحكومة دور كبير في هذا المجال عنوانه الكبير خلق مقومات تحفيز وتنشيط هذا العمل المشترك وفق برامج دقيقة وواضحة الأهداف. فالبحث العلمي كما سبق لا ينبغي أن يكون ترفا، بل يجب أن يُساير البرامج الحكومية في الصناعة والاستثمار وأن تكون للحكومة بصمتها في التوجه الذي ينبغي أن يسير عليه البحث العلمي داخل الجامعات من أجل بحث فعال وفي خدمة الاقتصاد الوطني.
     نقول في الأخير، إن كورونا فرصة لتحقيق اقلاع اقتصادي واعد وإنتاج طفرة تنموية لبلادنا إن أحسنا اتخاذ القرارات ونهجنا سبيل الحكامة الجيدة.    

باحث في التنمية وتكنولوجيا المعلومات والاتصال

التعليقات

أضف تعليقك