سعيد الغماز: كورونا وثقافة الانضباط

سعيد الغماز
السبت, مايو 16, 2020 - 15:45
سعيد الغماز: كورونا وثقافة الانضباط

الأرقام المعتمدة من قبل منظمة الصحة الدولية لتتبع تطور انتشار فيروس كورونا المسمى كوفيد 19، لا تخرج عن ثلاثة مؤشرات: عدد الإصابات وعدد الوفيات وأخيرا عدد المتعافين. وإذا استقرأنا أرقام المنظمة الدولية، نجد أن بلدانا عرفت انتشارا كبيرا للفيروس السريع الانتشار، لكنها استطاعت الحد من انتشاره بفعل سياسة التباعد والحجر الصحي والنظافة. لكن هذه الإجراءات وحدها ليست كافية، وإلا كيف نفسر الانتشار المتزايد لهذا الفيروس في كثير من الدول، رغم تطبيق الحجر الصحي وما يتبعه من تباعد وأساليب النظافة.

هناك عامل آخر محدد في نجاح خطة الحجر الصحي يتجلى في انضباط المواطنين لقرارات حكوماتهم وامتثالهم لكل التعليمات التي تصب في مصلحة المواطن وتحمي الوطن والمجتمع. إلا أن فيروس كورونا جعلنا نكتشف أن مسألة الانضباط للقرارات الجماعية هي ثقافة وسلوك مجتمعي مغروس في بعض الدول مما جعلها قادرة على مواجه الفيروس بدون تطبيق الحجر الصحي. فنجد مثلا سنغافورة والتايوان وكوريا الجنوبية والسويد كلها دول لم تفرض الحجر الصحي بشكل كلي ولم توقف عجلة اقتصادها الوطني كما أنها لم تعتمد تقييد حركية المجتمع، واكتفت هذه الدول بتوعية مواطنيها بما يجب القيام به من ارتداء للكمامات والتباعد بين الأفراد والتركيز على النظافة والتعقيم. تَوفر هذه المجتمعات على ثقافة الانضباط الجماعي جعلها تنجح في اعتماد سياسة ناجعة لمواجهة كورونا وأفلحت في ذلك بشكل كبير.

ففي الوقت الذي نجد فيه بعض الدول محتارة في كيفية الخروج من الحجر الصحي بين الرفع الكلي ومخاطر موجة ثانية من انتشار الفيروس قد تفرض العودة إلى الصفر وفرض الحجر الصحي من جديد، على رأسها الولايات المتحدة الأمريكية وفرنسا وبريطانيا وإيطاليا وإسبانيا، نجد أن دولا من قبيل كوريا الجنوبية وسنغافورة وتايوان والسويد فتحت المجال للعودة للحياة الطبيعية كما كان الحال قبل كورونا بل شرعت منذ الآن بفتح حدودها وأجوائها أمام حركة الطيران. ويعود الأمر إلى عاملين: العامل الأول يتجلى في قدرة تلك الدول على تعميم تشخيص الفيروس على جميع مواطنيها وانخراط القطاع الخاص والمهن الحرة في هذه العملية. فنجد مثلا المطاعم والمقاهي تأخذ حرارة جميع زبنائها عند الدخول وعند الخروج، وهو إجراء معمول به في جميع المؤسسات سواء العمومية أو الخاصة.

كما أن هذه الدول تقوم بإجراء تشخيص الإصابة بالفيروس على جميع القادمين إليها من بلدان أخرى بدون استثناء. العامل الثاني يتعلق بالانضباط التام لجميع المواطنين بتطبيق المقتضيات الخاصة للحماية من عدوى كورونا. فتجد مثلا جميع المواطنين بدون استثناء يرتدون الكمامات حتى أن الذي لا يرتديها يجد نفسه معرض لنظرات الاستغراب وكأنه يقوم بعمل خارج عن عادات المجتمع. ففي العاصمة الكورية الجنوبية سيول تقطن أكثر من 9 ملايين نسمة وتعرف المدينة أكبر كثافة سكانية عالميا، ورغم ذلك نجحت في حصر خطر انتشار الفيروس دون الحاجة لفرض الحجر الصحي بشكل كامل. ومرد ذلك إلى ثقافة الانضباط السائدة في المجتمع.

     وفي بلادنا المغرب، ونحن نستعد لطرح سيناريوهات الخروج من الحجر الصحي، وجب علينا أن لا نحذو حذو البلدان المجاورة فرنسا وإسبانيا لأنها هي بذاتها مرتبكة في كيفية الخروج من الحجر الصحي، وإنما علينا أن نستفيد من الدول التي نجحت في محاصرة الفيروس، وننهج سيناريو يرتكز على دعامتين: دعامة مرتبطة بالحكومة التي يجب أن توسع من قدراتها في تشخيص الإصابة بالفيروس ليعم جميع المواطنين، ودعامة مرتبطة بالمواطن الذي يجب أن يجعل من محنة كورونا منحة تجعله يقوي روح الانضباط ليجعلها ثقافة مجتمعية شائعة باستمرار في الحياة اليومية.   

التعليقات

أضف تعليقك