أي رهانات للإعلام ما بعد جائحة كورونا؟

أي رهانات للإعلام ما بعد جائحة كورونا؟
الأربعاء, 27. مايو 2020 - 15:48

أي إعلام ما بعد جائحة كورونا؟ إنه نفس السؤال الذي يطرح في مجالات أخرى من قبيل أي اقتصاد ما بعد الجائحة وأي سياسة ما بعد كورونا، وغيرها من الأسئلة التي تستشرف مستقبل مجالات ذات أولوية في المجتمع وتُقدم تصورات أولية حول ما يجب أن تكون عليه هذه المجالات على ضوء المعطيات والمتغيرات والتفاعلات التي فرضتها الجائحة.

تحولات كبرى للممارسة الصحفية

قال محمد الركراكي، أستاذ الصحافة المكتوبة بالمعهد العالي للإعلام والاتصال، إن الممارسة الصحفية ستعرف تحولا عميقا، فحتى الصحف الورقية اضطرت للعمل الرقمي والصدور الكترونيا بسبب توقف سلسلة التوزيع، مضيفا أنه لن يكون هناك خيار أمام الإعلام المغربي سوى مواكبة الوضع الجديد الذي سيكون أحد أبرز سماته طغيان الإعلام الرقمي وهيمنته الشبه مطلقة على الممارسة الصحافية.

وتابع في تصريح لـ"مجلة العدالة والتنمية" في عددها السابع، "إنها بالمناسبة ظاهرة عالمية بامتياز وليست فقط وطنية، وهنا لابد أن أشير إلى قدرة الإعلام الوطني على إبداع ومواكبة التحولات التي وقعت من خلال ضمان استمرار وظيفته وفق ضوابط وشروط الحجر الصحي واحتياطات التباعد الاجتماعي".

اشكالية الدقة والمهنية والأخبار الزائفة

وأوضح الركراكي، أن هناك إشكالية خطيرة تواجهها الممارسة الصحافية، وهي إشكالية الدقة في الخبر وتوازن الخبر من حيث الرأي والرأي الآخر، إذ يجب على الصحافي أن يضمن هذه القاعدة الذهبية في التعاطي مع الأخبار، فـ "ما نعلمه لطلبتنا في المعهد هو التأكيد الدائم والمستمر على أهمية الخبر الدقيق والمقاربة الإعلامية الموضوعية بدون تهويل".

وأكد ن أخطر ما يهدد مهنة الصحافة هو الأخبار الزائفة، فهي معضلة حقيقية يجب على الجسم الصحافي المهني الوقوف عندها، خصوصا في سياق عالم رقمي منفلت من أي رقابة، مما يجعله فضاء يعج بالأخبار الزائفة التي يصعب إيقافها أو حتى الحد من آثارها السلبية.

إلى ذلك، أوضح الركراكي، أن معضلة الأخبار الزائفة أصبحت إشكالا عالميا يضرب المهنة في الصميم، ويمكن أن نشير هنا للجدل الذي خلفته الانتخابات الأمريكية التي أتت بـ "دونالد ترامب" لرئاسة أمريكا، وهو جدال لازال قائما مند 2016، وأيضا أزمة "بريكست" وخروج المملكة المتحدة من الاتحاد الأوروبي، مبينا أن كل هذا دفع البعض للتساؤل حول مستقبل الديمقراطية في ظل تفاقم إشكالية تحول الأخبار الزائفة كوسيلة لصانعة للرأي العام وتوجهاته ومواقفه السياسية، عوض البرامج السياسية للفاعلين السياسيين.

الرقمنة والاشتغال عن بعد

وفي سياق آخر، يرى الأستاذ بالمعهد العالي للإعلام والاتصال، أن توجه الإعلام والممارسة الصحفية في المرحلة المقبلة سيكون نحو العالم الرقمي، وهو ما سبق الإشارة إليه، حيث هيمن العالم الرقمي على الممارسة الصحافية وهو ما دفع الصحف وطنيا ودوليا نحو إصدار نسخها إلكترونيا بسبب توقف سلسلة التوزيع.

أما المعطى الثاني، الذي فرضته الجائحة وسيؤطر المرحلة المقبلة، حسب الركراكي، فهو الاشتغال عن بعد، سواء في كتابة الأخبار أو إجراء المقابلات الصحفية أو التحليل، قائلا: "لقد انتقلت غرف التحرير للمنازل عوض قاعات التحرير داخل المقاولات الصحافية أو الأستوديوهات، وهذا واقع جديد أعتقد أنه سيتعزز بشكل كبير في المستقبل ولن تعود الأمور كما كانت في السابق".

توسيع نطاق الاتصالات والإعلام وخدمة قيم الديمقراطية

من جهته، أكد محمد عبد الوهاب العلالي، مسؤول ماستر التواصل السياسي والإجتماعي بالمعهد العالي للإعلام والإتصال، أن جائحة كوفيد 19، أكدت أطروحة تمركز الإعلام وسط منظومة ثلاثية تتضمن ثلاثة مكونات أساسية متفاعلة هي السلطة ووسائل الإعلام والاتصال والمجتمع، وبالتالي "لا يمكن فصل الإعلام عن هذه المكونات، فلا يمكن اختزالها في علاقات ثنائية لهذه المنظومة أو منفردة".

التحول لمجتمع المعرفة

وشدد العلالي، على أن الإعلام بمثابة القلب النابض للمجتمع في علاقته بالسلطة سواء في نطاق ظروف الحياة العادية أم في ظل الأزمات  وهذا ما يجب اعتباره من المسلمات، مشيرا من جهة أخرى، إلى السرعة الهائلة لمسار التطور الذي يتم من خلاله الانتقال من منظومة وسائل الإعلام الجماهيري التقليدية للصحافة الورقية والإذاعة والتلفزيون إلى منظومة مجتمع المعرفة والمعلومات.

وتابع أن "من فضائل الجائحة أنها سرعت الوعي بقيمة هذا التحول وبضرورة تأهيل بلادنا على مستويات عدة، حيث إن هذا التحول سيطرح قضايا جديدة تهم الحريات الإعلامية والخصوصية والمشاركة الشفافة في إدارة الأزمات في علاقاتها بالصالح العام والتي تعتبر اليوم مثار نقاش على صعيد كوني".

وشدد مسؤول ماستر التواصل السياسي والاجتماعي بالمعهد العالي للإعلام والاتصال، على أن توسيع نطاق الإتصالات والإعلام والتواصل الإجتماعي يجب أن يبقى في خدمة إشاعة قيم الديمقراطية وبناء دولة مغربية قوية، وهذا ما يجب أن نبقى حريصين عليه جميعا.

تواصل رسمي فعال

وفي سياق آخر، أكد العلالي، أن الدولة المغربية قامت بعمل تواصلي إعلامي فعال وملموس وسريع  في الميدان ضمن أسلوب خاص لإدارة الأزمة من خلال مجموعة من القرارات الجريئة التي جعلت المغرب على قائمة الدول التي نجحت في النجاة من الأضرار المتفاقمة للوباء، داعيا، في نفس الوقت، إلى أن تكون هناك "بنية كاملة وتصور للإعلام الوطني يجعله يتحول إلى إعلام فعال يحقق السبق والدقة والموضوعية ويخدم المجتمع أكثر".

وأشار المتحدث ذاته، إلى أن هناك حاجة إلى تطوير نظام إعلامي شامل قادر على أن يكون في خدمة المجتمع خاصة في ظروف الأزمات، حيث إن مرحلة ما بعد كورونا تتطلب إصلاحات جوهرية في نطاق تعزيز البناء الديمقراطي فبدون هذه الإصلاحات يبقى كل شيء ناقصا.

برنامج وطني استعجالي

وأفاد العلالي، أن هناك حاجة ضرورية لسن برنامج وطني استعجالي للقضاء على الأمية كرافعة أساسية للوعي المدني والتربية على المواطنة التي لا حظنا أن مخلفاتها شكلت عبئا ثقيلا على جهود الدولة والمجتمع وتضامنه في مواجهة الجائحة أمام تدني وعي بعض الفئات من مجتمعنا.

 وموازاة مع ذلك، يقول العلالي، فهناك حاجة لإجراءات ضرورية تشمل ضرورة تمكين البلاد من البنية التحتية والتقنية والتجهيزات الضرورية للانخراط الكامل في ما يتطلبه التحول إلى الاقتصاد الرقمي والخدمات والاقتصاد الإبداعي والصناعات الإعلامية، وتوفير البيئة القانونية المنظمة لتأمين مختلف التفاعلات في المجال الإعلامي والاتصالات والاقتصاد في ظل التوجه الجديد الذي سيفرض علينا مع الذكاء الاصطناعي.

تحولات مستقبلية

 وبخصوص التحولات المستقبلية بعد الجائحة، فأكد العلالي، أن النقاش حول سقف الحرية والمصلحة العامة والحياة الخاصة سيكون في قلب هذه التحولات في ظل تأرجح العديد من اليقينيات، وهنا يجب على المغرب، "أن يعتبر حرية الصحافة ووسائل التواصل الاجتماعي والإتصالات وحمايتها تكريسا لمسار تطوير البناء الديمقراطي والشفافية وحق المساءلة في دولة قوية".

التعليقات

أضف تعليقك