منجمو السياسة.. من التدليس إلى تحريف النقاش

مريمة بوجمعة
الأربعاء, مايو 27, 2020 - 21:30
منجمو السياسة.. من التدليس إلى تحريف النقاش

في الوقت الذي اعتمدت فيها بلادنا ومنذ اللحظة الأولى لظهور الوباء مقاربة ثلاثية الأبعاد همت سلامة مواطنيها، والدعم الاجتماعي المباشر للفئات المتضررة من آثار الجائحة، ودعم المقاولة مع الحفاظ على النشاط الاقتصادي بالقدر الذي يحقق أمن مجتمعنا الصحي والغذائي، هذه المقاربة ذات الطابع الاستباقي والصارم كانت موقع إشادة وتنويه دوليين ورضا وإجماع وطنيين عبرت عنه دينامية مجتمعية داعمة للتوجهات الملكية وللتدابير الاستباقية التي اتخذتها الحكومة .

وفي الوقت الذي انطلقت فيه أوراش التفكير والتشاور والتخطيط لمرحلة ما بعد كورونا ولإعادة إقلاع الأنشطة الاقتصادية والخروج الآمن من حالة الطوارئ الصحية.

وفي ظل الاجماع الوطني الذي تنعم به بلادنا في مواجهة الجائحة وما صاحبه من تعبئة وطنية جماعية همت كل المؤسسات الدستورية، ملكا وحكومة وبرلمانا وجماعات ترابية وسلطة ترابية كما همت كل أطياف ومكونات المجتمع المغربي من أحزاب ونقابات وجمعيات مهنية ومدنية ومواطنين ومواطنات بحس وطني عال ترفع فيه الجميع تقريبا عن كل الحسابات الضيقة وفي جو من  التلاحم والتناغم بين الفاعلين والمؤثرين في القرار العمومي، مما رفع من منسوب ثقة المواطنين والمواطنات في المؤسسات وفي آليات الوساطة المجتمعية.

 وفي خضم هذا الزخم الايجابي الذي يفترض من الجميع  السعي لاستثمار هذه اللحظة واستفراغ الوسع  لنحت مسار واعد لتمنيع المسار الديمقراطي لبلدنا، تنبري أقلام بعض الصحافيين والمدونين ممن احترفوا مهنة التنجيم السياسي والقابعين خلف شاشات هواتفهم ليبشروا بالنيابة  "بأضغاث أمنيات سياسية" ليست إلا رجع صدى لمحاولات تشكيكية في المجهودات التي بذلتها بلدنا للتصدي للجائحة التي واجهها المغاربة بوسم "شكرا العثماني" تأكيدا على حرمة شأننا الداخلي، وامتدادا لبعض الدعوات المتهافتة من قبيل تعديل الفصل 47 من الدستور و من قبيل "اللجوء الى حكومة وحدة وطنية" او "حكومة تكنوقراط" وصولا إلى "حكومة الانقاذ الوطنية" بدعوى فشل الحكومة في مواجهة تداعيات الجائحة متناسين أن اتهام الحكومة بالفشل أو القصور هو اتهام لكل المؤسسات الدستورية التي سهرت مجتمعة على تدبير الجائحة.

إن مداعبة أمنية حكومة الإنقاذ الوطنية لمخيلة البعض وكأننا نعيش أزمة سياسية أو أزمة حكم وسلطة وذلك ضدا على الممارسة الدستورية المغربية بعد دستور 2011 التي قطعت مع هذه "الأمنيات الشاردة". فدستور 2011 قد أرسى قواعدا وأحكاما مؤطرة للانبثاق الديمقراطي للحكومة وهو ما عبر عنه بوضوح خطاب 17 يونيو 2011 إبان عرض جلالة الملك لمضامين الدستور الجديد "الانبثاق الديمقراطي للسلطة التنفيذية بقيادة رئيس الحكومة، وفي هذا الصدد سيتم الارتقاء بالمكانة الدستورية للوزير الأول إلى رئيس للحكومة وللجهاز التنفيذي الذي يتم تعيينه من الحزب الذي تصدر انتخابات مجلس النواب تجسيدا لانبثاق الحكومة عن الاقتراع العام المباشر".

إن الانبثاق الديمقراطي للحكومة عن طريق الاقتراع المباشر يقطع الطريق أمام هذه الدعوات المتهافتة والأمنيات الشاردة ويقر بأن التنافس الانتخابي طبقا للقواعد والاليات الديمقراطية هو السبيل للتداول الديمقراطي على السلطة انطلاقا من نتائج الاقتراع العام المباشر الذي يعبر عن الارادة الحرة للمواطنين. وقد كانت الانتخابات البرلمانية لسنة 2011 ولسنة 2016 أولى محطات تفعيل هذه المقتضيات والتي تم تنزيلها بنفس ديمقراطي عال من خلال اختيار الامين العام للحزب المتصدر للانتخابات، ثم من خلال اختيار تعيين شخصية أخرى من الحزب المتصدر للانتخابات التشريعية في وقت تعالت فيه بعض الاصوات الداعية الى اعلان حالة الاستثناء ،على إثر ما عرف بالبلوكاج الحكومي وذلك كخيار  من بين الاختيارات المتاحة التي يمنحها نص وروح الدستور كما جاء في نص بلاغ الديوان الملكي، ترجيح انتصرت فيه الارادة الملكية لتوطيد الاختيار الديمقراطي ولصيانة المكاسب التي حققتها بلدنا في هذا المجال. كما شكلت محطة التعديل الحكومي برسم سنة 2019 استمرارا لهذا الاختيار وتأكيدا على مكانة مؤسسة رئيس الحكومة في الهندسة الدستورية الجديدة وذلك من خلال تكليف رئيس الحكومة بتقديم مقترحات جديدة لإغناء وتجديد مناصب المسؤولية الحكومية والادارية بكفاءات وطنية عالية المستوى قادرة على قيادة مرحلة "المسؤولية والاقلاع الشامل".

إن تشكيل الحكومة يخضع لقواعد وممارسة دستورية واضحة لا تحتاج الى ابتداع سيناريوهات منافية ومعارضة لهذه القواعد وللممارسة الدستورية ومعاكسة للخيار الديمقراطي وضاربة عرض الحائط بما حققته بلدنا من مكاسب في هذا المجال .

أما هذه الدعوات التي وصلت الى حد التنجيم السياسي بتشكيلة حكومة الانقاذ تبقى أضغاث أمنيات تتكلم بلسان حال العاجزين عن التنافس الانتخابي بالاحتكام الى القواعد والأليات الديمقراطية ولسان حال الذين يعيشون رهاب الولاية الثالثة لحزب العدالة والتنمية، وغير بعيد أن تداعب مخيال البعض فيستأجرون من يسوقها، إلا أن مثل هذا العزف النشاز في سياق لا يطيقه لن يسفر إلا عن سمفونية سيئة بأوركسترا أسوء .

وإن مثل هذه الدعوات ماهي إلا استهداف للحياة السياسية وللأحزاب السياسية وللمسار الديمقراطي ولكل الديمقراطيين وليس لحزب العدالة والتنمية الذي لا يشغل باله الآن سوى نجاح بلادنا في الخروج الآمن وبأقل الخسائر من هذه الجائحة، والتطلع لمستقبل واعد يليق بالمغاربة ويستجيب لطموحاتهم .

التعليقات

أضف تعليقك