حوار.. الناصري: هذه أبرز التدابير الاقتصادية والمالية والنقدية لإنعاش الاقتصاد الوطني

التاريخ: 
الاثنين, يونيو 29, 2020 - 14:30
حوار.. الناصري: هذه أبرز التدابير الاقتصادية والمالية والنقدية لإنعاش الاقتصاد الوطني

قال الخبير الاقتصادي نوفل الناصري، إن جائحة كورونا علمتنا أنه ينبغي الاعتماد على الذات، مقترحا الحد من اللجوء إلى الواردات، عن طريق إنتاج وتصنيع جزء مما يستورده المغرب بحسب الأولويات الوطنية وبكفاءة أكبر وتكلفة أقل.

ويرى الناصري، في حوار مع  pjd.ma، أن الوضعية الحالية تستوجب الحرص على الابتعاد عن الاختيارات التقشفية، واعتماد سياسة ترشيدية شاملة بتدبير أمثل للانفاق العمومي، وإعادة توجيه النفقات العمومية لمختلف الإدارات وفق الأولويات الوطنية، مضيفا أنه ينبغي استعمال دور الطلبيات العمومية، واجراءات السياسة النقدية التوسعية لتحفيز الاقتصاد الوطني وإنعاشه.

وفيما يلي نص الحوار:

س: باعتبار أزمة كورونا كانت مزدوجة أصابت العرض والطلب في آن واحد ومجموعة من القطاعات الاقتصادية والانتاجية تضررت بشكل كبير، ما هي في نظركم أهم الإجراءات الأولية التي ينبغي الاسراع في اعتمادها في القريب العاجل؟

ج: أعتقد أن إجراءات إنعاش الاقتصاد الوطني ينبغي بدورها أن تستهدف تحفيز الطلب وإنعاش العرض قدر الإمكان. وعليه فإن الإجراءات الاولية الضرورية تكمن في ضرورة تكيف الجميع مع الوضعية الجديدة في ظل هذه الجائحة وأن نتعايش مع تواجد فيروس كوفيد 19، مع تبني نمط حياة جديد مبني على الوقاية في كل مناحي الحياة داخل البيت وخارجه وفي مختلف القطاعات الصناعية والوحدات الانتاجية والمحلات التجارية والاسواق والمراكز والمؤسسات العمومية والإدارات والجماعات الترابية والثكنات العسكرية ومقرات الشرطة والمحاكم.

يقوم هذا النمط على اعتماد بروتوكول صحي صارم يتمثل في التباعد الاجتماعي، واعتماد العمل المنقسم داخل المقاولات، والالتزام بإجراءات النظافة، والتطهير والتعقيم المستمر للمرافق ووسائل النقل، واعتماد نقاط كشف الحرارة في مداخل كل مؤسسة أو وحدة صناعية وإنتاجية، واجبارية ارتداء الكمامات الصحية، واستخدام visioconférence قدر الإمكان في المهن التي لا تتطلب الحضور المادي.

س: هناك نقاش يدور في الساحة الوطنية بين الاقتصاديين عن طبيعة التدابير الاقتصادية والمالية التي يمكن أن يعتمدها المغرب من أجل إنعاش اقتصاده دون أن تكون لها تداعيات سلبية على الشق الاجتماعي؟

ج: أعتقد أن الوضعية الحالية تستوجب الحرص على الابتعاد عن الاختيارات التقشفية، واعتماد سياسة ترشيدية شاملة بتدبير أمثل للانفاق العمومي وإعادة توجيه النفقات العمومية لمختلف الإدارات وفق الأولويات الوطنية، علاوة على ذلك، أعتقد أنه ينبغي استعمال دور الطلبيات العمومية كمحفز للاقتصاد الوطني، وذلك بتعبئة كل الوسائل والموارد واستمرار التحفيز العمومي بالحفاظ على وتيرة مستقرة للاستثمار العمومي، مع تعزيز التدخل من خلال نفقات الميزانية، ودمج هذه الأموال في الدورة الاقتصادية وإنقاذ المقاولات المتضررة.

ولا ينبغي الاقتصار على ما تطلقه الحكومة، بل يجب حث المؤسسات العمومية والجماعات الترابية اللتان تمثلان ما يفوق 60 وما يفوق 7 في المائة من الصفقات العمومية على التوالي، على الحفاظ على هذه الطلبات العمومية  لتحفيز نشاط المقاولات المغربية وإنعاش التجارة.

وأقترح أن يتم الحرص على تشغيل القطاعات التي لديها تأثيرات متعددة على الاقتصاد الوطني، كقطاع البناء والأشغال العمومية، حيث سيقوم بدوره بإنعاش عدة قطاعات تجارية وصناعية وحرفية مرتبطة به سواء بشكل مباشر أو غير مباشر، وهي: الاسمنت، الحديد، الصباغة، الكهرباء، السباكة، البلاط، الألومينيوم، الخشب، النقل، الرخام.. إلخ. علاوة على ذلك فهو يشغل عدد كبير من اليد العاملة والتي تشتغل في القطاع غير المهيكل.

وأعتقد أن الوقت حان لإعادة النظر في منظومة التحفيزات الجبائية والعقارية والدعم المالي العمومي، وتوجيهها نحو الاقتصاد الحقيقي والاستثمار المنتج والتصنيع المحلي، بما يرفع من الإنتاجية الداخلية ومقومات التصدير الخارجية.

كما ينبغي مواصلة دعم خزينة المقاولات المغربية والتخفيف بشكل مدروس من العبء الضريبي (على غرار القرارات التي اتخذتها لجنة اليقظة) إلى غاية الخروج من جائحة كورونا. وأدعو في هذا الصدد إلى إبداع والبحث عن طرق مناسبة للحصول على تمويلات وسيولة نقدية إضافية دون المساس باستدامة الأسس الماكرو-اقتصادية الوطنية وتوازن المالية العمومية، وأقصد بذلك (1) تفعيل دور صندوق الزكاة ، (2) أموال قطاع الوقف،  (3) المساهمات التضامنية للأغنياء –حسب إحصائيات دولية 4800 ملياردير مغربي-

س: قام بنك المغرب بتخفيض سعر الفائدة الرئيسي إلى 1,5 في المائة بدل 2.25 في المئة التي كانت قبل مارس، ماذا يعني هذا القرار بشكل عملي؟

ج: قرار البنك المركزي يعني بشكل صريح تخفيض تكلفة الاقتراض بين البنوك، وبالتالي ستصبح تكلفة الاقتراض أقل من ذي قبل، وهو ما يمهد لإقبال عدد كبير من الشركات على الاقتراض بسبب تراجع التكلفة وتيسير الشروط، بما سيُترجم بالرفع من الاستثمارات ومواصلة نشاط هذه الشركات ومحافظتها على اليد العاملة، ومنه الرفع من القدرات الانتاجية للاقتصاد الوطني، وبالتالي المساهمة في تحفيز العرض المغربي وانعاش الدورة الاقتصادية.

كذلك سيؤدي انخفاض تكلفة القروض إلى تحفيز الأسر المغربية لأخذ قروض بنسب فائدة  منخفضة  -كقروض الاستهلاك وقروض السكن ، مما سيدعم الاستهلاك الوطني ويحفز حركية النشاط التجاري، ومن خلاله سيتم تحفيز الطلب الوطني. وهكذا ستساهم هذه السياسة النقدية التوسعية من معالجة تداعيات كورونا على العرض وعلى الطلب.

كما ساهم قرار بنك المغرب بتحرير الحساب الاحتياطي بشكل تام، إلى تخفيض عجز السيولة في النظام البنكي بضخ 11,43 مليار درهم لفائدة البنوك، حيث ارتفع ارتفاع مبلغ ضخ السيولة وصل إلى مستويات استثنائية حيث انتقل من 67,2 مليار درهم في 13 مارس إلى 107,2 مليار درهم في 5 يونيو. علاوة على انخفاض متوسط سعر الفائدة المرجح بين البنوك ب 50 نقطة أساس.

س: ماذا عن التصنيع الداخلي المغربي- مغربي؟

ج: علمتنا جائحة كورونا، أنه ينبغي الاعتماد على الذات، لهذا أقترح الحد من اللجوء إلى الواردات عن طريق إنتاج وتصنيع جزء مما يستورده المغرب بحسب الأولويات الوطنية وبكفاءة أكبر وتكلفة أقل.

سيؤدي استبدال الواردات بالإنتاج المغربي الداخلي إلى خلق موجة جديدة من الاستثمار الحقيقي الذي سيدعم الطلب والاستهلاك معا وسيعزز القيمة المضافة المحلية، مع إحداث فرص شغل عديدة، علاوة على تقليص عجز الميزان التجاري والمحافظة على الاحتياطات من العملة الصعبة.

ولتعزيز هذه الاجراءات، أرى أن من الأولويات الوطنية الحالية، الإسراع بمراجعة اتفاقيات التبادل التجاري الحر مع أوروبا وأمريكا وسيا والدول العربية وتركيا، واعتماد بعض البنود الحمائية في القطاعات التي نريد تطويرها وتقويتها محليا، مما سيمكننا من حماية وتعزيز تنافسية الفاعلين والصناعات المحلية في الساحة العالمية والسوق الدولية، كمثال اعتماد إجراءات للرفع من نسبة الاندماج المحلي، وإقرار في الصفقات العمومية لمواد أولية محلية الصنع.. إلخ. علاوة على إعادة النظر تدريجيا في سلسلة التوريد الخاصة بالمغرب، الهدف هو تسهل تدفق السلع بما فيها الاحتياجات الأساسية، والعمل على الاستثمار أكثر في تنويع بلاد المنشأ لسلاسلها، والبحث عن مصادر جديدة للإمداد والتعامل مع شركاء تجاريين جدد.

س: هل إنعاش الاقتصاد الوطني، ينحصر فقط في هاته المقترحات الاقتصادية والمالية والنقدية والصناعية، أم ينبغي التركيز بالمثل على تعزيز الشق الاجتماعي؟

ج: أعتقد أنه لا يمكن للمقترحات التي تطرقنا إليها أن توتي أكلها، إلا بتعزيز التوازنات الماكرو-اجتماعية والحرص على حماية ما حققه المغرب منذ سنوات. وفي نظري فمن بين الإجراءات المفصلية في انجاح مقترحات الإنعاش الاقتصادي سالفة الذكر، هناك 3 مركزية: (1) ينبغي الحرص على ٍ مأسسة دعم الأسر المغربية الفقيرة والمهمشة وإصلاح منظومة الحماية الاجتماعية وتفعيل آليات استهداف الفئات في وضعية فقر وهشاشة، وذلك عن طريق التعميم التدريجي للسجل الاجتماعي الموحد. (2) ضرورة مواصلة تعزيز المنظومة الصحية الوطنية على غرار الإجراءات المتخذة لصالحها في جائحة كورونا، مع تعزيز الموارد البشرية برفع مردودية الأطر الموجودة حاليا، ومضاعفة العدد الموجود، وإطلاق برنامج خاص ومكثف بالنسبة للمرضى الذين يعانون من أمراض أخرى مزمنة أو خطيرة ومعدية ولم يتم الاهتمام بهم كما كان قبل الجائحة. واجب الوقت يستدعي إطلاق استراتيجية وطنية "من أجل تغطية شاملة في المغرب" مباشرة بعد رفع الحجر، مما سيسرع بخروج التغطية الصحية الخاصة بالمهنيين والأجراء المستقلين. (3) تطور المغرب ومستقبل أبنائه، مرهون بجودة التعليم، ينبغي مواصلة الاهتمام بمنظومة التربية والتكوين وبالبحث العلمي والابتكار والتركيز على الاستثمار في الإنسان وجعله في صلب جميع السياسات العمومية والمخططات الاستراتيجية والبرامج العملية.

 س: ما هي في نظركم أهم عبرة سيستفيد منها المغرب من جائحة كورونا؟

ج: لقد أبانت جائحة كورونا على ضرورة خلق مجتمعات ترتبط فيها التنمية الاقتصادية بمتطلبات العدالة الاجتماعية وتوازن المصالح ويُقدر فيها معنى ودور منظومة القيم الاجتماعية والاقتصادية للشعوب.  وهذا ما نجح فيه المغرب شعبا وملكا، وسيخلد التاريخ جرأة وحكمة وسرعة الدولة المغربية في اتخاذ إجراءات سيادية واستباقية للحفاظ على صحة وكرامة ومستقبل المواطن وجعله في رأس الأولويات والاختيارات الوطنية الكبرى.

هذه الجائحة حفزت القيم المغربية الأصيلة من تعاون وتضامن وتكافل وتآزر وتضحية ومواطنة وحب واعتزاز بالوطن، وأبانت عن قدرة ومهنية مؤسسات الدولة في إبداع إجراءات وخطط مغربية-مغربية أثبتت نجاعتها في المحاصرة الاولية لفيروس كورونا، وهو ما يُبشر بمغرب صاعد ورائد إقليميا وقاريا ودوليا لما بعد كورونا.

تقديم: 
حوار

التعليقات

أضف تعليقك