المسؤولية السياسية في تدبير الشأن العام خلال المراحل الصعبة.. ومسؤولية المناضلين

محمد يتيم
الاثنين, أغسطس 24, 2020 - 19:45
المسؤولية السياسية في تدبير الشأن العام خلال المراحل الصعبة.. ومسؤولية المناضلين

مع توسع الولوج إلى وسائل التواصل الاجتماعي تعززت إمكانية بناء رأي عام وطني ضاغط في اتجاه الإصلاح ومناهضة الفساد والاستبداد .

لكن هذا الانتشار والتمكن من التعبير عن الآراء والمواقف ليس من الضروري أن يسير في هذا الاتجاه بل إنه قد يتحول إلى عكس ذلك للأسباب التالية: الأول انتشار ظاهرة الأخبار المزيفة والحسابات الوهمية التي تختلق الوقائع وتوزع الشبهات والاتهامات ذات اليمين والشمال لأسباب سياسية في الغالب من أجل النيل من المخالفين  والتشويش على الإنجازات وتحويلها إلى إخفاقات

 ثانيا: القابلية للتأثر بالأخبار والمزيفة والحملات المخدومة والموجهة.

ثالثا: وهذا هو الأهم القابلية للاختراق الفكري والنفسي لدى طائفة كبيرة من المتلقين وغياب الحس النقدي والتمحيص للأخبار سواء من خلال إعمال قواعد علم الرواية (التأكد من مصداقية الخبر من خلال التأكد من مصداقية رواته ونزاهتهم الفكرية والخلقية كما دأب على ذلك علماء الحديث فيما يسمى بعلم الجرح والتعديل أو من خلال إعمال منطق العقل وقواعد علم العمران البشري كما فعل ابن خلدون في رد عدد من الروايات الغرائبية المتناقضة مما سماه ب "مستقر العادة"، حيث رد عددا من روايات مؤرخين من قبيل المسعودي في كتابه المقدمة أو من خلال استخدام منطق أو قياس الأولى مصداقا لقوله تعالى (لولا إذ سمعتموه ظن المؤمنون والمؤمنات بأنفسهم خيرا).

ويتأكد هذا حينما يتعلق الأمر بالقضايا الاجتهادية المتعلقة بقضايا مركبة تختلط فيها المصلحة والمفسدة حيث لا يخلو القرار الذي يتخذه مدبر الشأن العام من اختلاط بين الأمرين، ومن ثم يكون قراره مبنيا على ترجيح هو أقرب إلى الصلاح وأبعد عن الفساد.

نعيد التذكير بهذه القواعد المنهجية بمناسبة الجدل الذي أثاره قرار وزارة التربية الوطنية فيما يتعلق بتدبير الموسم الدراسي الجديد باعتماد التعليم عن بعد وفي نفس الوقت التعليم الحضوري مما اعتبره البعض ارتباكا وغيابا للرؤية.

والواقع أن لكل خيار من الخيارين مفاسده ومحاسنه: التعليم عن بعد هو خيار ينتصر لصحة الأطفال وعدم تعريضهم المخاطر الإصابة وربما نقلها ومخاطر إصابة الأسرة التعليمية والإدارية والمشتغلين في النقل المدرسي والنقل العام وهلم جرا، لكنه في نفس الوقت يطرح صعوبات كبيرة ترتبط بتكافؤ الفرص والتفاوتات الاجتماعية والقدرة على الولوج للشبكة العنكبوتية وللمنصات التفاعلية خاصة في حالة وجود متمدرسين داخل نفس الأسرة، وبين العالم القروي والعالم الحضري وداخل العالم الحضري، ناهيك عن صعوبات مواكبة الآباء خاصة إن كانوا  موظفين أو مستخدمين أو ناشطين خارج البيت أو كانوا أميين أو غير متملكين للقدرة على مواكبة أطفالهم في العالم الرقمي.

نحن إذن أمام واقع معقد ومركب خاصة في ظل كورونا الذي حير العالم، وتواجه فيه بلدان متقدمة من حيث الولوج للتكنولوجيا ومن حيث الإمكانيات نفس الصعوبات والمشاكل وإن كان ذلك بدرجات متفاوتة، وهو ما جعل الرأي العام في المغرب وخارجه منقسما  في الموضوع.

والواقع أن في مثل هذه الحالات فإن الخيار لا يكون بين الأحسن والأسوأ ولكن بين الخيار السيء والاختيار الأقل سوءا .

وللأسف فإن بعض رواد مواقع التواصل الاجتماعي من منطلق أبيض وأسود أو من منطلق انتهاز صعوبة المرحلة وتعقيداتها، ينصرف بعضهم بحسن نية إلى مواقف حدية من دون استحضار هذا التعقيد الناشئ عن وضعية استثنائية معقدة، والبعض منهم  بسوء نية ينتهز هذا الواقع المعقد للتشكيك في النوايا، نوايا الحكومة والفاعلين السياسيين سيرا على أجندة التيئييس والتبخيس،

والأدهى من ذلك أن ينزلق بعض المناضلين لهذا الخطاب والمفترض فيهم أن يكونوا مسلحين بحصانة فكرية ومنهجية تجعلهم قادرين على أن يتحملوا مسؤوليتهم الفكرية والأخلاقية باعتبارهم مناضلين في حزب يدبر الشأن العام لا أن يخترقوا بالخطابات المعارضاتية السهلة.

إن تدبير الشأن العام ليس عملا مفروشا بالورود وإنما هو تحمل للمسؤولية واتخاذ للقرارات الأكثر صوابا ولو لم تكن على رأي هذه الفئة أو تلك مع الاستعداد لتحمل مسؤولية القرارات والمآلات. ويفترض في القائمين عليه حصانة فكرية وأخلاقية ومنهجية ضد الإشاعة  وضد الاستهداف المغرض (وليس ضد النقد الموضوعي البناء ولو جاء من معارضة وطنية صادقة) فتدبير الشأن العام لا يسير  بجبر  الخواطر بل باتخاذ قرارات الاعتبار فيها للمصلحة العامة أو لتحقيق أكبر قدر من المصلحة العامة ودرء أكبر قدر ممكن من المفاسد.

وذلك جزء من المسؤولية السياسية وليس انتحال خطاب المعارضة،  الذي ينبغي أن يترك للمعارضة.. في حين أن مدبري الشأن العام  والمناضلين في أحزاب تدبر الشأن العام ينبغي أن ينصرفوا إلى هذا التدبير لحل مشاكل الناس ومساعدتهم في تفهم القرارات والخيارات، أو تنبيه القائمين على تدبير الشأن العام إلى ما يرونه كفيلا بتطوير تدبيرهم داخل مؤسساتهم الحزبية.. وذلك جوهر المسؤولية السياسية.

التعليقات

أضف تعليقك