محمد يتيم يكتب: متلازمة الأخطاء

محمد يتيم
الاثنين, أغسطس 31, 2020 - 20:45
محمد يتيم يكتب: متلازمة الأخطاء

بالرجوع إلى حروب كبرى في التاريخ القريب بين الدول والأمم وصراعات صغيرة داخل نفس الوطن والأمة  وداخل نفس التنظيم بل داخل نفس الأسرة يمكن أن نؤكد على أن تفاقم الأزمات على هذه المستويات جميعا  يرجع إلى متلازمة الأخطاء. وأقصد بذلك  تلك الأخطاء التي تستدعي أخطاء أخرى والأفعال التي تستدعي ردود فعل أخرى إلى درجة تستعصي فيها  المشكلات  التي بدأت صغيرة على الحل،  ويصل فيها  الطرفان إلى إحدى الوضعيتين: أن يرفع أحد الطرفين الراية البيضاء  والاستسلام بسبب عدم قدرته على مواصلة المواجهة أو إلى وضعية الإنهاك المتبادل أو إلى فك الارتباط تقليلا للخسائر وخروجا من الحلقة المفرغة للصراع بأقل الخسائر .

في التاريخ القريب والبعيد أمثلة كثيرة على ذلك نذكر منها مثلا تنازل الحسن بن علي لمعاوية عن الخلافة حقنا لدماء المسلمين فسمي ذلك العام عام الجماعة ( انتصار العقل على الغريزة السياسية )، نجد ذلك أيضا في استسلام ألمانيا أمام الحلفاء ونفس الشيء بالنسبة لليابان بعد إلقاء قنبلتين نوويتين، وفي الاتفاق على إنهاء الحرب بين إيران والعراق التي لم يحسمها لا صدام حسين ولا الخميني وإيران الثورة.

في كل هذه الحالات نجد متلازمة الأفعال والأفعال المضادة والأخطاء التي تولد أخطاء،

تتولد عن متلازمة الأخطاء عند كل طرف من الأطراف  رواية خاصة للأحداث والوقائع والتاريخ  وتفسيرات  وتأويلات تعتمد  على إلقاء اللائمة على الآخر،  وتتناسل تبعا لذلك  الأفعال وردود الأفعال وتتولد عن الأخطاء أخطاء أخرى .

وكما ينطبق ذلك على العلاقات بين الأمم والدول فإنه ينطبق على التنظيمات السياسية والمدنية. ومن ثم يصبح رأب الصدع والمحافظة على وحدة الصف مسألة في غاية الصعوبة إلا في حالة واحدة، هي أن تكون تلك التنظيمات قد وضعت من الآليات المؤسسية ما به ترجح بين الاختيارات و الآراء المختلفة وتحتكم إلى قاعدة: الرأي حر والقرار ملزم، وساد لديها  ثقافة الاحتكام لآليات ديمقراطية متوافق حولها.

متلازمة الأخطاء أيضا تنطبق في العلاقات الأسرية والعلاقات بين الأفراد،  والبشر بطبعهم ميالون لتنزيه ذواتهم وتبرئة أنفسهم من أي مسؤولية عن تدهور العلاقات من منطلق المثال القائل: الجحيم هو الآخرون بلغة جون بول سارتر l enfer c est les autres

والخروج من هذه المتلازمة يحتاج إلى شجاعة فكرية ونفسية وأخلاقية، شجاعة يسائل من خلالها  كل فرد نفسه  عن نصيبه من المسؤولية في متلازمة الأخطاء،  وهي مسألة ليست سهلة،  وقد يحتاج  الأمر فيها  إلى مفكرين ومثقفين ينظرون إلى المسألة من خارج الإطار، الإطار الفكري أو التاريخي أو التنظيمي أو العاطفي والنفسي  والعلائقي الذي يجر الأطراف المتنازعة  بهذا القدر أو ذاك أن نكون جزءا من متلازمة الأخطاء.

لذلك يبدو من اللازم بالنسبة للأمم والتنظيمات أن تكون لها مرجعيات أخلاقية وفكرية ومنهجية ومؤسساتية تتحكم إليها عند الاختلاف، واستقرار العلاقات الاجتماعية والسياسية والدولية رهن بدرجة التوافق على هذه المرجعيات. ونجاح الدولة الحديثة إنما تحقق بالتقدم في بناء هذه المرجعيات من خلال نظرية العقد الاجتماعي. وعلى المستوى الدولي من خلال المواثيق الدولية نسبيا رغم أن منطق القوة ما زال يعلو في الممارسة على منطق المواثيق الدولية.. وهو نضال طويل ينتظر قوى الإصلاح في العالم كله .

التعليقات

أضف تعليقك