أنماط الاقتراع الهجينة وتعزيز التمثيلية السياسية للنساء

مريمة بوجمعة
الجمعة, سبتمبر 25, 2020 - 19:00
أنماط الاقتراع الهجينة وتعزيز التمثيلية السياسية للنساء

نظراً لما للنظام الانتخابي من أهمية جوهرية وحاسمة في رسم السياسات الانتخابية تحرص الأنظمة الديمقراطية التنافسية على أن يكون من أهم مشمولاته الضمانات الأساسية لتمكين المتنافسين والمتنافسات من حظوظ متساوية للفوز، وتضمينه أحسن الآليات والأنماط وأكثرها عدلا وإنصافا  للمترشحين والمترشحات وللهيئات السياسية ، بما يفضي إلى فرز مؤسسات منتخبة ذات تمثيلية حقيقية تعبر عن جوهر وأسس الديمقراطية التنافسية وليس مجرد مؤسسات صورية لا تعكس ولا تعبر عن الإرادة الحرة للناخبين والناخبات.

لذا كان لزاما أن يتضمن النظام الانتخابي آليات واجراءات موضوعية  لترجمة أصوات الناخبين إلى مقاعد وهيئات تمثيلية، يكون من مخرجاتها  التوافق الموضوعي المسبق على تلك الآليات  و التسليم بالنتائج التي تفرزها  بسبب التسليم المسبق بسلامة الآليات المذكورة وطابعها الموضوعي ، والتسليم المسبق أنها ستفرز  تقديرا حقيقيا للأوزان السياسية، وأنها تعكس بحق إرادة الناخبين، ومن ثم يكون من مخرجاتها  تعزيز الاختيار الديمقراطي كإحدى الثوابت الدستورية وتحصين المكتسبات التي حققتها بلدنا في مسارها بناء واكتمال الصرح الديمقراطي لا أن تسير في الاتجاه المعاكس وأن تعكس بدل ذلك نكوصا ديمقراطيا ، يزيد من المس بمصداقية المؤسسات التمثيلية ، ومصداقية الفاعلين السياسيين  .

وفيما يتعلق ب "تعزيز التمثيلية السياسية للنساء" الذي يعتبر مؤشرا على التقدم في البناء الديمقراطي ، فإن مناقشتها لا تستقيم  في منأى عن مناقشة الضمانات السياسية والقانونية لتعزيز الاختيار الديمقراطي في الاستحقاقات الانتخابية المقبلة، ضمانا لعدالة التمثيلية وحماية للإرادة الحرة للناخبين والناخبات لكونهما أولى التحديات التي يجب أن يشتغل عليها النساء والرجال عوض التنازع على مقاعد وهيئات فاقدة للمصداقية وفاقدة للقرار، فنتيه في نقاش يبعدنا عن النقاش الحقيقي، ويختزل المشاركة السياسية للنساء  في أرقام ومحاصصة يحجب حضورهن وكفاءتهن .

إن التزام الدولة بالسعي نحو تحقيق المناصفة قد لا يفهم منه فقط تحقيقها للمناصفة كهدف دستوري من خلال آليات التمييز الايجابي وإنما كذلك من خلال اعتماد نظام انتخابي يضمن حضورا وازنا ومنصفا للنساء يتجاوز الهاجس العددي، ويساعد على الولوج السلس للوظائف الانتخابية من خلال آليات وقواعد التنافس الديمقراطي .

إن أولى الآليات في هذا النظام الانتخابي والتي تؤثر بدرجة عالية على نسبة مشاركة النساء في الحياة السياسية هو نمط الاقتراع المعتمد وما يرتبط به، فقد أثبتت العديد من الدراسات عيوب النظام الفردي وآثاره على المشاركة السياسية للنساء اللواتي لا يستطعن المنافسة بشكل متساو في نمط تكون فيه الغلبة للعصبيات القبلية وللأعيان وللمال السياسي وهي شروط تعجز النساء عن التنافس من خلالها، كما أنه وبفعل عوامل ثقافية واجتماعية عديدة فإن ذهنية المرشح والناخب قد تختار المرأة ولكنها غالبا لا تكون اختياره الأول. لذلك فإن توسيع رقعة اعتماد نمط الاقتراع الفردي المنحاز بطبيعته ضد الفئات الاكثر هشاشة أو التحايل على نمط الاقتراع اللائحي وتحويره الى نمط اقتراع هجين شبيه بنمط الاقتراع الفردي  هو الأسوء بالنسبة لتعزيز التمثيلية السياسية للنساء .

فقد يتحول نمط الاقتراع اللائحي إلى نمط شبيه بنمط الاقتراع الفردي، حيث يتأثر نمط الاقتراع بالتقطيع الانتخابي الذي يعد آلية سياسية قبل أن يكون آلية تقنية أو إدارية، ويعد كذلك من العوامل المؤثرة في النتائج الانتخابية حيث إن النزوح في التقطيع الانتخابي نحو الدوائر الصغيرة من مقعدين يجعلنا أمام نمط اقتراع هجين لا هو بنمط الاقتراع الفردي ولا هو بنمط الاقتراع اللائحي، مما يقتضي اعتماد تقطيع انتخابي تحكمه فلسفة واضحة وتؤطره معايير علمية محددة ويقوم على قواعد الديمقراطية التنافسية ويتحقق معه شرط العدالة التمثيلية ويعكس الإرادة الحقيقية للناخبين والناخبات ويمكن من تعزيز المشاركة السياسية للنساء.

كما أن اعتماد نمط الاقتراع اللائحي النسبي مع اعتماد احتساب القاسم الانتخابي بناء على قاعدة المسجلين او حتى قاعدة الأصوات المعبرة عنها يجعلنا امام نمط اقتراع "مسخ" ومشوه غريب عن كل النماذج المتكاملة لأنماط الاقتراع المعتمدة حتى الآن وفي كل الأنظمة الديمقراطية، نمط اقتراع يقوض الأسس التي تقوم عليها الديمقراطية ويشجع على العزوف السياسي ويهمش إرادة الناخب والناخبة ويفرغ العملية الانتخابية من أي معنى ويقلل من حظوظ النساء في الفوز في إطار الترشح بالدوائر المحلية بل يعدمها للصعوبة الشديدة لفوز الحزب الواحد بمقعدين ضمن اللائحة ولأنه في الغالب الأعم لا ترشح النساء على رأس الدوائر المحلية.

إن الجواب على سؤال تعزيز المشاركة السياسية الحقيقية والفاعلة للنساء في الاستحقاقات المقبلة يكمن أولا في تعزيز الخيار الديمقراطي في هذه الاستحقاقات واحترام قواعد وجوهر الديمقراطية التنافسية واعتماد نظام انتخابي تضمن مبادؤه وأجهزته وآلياته وأدواته الولوج المتكافئ للوظائف الانتخابية ويحقق العدالة التمثيلية ويسهم في خلق وإفراز مؤسسات منتخبة ذات مصداقية تعكس الإرادة الحرة للناخبين والناخبات،

لذلك فإن الديناميات الحزبية التي لا تصب ولا تعمل في هذا الاتجاه في خضم ورش المشاورات مع الأحزاب السياسية استعدادا للاستحقاقات الانتخابية المقبلة تضرب في العمق تعزيز التمثيلية السياسية للنساء.

التعليقات

أضف تعليقك