اليونسي: مشاورات الانتخابات تؤطر بمبدأي "الاختيار الديمقراطي" و"ربط المسؤولية بالمحاسبة"

التاريخ: 
الأربعاء, سبتمبر 30, 2020 - 16:30
اليونسي: مشاورات الانتخابات تؤطر بمبدأي "الاختيار الديمقراطي" و"ربط المسؤولية بالمحاسبة"

أكد عبد الحفيظ اليونسي، أستاذ القانون الدستوري بجامعة الحسن الأول بسطات، أن الاختيار الديمقراطي وربط المسؤولية بالمحاسبة، يجب أن يؤطرا المشاورات الراهنة استعدادا للانتخابات البرلمانية والجماعية المقبلة، مشددا على أنه من غير المقبول إطلاقا الالتفاف على النص الدستوري والقانوني ولي عنقه خدمة لأحزاب صغيرة أو التي لا تحظى بالدعم الشعبي.

وأوضح اليونسي، في حوار مع مجلة العدالة والتنمية في عددها 20 الصادر نهاية الأسبوع الماضي، أن الرهان الأساسي للانتخابات المقبلة هو استعادة الثقة في المؤسسات وتعزيز هذه الثقة، معتبرا أنها أهم ما يضمن الاستقرار والانسيابية وتفعيل أدوار الدولة.

وهذا نص الحوار كاملا:

ــ ما قراءتكم لمشاورات الإعداد للانتخابات المقبلة؟

بداية يجب التذكير بأن المغرب حافظ بعد دستور 2011 على تقليد مهم وفي صالح التجربة الديمقراطية في البلاد وهو الحفاظ على انتظام إجراء الانتخابات في وقتها، وهذا الانتظام لا يمكن إلا تثمينه، لأنه يعطي للعملية السياسية في البلاد الاستقرار. ومن جهة أخرى، فبلادنا تميزت أيضا بجو الحوار الذي يهم القضايا الخلافية، ولذلك، ورغم اختلاف وجهات النظر، دائما ما يلجأ المغاربة إلى الحوار وإلى الحلول الوسطى والتوافق، والاحتكام إلى مرجعية الدستور.

غير أن هذه المميزات لا تنفي وجود ما يدعو للقلق والتخوف على التجربة المغربية، ومنها دعوات حكومة التقنوقراط، لاسيما وأن الجارة تونس قد مضت في هذا الاتجاه، عقب انتخابات برلمانية شهد العالم بنزاهتها وشفافيتها، ولذلك ذهاب المغرب في هذا الاختيار كما يريد البعض هو أمر خطير للغاية.

ــ ما هي أهم الرهانات التي ترون أن على الانتخابات المقبلة تحقيقها؟

أرى أن هناك ثلاثة رهانات أساسية على الانتخابات المقبلة تحقيقها، وأولها هو رهان الثقة في المؤسسات، لأن الثقة تضمن الاستقرار والانسيابية وتفعيل أدوار الدولة، مما يجعل من العمل الجماعي والمشترك لأجل تعزيز هذه الثقة وترسيخها أمرا ضروريا، وهو مجهود يجب أن يبذل من لدن جميع المتدخلين والشركاء والفاعلين، أفرادا ومؤسسات، ولذلك فيجب الحذر من النقاشات التقنية الخاصة بالانتخابات التي تروم إفراغ النصوص من مضمونها، والتي تمس بالديمقراطية، لأنها من معالم تهديد هذه الثقة وهدمها.

والرهان الثاني، يتمثل في الانسيابية وانتظام العملية الانتخابية، حيث يجب أن تمر هذه العملية في أجواء عادية، ولسنا بحاجة إلى التذكير بأن المغرب بلد لديه جذور عريقة، ولديه مؤسسات تحفظ استقراره، ولذلك لا يمكن تصوير الانتخابات المقبلة وكأنها ستكون نهاية التاريخ، كما يجب القبول الجماعي بمخرجات العملية الانتخابية.

وأما الرهان الثالث، فهو انعكاس التعبئة الاجتماعية في المشاركة السياسية، فمنذ الدستور الجديد، ظهرت ــ بفعل عوامل متعددة ــ فئات جديدة لها مصالح خاصة، إما فئوية أو أنها تمس شريحة واسعة من المجتمع، سواء أكانت لها وظائف رسمية أو أنها تشتغل في القطاع الخاص، وهذه الفئات لابد من تحفيزها على المشاركة السياسية عبر المشاركة الانتخابية، ولذلك يجب أن تجد لنفسها موطئ قدم في الانتخابات المقبلة.

ــ ما رأيكم في النقاش الدائر حاليا بخصوص العتبة الانتخابية؟

من خلال الاطلاع على مذكرات الأحزاب السياسية بخصوص الاستحقاقات الانتخابية لسنة 2021، وتحديدا ما تعلق بالعتبة، فيتبين وجود حزبين دعيا إلى إلغاء العتبة، فيما دعت أخرى للأمر نفسه دون أن تذكر ذلك في مذكراتها، وأعتقد أن الهدف من ذلك هو لي عنق النص لجعله على مقاس بعض الأحزاب.

ويجب التأكيد أن العتبة هي أمر معمول به في جميع الدول تقريبا، حتى القريبة منا من حيث المستوى الديمقراطي، كبلغاريا التي وضعت عتبة 5 بالمائة، وهنا دول أخرى ضاعفت هذا الرقم إلى 10 بالمائة كتركيا وغيرها، والمرام الأساس من العتبة هو عقلنة المشهد السياسي والانتخابي، وغيابها أو ضعفها يؤدي إلى تشكيل  حكومات ائتلافية غير مستقرة، وبلادنا مقبلة على تحديات كبيرة، اقتصادية واجتماعية وسياسية تتطلب وجود حكومة منسجمة وقوية ومستقرة، وهي أمور لن تتحقق إن تم خفض العتبة أو تقليصها.

ــ هل أنتم مع إلغاء اللائحة الوطنية أم مع تعديلها؟

المحكمة الدستورية اعتبرت اللائحة الوطنية أنها ذات طبيعة مؤقتة، وعمليا، هي وسيلة لتحفيز مشاركة النساء والشباب في العملية السياسية، وتستخدمها الدول في مرحلة الانتقال الديمقراطي، ولذلك المغرب مطالب بالحفاظ على هذه اللائحة في أفق معقول، ومن ذلك تحويلها إلى طابع محلي في الانتخابات بعد المقبلة، من خلال إلزام الأحزاب بترشيح الشباب والنساء في اللوائح المحلية، لأن استدامة اللائحة الوطنية هو أمر يتعارض مع مبدأ التنافس وتكافؤ الفرص بين الجميع.

ــ هناك إشكال حقيقي يظهر في الانتخابات وهو مسألة استعمال المال، كيف يمكن مجابهة هذه المسألة؟

المجلس الأعلى للحسابات يراقب إنفاق المرشحين والأحزاب خلال الانتخابات، لكن المطلوب لمواجهة استعمال المال بشكل غير شرعي أو غير قانوني، هو مواكبة هذه العملية من قِبل النيابة العامة، لأن تدخل المجلس الأعلى هو تدخل بعد وليس آنيا، ومما يبرر الاستعانة بالنيابة العامة في هذا الموضوع، أن العديد من المرشحين يتجاوزن السقف المالي المحدد للإنفاق على الحملة الانتخابية، فضلا أن بعضهم قد يستعمل هذا الإنفاق كوسيلة لتبييض الأموال ومنها من يكون من مصادر غير مشروعة.

ــ دار نقاش حول الإشراف السياسي على الانتخابات، ما موقفكم من الموضوع؟

الحديث عن هيئة مستقلة للإشراف الانتخابي مهم لما يمكن أن نسميه بالاستدامة الديمقراطية، لكن الملاحظ أن حضور وزارة الداخلية وتجربتها في تدبير العملية الانتخابية تؤكد أن الوصول إلى هيئة مستقلة يمكن بلوغه بشرط  التدرج، وليس بين عشية وضحاها، وفي أفق ذلك، من الواجب التأكيد أن على وزارة الداخلة أن تكون على مسافة واحدة من جميع الأحزاب، وأن تلتزم بتطبيق القانون، وعلى القوانين الانتخابية التي سيتم وضعها أن تواكب حاجة المجتمع وانتظاراته، لا أن تكون وسيلة لمعاقبة أحزاب نشطة لصالح أحزاب ضعيفة، وما أؤكد عليه، أن الاختيار الديمقراطي وربط المسؤولية بالمحاسبة عليهما أن يؤطرا مشاورات العملية الانتخابية ومخرجاتها.

ــ أختم معكم دكتور بالنقاش الدائر عن العزوف الانتخابي الذي يتحدث عنه البعض خلال الانتخابات المقبلة، ما قراءتكم للموضوع؟

بداية يجب أن نقول إن العزوف ليس وليد اليوم، فالعالم، منذ خمس أو أربع سنوات، وهو يشهد صعود المد الشعبوي، صعود راجع أساسا إلى تراجع الثقة في المؤسسات، لكن هذا الصعود لا يعني ولا يبرر الالتفاف على الديمقراطية. وفي المغرب، أعتقد أن نسبة المشاركة في الانتخابات البرلمانية قد تنخفض مقارنة مع الانتخابات السابقة، فيما ستحافظ نسبة المشاركة في الانتخابات الجماعية على استقرارها.

وأرى أن مدخل معالجة هذا التراجع يكمن أساسا في إقناع مختلف الفئات الاجتماعية والاقتصادية بالمشاركة الانتخابية لأجل تحقيق مصالحها، فهذه الفئات إن اقتنعت بأهمية المدخل السياسي في تعزيز وتحسين أوضاعها ستشارك في العملية الانتخابية، من جانب آخر، وجب التحذير من الذين يعملون على تبخيس العمل السياسي، ولسنا بحاجة إلى التذكير بأن هذا التبخيس هو لعب بالنار، لأن شرعية المؤسسات تقوم على مستوى المشاركة الانتخابية والسياسية للمواطنين، وارتفاع هذه النسبة يعزز استقرار الدولة ويقوي قدرتها القيام بأدوارها.

تقديم: 
حوار

التعليقات

أضف تعليقك