بوكمازي يكتب: القاسم الانتخابي بين القواعد الدستورية والأنظمة الانتخابية المقارنة

رضا بوكمازي
الخميس, أكتوبر 1, 2020 - 15:30
بوكمازي يكتب: القاسم الانتخابي بين القواعد الدستورية والأنظمة الانتخابية المقارنة

بطبيعتها تكون اللحظات السابقة لأي استحقاق انتخابي زاخرة بالنقاشات والحوارات وتبادل وجهات النظر حول الظروف والشروط السياسية والقانونية والتدبيرية التي تؤطر الاستحقاق المعني، وكون بلادنا مقبلة على استحقاقات انتخابية مهمة سنة 2021 والتي يترتب عليها إعادة تشكيل كل المؤسسات من مجلسي البرلمان وبالتبع الحكومة  والجهات وباقي الجماعات الترابية وكذا الغرف المهنية، وفي الوقت الذي كان يفترض أن يبرز النقاش السياسي والدستوري والقانوني حول الظروف والمناخ الذي يجب أن تجرى فيه هذه الاستحقاقات الانتخابية وبالأفق الوطني العالي الذي يستحضر طبيعة اللحظة التي تمر منها البشرية جمعاء في ظل جائحة كوفيد 19 وما تستتبعه من حاجة إلى تعبئة وطنية لمواجهة تداعياتها الحالية والمستقبلية، ويستحضر كذلك أهمية هذه الاستحقاقات في مسار البناء الديمقراطي الذي يسعى له المغاربة، إلا أن النقاشات بقيت عموما منحصرة حول نمط الاقتراع وكل المداخل التي من شأنها الحد من حضور فاعل سياسي أو بالأحرى تشويه إرادة الناخبين  خاصة عبر اقتراح اعتماد أساس حسابي جديد لتحديد القاسم الانتخابي الذي عبره يتم توزيع المقاعد الانتدابية المتنافس عليها.

وقد سبق أن وقفت على هذا الموضوع في مقال أخر والذي بينت فيه خطورة المطالبة باعتماد قاعدة المسجلين أو الأصوات المعبر عنها كأساس لاحتساب القاسم الانتخابي وأثر ذلك في تحوير إرادة الناخبين والتلاعب بها من مدخل سياسي، وهو ما دفعني إلى المزيد من التفصيل في هذا الموضوع ولكن بمقاربة مختلفة عن المعتمدة في المقال الأول، مقاربة تنهج من القواعد والمبادئ الدستورية وتستحضر التجارب المقارنة في مجال أنماط الاقتراع وخاصة ما تعلق منها بأسس احتساب القاسم الانتخابي.

نمط الاقتراع والأنظمة المقارنة

في البداية وجبت الإشارة إلى أن نمط الاقتراع لا يعد إجراء تقنيا عاديا يتم على أساسه تدبير العملية الانتخابية، بقدر ما هو تجلي وانعكاس لوضعية السياسة والديمقراطية في البلاد إضافة إلى إبرازه لطبيعة اللحظة السياسية التي تعرفها الدولة المعنية، كما أن نمط الاقتراع والنظام الانتخابي في عمومه لدى كل دولة، الأصل فيه الجنوح إلى الاستقرار والدوام في الاعتماد والعمل، اللهم ما يمكن أن يدخل عليه من تعديلات تسهم في تطويره وتعكس إرادة الأمة بشأنه، خاصة أن لحظات الصياغة الأولى تكون مهووسة بتحقيق التوافق وضمان التمثيلية الواسعة لكل القوى الفاعلة، على أساس أن تطور الزمن السياسي داخل البلد المعني، ورسوخ قواعده المؤسسية يسهم في تطوير النظام الانتخابي بما يحقق الديمقراطية ويتحلل من عبئ لحظات الولادة الأولى لأي نظام ديمقراطي واكراهاتها، وهذا ديدن جل التجارب الديمقراطية.

وإذا كانت أنماط الاقتراع قد تعددت وتباينت من دولة إلى أخرى بين نظام التمثيل النسبي أو النظام الأغلبي سواء كان بالاقتراع الفردي أو عبر اللائحة فإن ما يهمنا اليوم هو النمط الذي اعتمدته بلادنا لما يقارب عقدين من الزمن والذي أجريت في كنفه كل الاستحقاقات الانتخابية التي عرفها العهد الجديد، ويتعلق الأمر هنا بنظام التمثيل النسبي الذي يتسم بكونه أكثر الأنظمة قدرة على تحقيق نوع من التناسب بين عدد الأصوات الصحيحة وعدد المقاعد التي يتم توزيعها على المرشحين، مع التأثيرات التي يتم تسجليها بين الطرق المعتمدة في احتساب وتوزيع المقاعد بين قاعدة أكبر البقايا وقاعدة أقوى المعدلات.

هذا النمط أي نظام التمثيل النسبي المعتمد من قبل عدد كبير من الدول على رأسها هولاندا، البرتغال، السويد، اليونان، إيطاليا، بلجيكا، اسبانيا، تركيا، الأرجنتين، الشيلي، البيرو، كولومبيا، البرازيل، الجزائر، تونس، لبنان، العراق، أنجولا، جنوب افريقيا، وغيرها من الدول التي لا يتسع المجال لذكرها، يلاحظ أنه مع الاختلاف الحاصل بين القاعدة المعتمدة من دولة إلى أخرى في توزيع المقاعد بين قاعدة أقوى المعدلات والتي تتميز بكونها الأكثر قدرة على تحقيق نوع من التناسب بين عدد الأصوات الصحيحة وعدد المقاعد المتحصل عليها من قبل اللوائح المتنافسة وقاعدة أكبر البقايا (الارجنتين، البيرو، البرازيل، أنكولا، بلجيكا، إيطاليا، هولاندا، البرتغال، تركيا، اليونان، السويد، العراق تعتمد طريقة أقوى المعدلات في حين تعتمد باقي الدول قاعدة أكبر البقايا)، وكذا الاختلاف المسجل حول لجوء بعضها لإجبارية التصويت كما هو الأمر بالنسبة لكل من الارجنتين والبيرو البرازيل، أنكولا، بلجيكا، إيطاليا، تركيا واليونان، فإنها تجمع على اعتماد قاعدة الأصوات الصحيحة كأساس لتحديد القاسم الانتخابي والذي يتم عبره توزيع المقاعد المتنافس حولها، مع التمايز من حيث العتبة المعتمدة كحد أدنى للمشاركة في توزيع المقاعد والتي تصل في بعض الدول إلى 10 في المائة من عدد الأصوات الصحيحة.

وبغض النظر عن سؤال اللوائح الانتخابية العامة وكيفية مراجعتها وتجديدها في مختلف هذه الأنظمة الانتخابية، خاصة وإذا ما قورنت باللوائح الانتخابية بالمغرب، ودون استحضار نسب المشاركة في العمليات الانتخابية التي تجدها في الكثير من الدول المقدمة أعلاه والتي قد تصل في بعضها إلى ضعف ما تعرفه نسبة المشاركة في بلادنا، يتضح أن هذه الأنظمة الانتخابية وحتى منها من أخذت بمبدأ إجبارية التصويت لم تجرأ على اعتماد قاعدة المسجلين في اللوائح الانتخابية العامة كأساس لتحديد القاسم الانتخابي وتوزيع المقاعد بناء عليه، لما لهذه القاعدة من إخلال بكل مقومات النظام الديمقراطي وكذا إخلالها بمبدأ المساواة أمام القانون بين عموم المواطنين والمواطنات، ولما لها من أثار سلبية على العملية الانتخابية وتعزيز شروط المشاركة فيها ومن تمت تقوية المشاركة السياسية بشكل عام، على اعتبار أنها تجعل المصوت وغير المصوت سيان في إفراز الخارطة السياسية، واثارها بعد ذلك على تدبير الشأن العام.

القاسم الانتخابي على أساس قاعدة المسجلين والتعارض البين مع مختلف القواعد والمبادئ الدستورية

كثيرة هي المبادئ والقواعد الدستورية التي جاء بها دستور 2011، والذي في قراءته الشاملة تجده ينحو منحى تبني شروط الانتقال إلى الديمقراطية، ولعل أبرزها ما أورده تصديره من كون المملكة المغربية، وفاء لاختيارها الذي لا رجعة فيه، في بناء دولة ديمقراطية يسودها الحق والقانون، تواصل بعزم مسيرة توطيد وتقوية مؤسسات دولة حديثة، مرتكزاتها المشاركة والتعددية والحكامة الجيدة، أو ما جاء في الفصل الأول بكون قيام النظام الدستوري للمملكة على أساس فصل السلط، وتوازنها وتعاونها، والديمقراطية المواطنة والتشاركية، وعلى مبادئ الحكامة الجيدة، وربط المسؤولية بالمحاسبة، مع دسترة الاختيار الديمقراطي باعتباره ثابتا من الثوابت الجامعة التي تستند عليها الأمة في حياتها العامة، ناهيك عن الانتقال النوعي في مصدر السيادة والتي أسندت للأمة بمقتضى الفصل الثاني حيث نص على كون السيادة للأمة، تمارسها مباشرة بالاستفتاء، وبصفة غير مباشرة بواسطة ممثليها وذلك عبر اختيار الأمة لممثليها في المؤسسات المنتخبة بالاقتراع الحر والنزيه والمنتظم عبر  الانتخابات الحرة والنزيهة والشفافة والتي تعد أساس مشروعية التمثيل الديمقراطي وفق ما نص عليه الفصل الحادي عشر من الدستور.

ومن جهة أخرى أسس دستور 2011 لمكانة مهمة للأحزاب السياسية حيث منحها اختصاص تأطير المواطنات والمواطنين وتكوينهم السياسي، وتعزيز انخراطهم في الحياة الوطنية، وفي تدبير الشأن العام، والمساهمة في التعبير عن إرادة الناخبين، والمشاركة في ممارسة السلطة، على أساس التعددية والتناوب، بالوسائل الديمقراطية، وفي نطاق المؤسسات الدستورية، في حين جعل التصويت في الانتخابات من بين الحقوق الدستورية المخولة لكل المواطنين والمواطنات.

 ومن ناحية أخرى، كرس دستور 2011 مبدأ ربط المسؤولية بالمحاسبة عبر التنصيص على تعيين الملك لرئيس الحكومة من الحزب السياسي الذي يتصدر انتخابات أعضاء مجلس النواب، وعلى أساس نتائجها وجعل التنصيب البرلماني للحكومة رهينا بنتائجها من خلال الحصول على أغلبية أصوات أعضاء مجلس النواب، مع إقرار ترتيب إعفاء الحكومة بكاملها من لدن الملك إثر استقالة رئيسها، وكل ذلك يهدف إلى جعل الانتخابات التشريعية مصدر وأساس تدبير الشأن العام وجعلها في نفس الوقت لحظة لمساءلة الحزب أو الأحزاب السياسية عن تدبير المرحلة السابقة.

ومما تقدم يتضح أن الدستور المغربي أسس لمجموعة من المبادئ والقواعد الدستورية التي يجب على الاختيار السياسي أو القانوني المترجم لها الوفاء لمضمونها وروحها، وهو ما يجعل من اقتراح اعتماد قاعدة المسجلين في اللوائح الانتخابية كأساس لتحديد القاسم الانتخابي، اقتراحا مخلا بتحقق هذه القواعد والمبادئ الدستورية، بل يتجاوز ذلك إلى تحقيق عكس ما صبت إليه من ضرورة احترام الإرادة العامة المعبر عنها عبر الانتخابات الحرة والنزيهة.

ويبرز هذا التعارض بشكل جلي أولا على مستوى احترام الإرادة العامة للناخبين وحقهم في تكليف الاختيار السياسي المحدد من قبلهم بناء على ما عبروا عنه من خلال المشاركة في العملية الانتخابية وتعبيرهم عن ارادتهم المنفردة التي تتحول إلى إرادة عامة، بتدبير الشأن العام سواء في بعده الوطني أو الترابي، مما يجعل تجليات هذه الإرادة العامة معيبة من خلال النتائج التي يحققها اعتماد قاعدة المسجلين عوض الأصوات الصحيحة في احتساب القاسم الانتخابي.

التعارض الثاني يتجلى في تمييع المبدأ الدستوري القاضي بربط المسؤولية بالمحاسبة، ففضلا عن الصعوبات التي يطرحها النظام الانتخابي الحالي في إمكانية حصول أي حزب سياسي على الأغلبية التي تمكنه من تشكيل الحكومة وتحمل المسؤولية الكاملة في تدبير الشأن العمومي بما يمكن المواطن من تقييم هذه المسؤولية وترتيب الجزاء السياسي المناسب عند أول استحقاق انتخابي، يطرح هذا المقترح صعوبة بالغة في وضوح المسؤولية السياسية من خلال الخريطة السياسية التي يمكن إفرازها من خلال هذا المقترح عبر مزيد من بلقنة المشهد السياسي وتعقيد كل إمكانيات تشكيل حكومة منسجمة وقوية قادرة على القيام بالأدوار الدستورية والسياسية المطلوبة من جهة، وخاضعة للمساءلة والمحاسبة البرلمانية والسياسية من قبل الأمة المغربية.

التعارض الثالث الذي يطرحه هذا المقترح يتعلق بالمساواة أمام القانون بين عموم المواطنين والمواطنات، حيث إن هذا المقترح سيحدث وضعية تفاضل بين مواطن وأخر نظرا لدرجة تأثير إرادة الناخب الفرد إذا ما قورنت بإرادة ناخب أخر، كما أن هذا المقترح سيؤدي إلى عدم احترام مقتضيات الفصل  القاضي بكون التصويت حق شخصي  كما أنه واجب وطني في نفس الوقت، أي أن اعتماد قاعدة المسجلين ستضرب في الجوهر هذه القاعدة وتؤثر على طبيعة المشاركة في العملية الانتخابية نظرا لمحدودية تأثير المواطن المتحمل لمسؤوليته في التصويت باعتباره حقا وواجبا وطنيا، إذا ما قورن بأثر المواطن الذي يختار عدم المشاركة في العملية الانتخابية، وهو ما سيؤثر لا محال على نسب المشاركة في العمليات الانتخابية، ناهيك عن الكثير من القواعد والمبادئ الدستورية الأخرى التي يصعب الوقوف عليها، إضافة إلى الصعوبة التقنية التي يطرحها هذا المقترح في توزيع كل المقاعد على اللوائح المرشحة.

يطرح مقترح اعتماد القاسم الانتخابي على أساس قاعدة المسجلين تحديا كبيرا على المسار الديمقراطي لبلادنا سواء من حيث غرابته وعدم وجوده في مختلف الأنظمة المقارنة، إضافة إلى تعارضه مع مختلف المبادئ والقواعد الدستورية، وباستحضار الدور الدستوري الذي يفترض أن تلعبه الأحزاب السياسية في العملية الديمقراطية ودفاعها عن مقوماتها، وهو ما يتضح من خلال المشاورات السياسية ومطالب بعض الأحزاب السياسية الغريبة أنه لا يهمها لا ديمقراطية ولا اختيار ديمقراطي بقدر ما يهمها الحد من حضور حزب سياسي ومعارضة الإرادة العامة للناخبين، والتهيئة إلى الدخول في انقلاب ناعم على كل المقتضيات الدستورية المؤسسة إلى تحقيق الثابت الدستوري المتمثل في الاختيار الديمقراطي وهو ما سيؤثر لا محالة على ثقة المواطنين والمواطنات في المؤسسات السياسية والدستورية ويحدث حالة من الاختلال واللاتوازن بين إرادة الناخبين ونتائج الانتخابات، تجعل من مشروعية القرار السياسي في حالة ضعف واهتزاز، إضافة إلى تقويضها لكل مقومات نظام التمثيل النسبي الذي يسعى إلى إحداث حالة من التوازن بين عدد الأصوات المعبر عنها ونتائجها على مستوى مؤسسات التمثيل الشعبي.

التعليقات

أضف تعليقك