سكال يكتب: التعددية السياسية المفترى عليها

عبد الصمد سكال
السبت, أكتوبر 3, 2020 - 18:15
سكال يكتب: التعددية السياسية المفترى عليها

إحدى التبريرات/التخويفات المستعملة بكثافة لتبرير عدد من المقترحات الغرائبية في مجال التحضير للاستحقاقات الانتخابية المقبلة، من قبيل المقترح المناقض للديموقراطية المتعلق باعتماد مجموع المسجلين في اللوائح الانتخابية عوض عدد الأصوات  المعبر عنها والصحيحة كما هو عليه الشأن في عموم الأنظمة التي تعتمد الاقتراع اللائحي، هي الحرص على الحفاظ على التعددية السياسية في المغرب وضمان تمثيلية أكبر عدد من الأحزاب في المؤسسات المنتخبة وخاصة البرلمان.

وهو ما يثير الملاحظات التالية:

- إن إحدى النقط التي يكاد يكون عليها الإجماع طيلة العقود الماضية من طرف عموم الأحزاب المغربية، ومن ضمنها كل تلك التي تدعم اليوم المقترحات الغرائبية وتتباكى على التعددية،  هي الحاجة إلى عقلنة المشهد السياسي ووضع نظام انتخابي يمكن من إفراز أغلبيات منسجمة  وتشكيل حكومات بعدد محدود من الأحزاب. يكفي في ذلك العودة إلى تصريحات زعماء وقيادات هذه الأحزاب ومذكراتها الانتخابية وبرامجها السابقة. ولعل من نافلة الوقت أن الانتقال من النظام الفردي إلى النظام اللائحي في مرحلة التحضير للتناوب التوافقي كانت إحدى مبرراته الأساسية ما ذكر أعلاه، بالإضافة لتحويل التصويت من تصويت على الأشخاص إلى تصويت على الأحزاب والبرامج السياسية.

فما الذي تغير حتى تنقلب جل الأحزاب على نفسها 180 درجة في هذا الموضوع ؟

- إن التعددية السياسية في العمق هي تعددية الاختيارات والبرامج وبالتالي وجب على الأحزاب أن تجتهد على هذا المستوى لتكون لها هوية حقيقية يستطيع عبرها المواطن أن يميز بينها وبين غيرها، والحاصل أن هذا الأمر بعيد جدا في الواقع، حيث يجد المتابع المتخصص صعوبة في التمييز بين اختيارات وطروحات عدد مقدر من الأحزاب، فما بالك بالمواطن العادي. عوض الاجتهاد في ابتداع اقتراحات مناقضة لمبادئ الديمقراطية همها تقليص حظوظ المنافس الرئيس وكسب مقاعد دون وجه حق .

- بالقيام بدراسة اعتمادا على  النتائج للاستحقاقات الانتخابية السابقة يتبين أن كل التغييرات المقترحة لن تمكن من زيادة عدد الأحزاب الممثلة في البرلمان، بل ستؤثر فقط على عدد مقاعد الأحزاب الأولى بتقليصها لصالح الأحزاب الأخرى، مما يفضح زيف هذا الادعاء.

- بالعودة لعدد من التجارب الديمقراطية الراسخة نجد أن هذه الدول بقدر انفتاحها على التعددية الحزبية، بقدر ما أن أنظمتها الانتخابية تنتج خرائط سياسية بعدد محدود من الأحزاب السياسية التي تمثل داخل البرلمانات الوطنية، وغالبا نجد أن تلك التي تحصل على غالبية أصوات الناخبين تنحصر في عدد محدود جدا، مما يعكس تركيز اختيار الناخب بين أحزاب رئيسة تقدم برامج واختيارات متمايزة. وهو الأمر الذي يسمح بتشكيل أغلبيات وحكومات منسجمة، منها من تكون من حزب واحد كما هو الشأن في الولايات المتحدة الأمريكية. 

في هذا الصدد نقدم بعض النماذج:

في فرنسا يصل عدد الأحزاب إلى  516 حزبا، الممثلة منها في الجمعية العامة هي 16 حزبا فقطا، مع حصول الحزبين الأول والثاني في انتخابات 2017 مثلا على 73% من المقاعد.

في  أمريكا عدد الإحزاب هو 57 ولا يمثل منها عموما في الكونغرس بمجلسيه سوى الحزبان الجمهوري والديموقراطي مع مقاعد محدودة جدا للمستقلين أو بعض من الأحزاب الأخرى ( أساسا على مستوى مجلس النواب)

ودون الحاجة لمزيد من التوسع في الأمثلة نجد أنه بقدر ما ينبغي تيسير شروط تشكيل الأحزاب، وضمان شروط اشتغالها خاصة في مجال تأطير المواطنين،  وضمان استقاليتها، بقدر ما ينبغي الحرص على تطوير النظام الانتخابي بما يضمن من جهة تعزيز احترام إرادة الناخبين بأن يكون عدد المقاعد المحصل عليها من طرف الأحزاب متناسبا مع عدد أصوات المصوتين عليها، ومن جهة أخرى التمكن من الحصول على أغلبيات وحكومات  مشكلة من عدد محدود من الأحزاب ومنسجمة.

التعليقات

أضف تعليقك