محمد عصام يكتب: ماذا تريد البوليساريو؟

محمد عصام
السبت, أكتوبر 24, 2020 - 20:00
محمد عصام يكتب: ماذا تريد البوليساريو؟

ما تقوم به عصابات البوليساريو هذه الأيام بمنطقة الكركرات خطير للغاية، وتداعياته بالغة الخطر على تأمين الاستقرار الهش أصلا في المنطقة، ويريد صانعو هذت التوتر بهذه التحرش باتفاق إطلاق النار الموقع سنة 1991، واستباق قرار مجلس الأمن حول قضية الصحراء المعروضة على أجنتدته.

على الأرض تتواصل انتهاكات عصابات البوليساريو بقطع الطريق على مستوى معبر الكركرات وتوقيف حركة المرور، بل إن العقل الاجرامي الذي يسكن منطق هذه العصابات وصل إلى درجة تخريب الطريق، وهي الجريمة التي وثقتها الصور الآتية من المنطقة، والتي كشفت بالملموس الذي يهزم ضجيج الديماغوجيا والتضليل التي تمارسهما قيادة البوليساريو، في محاولة لتصوير هذه الحركة في الكركات باعتبارها تحركا شعبيا  لساكنة المخيمات، في حين أن الوقائع التي تناقلتها وسائل التواصل الاجتماعي، تكشف بوضوح أن الأمر يتعلق بحفنة من المرتزقة لا يتعدون الخمسين نفراً متلبسين بأعمال تخريبية، كما كشفت الصور في منطقة أخرى من الحزام الأمني حجم الاستفزاز التي تمارسه هذه العصابات تجاه عناصر القوات المسلحة الملكية وحجم ضبط النفس عند هؤلاء، وفي الجانب الآخر من الصورة يظهر جليا حجم الخسائر التي تكبدها هذه العمليات غير المحسوبة العواقب للحركة التجارية يوضحه عدد الشاحنات التي فرض عليها التوقف بدون سبب في المعبر.

هذا التصعيد ليس جديدا فقد ألفنا من قيادة البوليساريو في مثل هذا التوقيت اللعب بكل شيء من أجل التأثير في قرار مجلس الأمن، وأيضا هي فرصة لإشغال الرأي العام داخل المخيمات وتحريف الاهتمام صوب قضايا خارجية، تعفي هذه القيادة من لهيب الاستجابة لمطالب الاحتقان الاجتماعي المتصاعد منذ مدة داخل ساكنة المخيمات، كما أنه يعطيها فرصة لتبرير وجودها ورتق شرعيتها المتَآكلة بعوامل التعرية السياسية المتواصلة ومراكمة الفشل في معركة خاسرة منذ بدايتها.

لكن الجديد هذه المرة هو التصعيد في لغة البوليساريو تجاه المنتظم الدولي، فبعد تصريح المتحدث باسم الأمين العام للأمم المتحدة الأربعاء الماضي في نيويورك:" نذكر بأن حركة السير المجنية والتجارية المنتظمة لا يجب أن تتعرض للعرقلة "بالكركرات"، ولا يجب اتخاذ أي إجراء من شأنه أن يشكل تغييرا للوضع القائم في المنطقة العازلة" والمطالبة بالانسحاب الفوري من المنطقة، صعدت البوليساريو من لغتها التهديدية وفي نهج عدم الإكتراث بالتحذيرات الأممية،  فهل هذا التصعيد يعكس حقيقة أن البوليساريو جادة في تهديداتها التي تصل درجة تلويحها بالعودة للحرب؟

بداية فخيار الحرب كشفت الوقائع أنه مجرد تلويح لا تعقبه إرادة فعلية أو توجه حقيقي لخوض غماره وتحمل كلفته، وأنه موجه للداخل أكثر من توجيهه للخارج، وهو ما يفسر تناسب لغة التصعيد والتلويح بالحرب كلما اشتد الحناق على القيادة الحالية للبوليساريو، بمعنى أنه أصبح من الطبيعي كلما علت أصوات الاحتجاج داخل المخيمات إلا وهرعت القيادة بالاحتماء بلغة الحرب، أما على مستوى الوقائع فإن قرار الحرب لا تملكه الجبهة التي أصلا لا تملك قرار وجودها وهي صنيعة المخابرات الجزائرية، واستمرارها رهين باستمرار ضخ الحياة وأسبابها من طرف الجزائر الحاضنة.

 وعليه فإن قراءتنا لهذا التصعيد، أنه ليس بعيدا عن مصالح الجزائر المتضايقة من استرجاع المغرب لموقعه في إفريقيا، والذي تعتبر الحركة التجارية التي تمر عبر معبر الكركرات أحد أوجهه المشرقة، تنزيلا لشركات رابح/ رابح، التي تؤطر سياسة المغرب نحو عمقه الإفريقي، كما أننا نقرأه ضمن رد الفعل على نجاحات المغرب  المتعددة سياسيا من خلال تزايد الدول الداعمة لوحدة المغرب وتفوق المقترح المغربي حول الحكم الذاتي الذي يعتبر الاقتراح الوحيد الآن الموجود على الطاولة في إطار البحث الأممي عن حل سياسي متوافق عليه، أو اقتصاديا من خلال تمكن المغرب من تجديد اتفاقات الصيد البحري والفلاحة مع الاتحاد الأوروبي.

من جهة أخرى لا يمكن إغفال معطى داخلي يتعلق ببروز أصوات وسط الصحراويين تتبنى خطا نقيضا لتوجهات القيادة الحالية، تتمثل في بروز حركة الصحراويين من أجل السلام، مكونة من أسماء لا يمكن المزايدة عليها بخطاب التخويين الذي تحترفه البوليساريو، وتفتح أفقا جديدا لهذا الملف الذي عمر طويلا، وتستشرف نهاية لا غالب فيها ولا مغلوب، وهو ما يتقاطع مع المقترح المغربي كما يفتح الأمل أمام ساكنة المخيمات التي وصلت من اليأس عتيا.

التعليقات

أضف تعليقك