محمد أمحجور يكتب "علمانية متطرفة.. اشنقوا آخر ملك بأمعاء آخر قسيس"...

محمد أمحجور
الأحد, أكتوبر 25, 2020 - 19:45
محمد أمحجور يكتب "علمانية متطرفة.. اشنقوا آخر ملك بأمعاء آخر قسيس"...

العلمانية الفرنسية علمانية متطرفة، نشأة وثقافة وسلوكا، ولها عقد تاريخية ونفسية وثقافية مع الدين ورموزه، هذه حقائق تاريخية وحفريات ثقافية عميقة وحقيقية؛ ولذلك تجد في فرنسا تطرفا إيديولوجيا وإعلاميا تجاه الدين عموما والإسلام خصوصا لا تجد له مثيلا في الفضاء الأوروبي. ولعل هذا ما تتميز به العلمانية الفرنسية في كونها استثناء قل أن تجد لها مثيلا مهما حاولت مقارنتها بأخواتها في الدول الأوروبية، ولك أن تقارنها إن شئت بعلمانية دول كثيرة منها على سبيل المثال هولندا وبلجيكا وألمانيا وإنجلترا والدول الاسكندنافية، وغيرها كثير.

والعلمانية الفرنسية هي أيضا علمانية فيها كثير من الغرور والتكبر والادعاء، ولديها قليل من التواضع والنسبية والاستيعاب، فهي متطرفة في مقولاتها إلى حد عجيب وغريب وفريد، ولذلك وأنت تتابع الإعلام الفرنسي والنقاش العمومي تجده نقاشا موجها ومتعصبا ومتشنجا وإقصائيا وأحادي الرأي في غالب الأحيان.

والعجيب في هذا النموذج الفرنسي هو أن تنخرط الدولة ورموزها في هذا المسار المدمر، وأن تبتعد عن القيام بواجبها في حماية التعدد والتسامح والعيش المشترك، أي بكل بساطة أن تلتزم بحيادية الدولة "La neutralité de l'Etat" باعتبار ذلك من أهم أركان علمانية الدولة الحديثة ومن مقومات وجودها ومن جوهر أدوارها.

والمفارقة اليوم في فرنسا هي هذا الانزياح الجماعي والكبير لجزء من النخب السياسية الفرنسية، ومنها رئيس الدولة، وهو السياسي النبيه، وقائد دولة كبيرة، الذي عوض أن يدفع بدولته وشعبه نحو العيش في روح العصر، وما تقتضيه من ضمان للحرية والاحترام المتبادل وصيانة حرية الاعتقاد وحماية الرموز الدينية من عبث العابثين وتحرش المتطرفين، فإذا به يصبح عوضا عن ذلك رمزا للتهجم على مقدس ديني يعلم كل الناس أن له في نفوس كل المسلمين مكانة خاصة وتقديسا استثنائيا، وهو تهجم غير مفهوم وغير  مقبول وعديم الفائدة وضرره أكبر من نفعه وليس له ما يبرره؛ ولذلك لن تجد عاقلا يمكنه الدفاع عن خطاب الرئيس الفرنسي المستفز لمشاعر عموم المسلمين، والذي يخلط بين حرية التعبير والابداع وهو ما لا خلاف حوله، وبين تعمد الإساءة إلى مقدس ديني واحد ووحيد هو رسول الله صلى الله عليه وسلم الذي لا يمكن لأي مسلم أن يقبل المس به وبمكانته.

ختاما، كما أنه لا يمكن لأي مسلم معتدل ومتشبع بروح الدين الإسلامي أن يجد أي مبرر لكل فعل إجرامي يستهدف الدماء والأموال والأعراض، فلا يمكن كذلك بأي حال من الأحوال تبرير هذا العنف الرمزي الذي يستهدف المسلمين ويسيء إلى مقدساتهم عموما، وإلى نبي الرحمة محمد صلى الله عليه وسلم على وجه الخصوص.

وصفوة القول أن الكرة اليوم هي في ملعب النخب الفرنسية التي عليها أن تفهم وتستوعب أن التطرف والعنف لن يغلبهما إلا الاعتدال، وأن   الاستعلاء والاستعداء لم يعد لهما موطأ قدم في عالم يتنفس حرية وتعددية واحتراما للآخر مهما اختلف عرقه ولونه ودينه.

التعليقات

أضف تعليقك