خالد الصمدي يكتب: لحظات في مكتب الحكيم

خالد الصمدي
الاثنين, ديسمبر 7, 2020 - 11:45
خالد الصمدي يكتب: لحظات في مكتب الحكيم

يستقر رئيس الحكومة  في مكتب عتيق يشعر الداخل إليه  بهيبة خاصة، كونه يختزن جزءا من تاريخ المغرب ورجالاته، 

مكتب كخلية نحل  طيلة اليوم بالنظر  لما يجري فيه وحوله من الوقائع  والاحداث، وتعدد وتشعب  الملفات، وكثرة الاتصالات،  وتنوع الزيارات الحكومية والرسمية من أجل التداول في المشاريع والإصلاحات الكبرى التي يعرفها البلد بقيادة جلالة الملك حفظه الله،

وفي جو من التعبئة المتواصلة التي يعرفها ديوان رئيس الحكومة بمختلف مكوناته من إدارة ومستشارين، كنت  آخذ الوقت الكافي لدراسة  وإعداد الرأي الاستشاري،  بتجميع معطياته ودراستها  في ضوء التشريعات والقوانين المعمول بها، وتحديد إشكالاته  التنفيذية، ورصد مجمل التجارب الوطنية والدولية فيه، ووضع السيناريوهات المتعددة المعينة على اتخاذ القرار بشأنه في ضوء الفرص المتاحة والتحديات المرصودة والمتوقعة، 

لأخلص إلى رأي  أثبته  في بطاقة ناظمة مخصصة لهذا الغرض، ثم أجمع ملفاتي قاصدا مكتب السيد رئيس الحكومة، لأبسط أمامه في حدود الوقت الذي يمنحني  إياه ما خلصت إليه من استشارات  مطلوبة في مجال التربية والتكوين والبحث العلمي، وبعد الانتهاء من العرض  المطبوع بالاختصار والتركيز ،

كنت أستمع  في الغالب الأعم  إلى أسئلة  واقعية ذات طابع سياسي دقيق، مشفوعة بوقائع ومعطيات جديدة ينبغي أن تؤخذ بعين الاعتبار ، وتختم بتوجيهات هادفة إلى مزيد من تعميق النظر خاصة في القضايا الشائكة التي تتطلب  أناة وصبرا ثم يختم كلامه بالقول :  وشوف هاد شي مع السي عبد الله  وارجع عندي،

هكذا كان العمل إلى جانب السيد رئيس  الحكومة السابق  الأستاذ عبد الإله بن كيران، 

وقد تكررت منه  هذه العبارة باستمرار كلما عرضت عليه رأيا استشاريا يتطلب المزيد من التروي والعمق وأخذ مسافة من  ضغط الأحداث وإن كانت المعطيات المتوفرة فيه كافية وشافية،  ألملم ملفاتي  وقد سجلت معظم الملاحظات والتوجيهات والتدقيقات المطلوبة ثم أتوجه الى مكتب السي عبد الله، 

أطرق الباب برفق، فقد كان لهذا المكان في نفسي حرمة خاصة، وبعد أن يؤذن لي بالدخول كنت أشعر بهدوء المكان فيستقبلني السيد وزير الدولة واقفا ومرحبا فيبادرني بالسؤال عن  حال الصحة والعافية الروحية والبدنية أولا ثم أسمع منه حكما متتالية في الصبر على المكاره،  والإخلاص لله في خدمة الوطن وثوابته مهما كانت الإكراهات، ثم تذكير دائم بأن مواجهة الصعوبات من سنن الإصلاح، وأن ثماره لن تظهر الآن، 

وبعد هذه الحصة  من  الشحن الإيجابي يبادرني رحمه الله بالقول   

 إيوا  دابا سي الصمدي كيف حال التعليم؟  

أشعر أن الرجل قد منحني كل كيانه ووجدانه فأشرع في بسط  ما جئت من أجله على وجه التفصيل، فأقلب الموضوع من مختلف جوانبه،  وأخلص إلى ما انتهيت إليه  من اجتهاد، فيجيبني بكلام قليل يفتح عيني على طريق ثالث لم أفكر فيه،  أو معلومة يزودني بها من عميق خبرته،  أو استنتاج من حدث جديد أو واقعة حضرها، لتشكل فتحا جديدا في الموضوع يختصر الجهد للوصول إلى الرأي  الصائب من أقصر طريق،  

فأدمج خلاصاتي بحكمته وأعيد ترتيب ملفي قبل التوجه الى مكتب  السيد رئيس الحكومة في موعد جديد، 

وهكذا كنت أدخل  إلى مكتب الحكيم لبسط رأي فأخرج بخبرة جديدة مع حكمة في التصريف،  وفِي كثير من الأحيان كنت أسمع منه موقفا لم يكن في الحسبان، لم يحن له أوان، وغالبا ما أكتشف  صوابه  مع مر الزمان،    

اللهم ارحم هذا الرجل العظيم وأسكنه الجنة فضلا منك ونعمة، فقد كان بحق مدرسة عنوانها لتروي والحكمة.

التعليقات

أضف تعليقك