المجلس الوطني لحزب العدالة والتنمية.. دروس وعبر

 رضا بوكمازي
الأربعاء, يناير 27, 2021 - 17:30
المجلس الوطني لحزب العدالة والتنمية.. دروس وعبر

يفترض في حزب العدالة والتنمية بما راكمه من مسار نضالي وسياسي وما عرفه عنه الناس من انتظام انعقاد مؤسساته وشورية اتخاذ قراراته، أن لا يكون في حاجة إلى معاودة استخلاص الدروس من محطاته التنظيمية والسياسية، وأن لا يستفرغ أعضاؤه شيئا من الجهد لإبراز الكثير من القيم والممارسات الفضلى التي تبصم هذه المحطات، ولكن قد يكون هذا الاستخلاص والاستحضار له أدور أخرى لعل من أهمها تجديد الفخر والاعتزاز بهذه المدرسة الحزبية المتفردة والتي بكل تأكيد هي ليست مناط الكمال والمثالية، ولكنها مؤسسة حزبية تستحق أن يعمل الإنسان جاهدا على الحفاظ عليها ويحرص على إبراز مناقبها وإسهامها في تطوير الممارسة الحزبية ببلادنا رغم ما تعرفه هذه الممارسة من ضعف وهشاشة.

      سياق الكلام يأتي بمناسبة انعقاد أشغال المجلس الوطني لحزب العدالة والتنمية في دورته العادية ولكن في ظل ظروف استثنائية شكلا ومضمونا، شكل عنوانها الأول حالة الحيوية والنقاش الكبير الذي عرفها الحزب خلال مرحلة ما بعد توقيع الأخ الأمين العام بصفته رئيسا للحكومة على الإعلان الثلاثي والذي رسخ الكسب الاستراتيجي للمغرب في الاعتراف الأمريكي بسيادة المغرب على أقاليمنا الجنوبية وما لذلك الاعتراف من آثار إيجابية في مسار فض هذا النزاع المفتعل، ومن جهة أخرى إعادة فتح العلاقات مع الكيان الصهيوني وما لذلك من أثار سلبية لدى فئة عريضة من المغاربة خاصة والمكانة المتميزة التي تحظى بها القضية الفلسطينية في نفوس عموم المغاربة، إضافة لما لذلك من آثار على الصف الداخلي لحزب العدالة والتنمية في تعلقه بهذه القضية التي لا تقل أهمية وعدالة  عن القضية الوطنية.

 كما تمثل الاستثناء في شكليات الانعقاد التي فرضتها جائحة كوفيد 19، وقبلها تداعيات هذه الجائحة على عموم الحياة السياسية والاجتماعية والاقتصادية وهو ما أرخى بظلاله على أشغال المجلس الوطني، وعلى الحزب بصفة عامة.

وقد شكلت هذه الدورة فرصة لاختبار، -كما كان الأمر عليه في باقي المحطات التنظيمية والسياسية وخاصة التي تنعقد في سياقات خاصة-، العديد من المقولات المركزية في العمل المؤسساتي والمبادئ المؤطرة لعمل حزب العدالة والتنمية.

"الرأي حر والقرار الملزم"

إن ما عرفته دورة المجلس الوطني من نقاش حر، مسؤول ومستقل عبر من خلاله كل عضو في المجلس الوطني عن وجهة نظره الخاصة والتي يصل أحيانا مستوى التباين فيها مع وجهات نظر وآراء أخرى ومن داخل نفس الفضاء إلى مستويات لا يمكن معها التكهن بقدرة أصحاب هذه الأفكار المختلفة والمتباينة على الاستمرار في نفس الفضاء التنظيمي، ولكن في نفس الوقت يتم ذلك مع الكثير من الاحترام والتقدير لباقي الآراء وفي التزام تام بمقتضيات التسيير وضوابط الرئاسة، ثم في الأخير يتم الاحتكام إلى الحسم في الاختلاف الحاصل عبر الأليات الديمقراطية بعرض ما يلزم الحسم فيه من خلال اللجوء إلى  التصويت، وهو ما يجعل من ما هو مجال للرأي ينتقل إلى مستوى القرار الملزم للجميع والذي يقتضي أن يخضع له الجميع، تأكيدا على صلابة هذه القاعدة ومركزيتها في حل كل الاختلافات التي تنشأ أو قد تنشأ بين أبناء التنظيم الواحد، وقد ترجم هذا الأمر كذلك بشكل واضح من خلال لجوء بعض أعضاء المجلس الوطني لممارسة حقهم في طلب إدراج نقطة في جدول أعمال المجلس تتعلق بالدعوة إلى عقد مؤتمر استثنائي ومناقشتها بشكل مستفيض داخل لجن المجلس تم الحسم فيها بشكل ديمقراطي عبر التصويت.

هذه الممارسة وهذه القواعد والتي لا يوجد لها مثال لما هو متضح في الساحة الحزبية المغربية، بل على عكس ذلك فإن قاصمة ظهر الكثير من التنظيمات خاصة منها الإصلاحية عدم قدرتها على تدبير نقاشاتها واختلافاتها الداخلية، حيث يتم تحويل الاختلاف إلى الخلاف الحاد المؤدي إلى الانهاك تم الإضعاف.

"وحدة الحزب والحفاظ على أداة الإصلاح"

     بني حزب العدالة والتنمية على فكرة الإصلاح ورسم تجربته المغربية الخاصة القائمة على التعاون وتطورت فكرته الإصلاحية إلى أن تبنى مؤتمره الثامن أطروحة "شراكة فعالة من أجل البناء الديمقراطي " وذلك في ظل النسق السياسي المغربي، وكان له من خلال ممارسته السياسية والحزبية إسهام خاص في تطوير هذه الأخيرة ببلادنا، واضطلع خلال كل هذه المراحل أدوارا طلائعية ساهمت في تجاوز بعض التحديات التي عرفتها بلادنا وقدم أبناؤه الكثير من التضحيات من أجل المصلحة العليا للوطن والمواطنين وذلك بشهادة خصومه قبل أصدقائه، وهو اليوم لازال حريصا على كل ذلك ومستمر على نفس النهج، 

وإذا كان بعض المتربصين بهذه التجربة الحزبية قد راهنوا على إضعاف حزب العدالة والتنمية أو ظنوا أن لحظة المجلس الوطني الأخير ستكون لحظة انقسام أو فرقة بين أبناء العدالة والتنمية فقد خيب أبناء العدالة والتنمية ظنهم من خلال حرصهم القوي على وحدة الحزب مقتنعين بأهمية وجود حزب العدالة والتنمية موحدا ومتماسكا وقويا لصالح الوطن باعتباره أداة إصلاحية متفردة قد تعرف بعض التحديات والصعوبات ولكن مقتنعين في نفس الوقت أن في غيابها أو إضعافها لا يمكن أن نتحدث لا عن الإصلاح ولا عن بناء ديمقراطي خاصة في ظل ما تعرفه البنية الحزبية من ضعف وهشاشة.

"مصالح الوطن مقدمة على مصلحة الحزب"

منذ أن أسس حزب العدالة والتنمية وهو ينعت من قبل البعض بعدم الولاء للوطن وتقديمه بكونه حزبا يحرص على مصالح التيار الإسلامي بالمنطقة على مصالح الوطن العليا، وإذا كانت كل الأحداث التي عاشتها بلادنا منذ أن أسس حزب العدالة والتنمية قد أكدت أولوية المصالح العليا للبلاد حتى على مصالح الحزب، وذلك اقتناعا من أبناء العدالة والتنمية أن في قوة الوطن قوة للحزب وأن في ضعفه ضعفا للحزب، حيث ما حاجتنا بحزب قوي في وطن ضعيف، لكن هذا لم يمنع نفس الأطراف من الاعتقاد بأن حزب العدالة والتنمية سيفشل في الانتصار للقضية الوطنية ولمصالحها وأن المجلس الوطني سيتجه في اختيار إضعاف الموقف المغربي في الكسب الاستراتيجي للقضية الوطنية، بيد أن هذا الأخير خيب كذلك ظن هؤلاء وأكد على تقديمه للمصلحة الوطنية على ما سواها من المصالح، وأكد بكل قوة واعتزاز على دعمه للموقف والاختيار الملكي في تدبير ملف الصحراء المغربية وتثمين مسار العمل على فض هذا النزاع المفتعل.

"القضية الفلسطينية قضية وطنية"

ظلت القضية الفلسطينية قضية مركزية لدى حزب العدالة والتنمية وقدم أبناء العدالة والتنمية كما عموم المغاربة في سبيل نصرتها الغالي والنفيس، بيد أن ما وقع من اختلاط للكسب الاستراتيجي لبلادنا في سيادتها على صحرائها وإعادة العلاقة مع الكيان الصهيوني الغاصب المحتل، جعل البعض يشكك في مكانة هذه القضية وتراجع هذه القضية، بل قد تسرب هذا الأمر حتى لبعض المنتسبين للحزب، بيد أن الحقيقة واضحة في كون حزبنا لم يتراجع عن موقفه المبدئي من القضية الفلسطينية وأكد بشكل مستمر على عدالتها ونصرتها وواقعة إعادة فتح  العلاقة بين بلادنا والكيان الصهيوني يجب أن تبقى في باب المضطر المكره التي فرضتها سياقات وتحديات الجميع يعلم حيثياتها، مع تنبيه الحزب لخطورة الاختراق التطبيعي لهذا الكيان على النسيج الوطني والاجتماعي والذي يفترض أن يتقوى العمل فيه على مستوى تمنيع المجتمع ومقاومته لهذا الاختراق، مع رفض كل أشكال التضييق على حقه في التعبير، وبالمقابل العمل على التمكين والدعم المستمر للشعب الفلسطيني وإسناده.

مثل هذه المقولات والمبادئ المؤسسة وأخرى لا يتسع المجال لذكرها تؤكد حاجة بلادنا لحزب سياسي من طينة العدالة والتنمية بما شكله ويشكله من تأثير إيجابي في الممارسة السياسية والحزبية، رغم كل الملاحظات التي يمكن أن نسجلها عليه، وهو ما يقتضي الانتباه والوعي من قبل الجميع إلى ضرورة استمرار قيام هذه الحزب بأدواره الطلائعية، كما أن الحزب ذاته معني أكثر من أي وقت مضى بالعمل على تجديد وتطوير رؤيته السياسية بما يساير التحديات والصعوبات التي تعرفها بلادنا سواء تعلق الأمر منها بما هو متصل بتقوية شروط المشاركة السياسية وتمكين الفاعل المؤسساتي والحزبي من شغل مساحات أكبر في ممارسة السلطة وتحقيق البناء الديمقراطي المنشود، وكذا ما يتعلق باستعادة الثقة في المؤسسات السياسية والمنتخبة وتقوية شرعيتها ومشروعيتها.

 

 

التعليقات

أضف تعليقك