حوار.. اليونسي: مسطرة التشريع بالمغرب معقدة وبيروقراطية

التاريخ: 
الأحد, يناير 31, 2021 - 21:15
حوار.. اليونسي: مسطرة التشريع بالمغرب معقدة وبيروقراطية

قال عبد الحفيظ اليونسي، إن مسطرة التشريع في المغرب معقدة وفيها العديد من المتدخلين، سواء الجهاز البيروقراطي المتمثل في الأمانة العامة للحكومة المخول لها قانونيا وعرفا تنظيم عملية التشريع في مستوياته المختلفة، أو ايضا دور مختلف الوزارات في التصديق على المسودة الأولى لهذه القوانين ولكل وزارة اجندتها ومصالحها ومنطلقاتها.

وأضاف اليونسي، في حوار لـ "مجلة العدالة والتنمية"، في عددها 24 الصادر نهاية الأسبوع الماضي، أن الحسابات السياسية ليست سببا مباشرا في عرقلة مسطرة التشريع، فالحياة السياسية، وفي قلبها الحياة الحزبية، أساسية وبها يتحرك الفاعل السياسي من داخل المؤسسات، إذ لا يجب ألا ننظر الى هذا الأمر دائما بعين من الاستنكار والامتعاض.

وتابع قائلا: "في اعتقادي فالمحدد هنا ليس السياسة بمعناها النبيل أو حتى الاحترافي، بل غير المقبول واللامسموح به هو تحويل القانون من بعد المصلحة العامة الى المصلحة الخاصة".

وهذا نص الحوار كاملا :

- يُعتبر التشريع من أهم الآليات القانونية والسياسية لضبط المجتمع وتفعيل البرامج وتنزيل الرؤى، كيف ترون أهمية التشريع في ترسيخ دولة الحق والقانون؟

في الحقيقة الحديث عن دور القانون في ضبط المجتمع ليس فقط بعده الزجري، بل أساسا في تنظيم المجتمع، هذه الملاحظة تقودني الى الحديث عن الارتباط الوثيق بين حكم القانون وتحديث الدولة، والاحتكام الى نص القانون في حسم الخلافات والنزاعات بعيدا عن منطق القوة، لكن في نفس الوقت وجب التنبيه الى أن النص القانوني ليس نصا بريئا، بل هو نتاج لما يعتمل داخل المجتمع، صحيح أن بعض المقاربات الفكرية اعتبرت أن القانون آلية ضبط ايديولوجية وطبقية للتحكم في المجتمعات، لكن واقع الممارسة أثبت أيضا أن الثقافة المؤسساتية مهمة حتى لا ينزاح النص القانوني عن استهداف المصلحة العامة، لأن البعد التفاوضي في النص التشريعي إذا لم يحتكم إليها أي المصلحة العامة  سيسقط في خدمة المصالح الفئوية أو الخاصة، وهو ما قد يهدد شرعية المؤسسات المنتجة لهذه النصوص.

  - كيف تقرؤون التحولات التي عرفها مجال التشريع بالمغرب بين دستور 1996 ودستور 2011؟

بطبيعة الحال ظروف وسياق انتاج النصين تختلف بشكل كبير، خصوصا على مستوى التفاوض في انتاج دستور 2011، بصورة أو بأخرى، فدستور 1996 هو استمرار لمنطق تدبير السلطة الممتد في الزمن منذ 1962 الى 1996 مرورا بالتعديلات المعتمدة سنوات -1970 1972 -1992، حيث القاسم المشترك هو الحضور المهيمن للملكية، وامتداد السلطة التنفيذية في الظروف العادية أو الاستثنائية، أما من حيث الكم فقد ارتفع مجال التشريع من 7 مجالات الى 30 مجالا، كما أن البرلمان هو التعبير المؤسسي الوحيد عن سيادة الأمة التي هي حصريا مصدر السيادة من خلال الوثيقة الدستورية، والتي تمارسها بطريقة غير مباشرة بواسطة ممثليها.

لقد ظل المغرب وفيا لمنطق العقلنة البرلمانية الواردة في دستور الجمهورية الفرنسية الخامسة المعروفة سياقات واكراهات انتاجه وأبرز مثال على ذلك الفقرة الثالثة من الفصل 43 من الدستور الفرنسي، كما أن حجم التأثير في القرار التشريعي من ممثلي الأمة يبقى ضعيفا، في ظل محدودية الدور التعديلي والاقتراحي للبرلمان بغرفتيه، وهي محدودية موضوعية مرتبطة بإسناد الحكومة الى أغلبية برلمانية ومحدودية ذاتية مرتبطة بالنخب البرلمانية وطرق انتاجها، ويمكن أن أعطي مثالا واضحا هنا بالتشريع المالي حيث إن الدستور والقانون التنظيمي للمالية يعطي للحكومة سلطة واسعة في رفض التعديلات المقترحة على مشاريع قانون المالية، وهو القانون الأهم في حياة الدولة والمجتمع.

من بين التحولات التي لا ينتبه لها كثيرا وهو الدور التشريعي السلبي للمحكمة الدستورية في رقابتها الوجوبية على القوانين التنظيمية أو بناء على طلب مراقبة دستورية لقانون عادي من طرف الملك، وكذا رئيس الحكومة، أو رئيس مجلس النواب، أو رئيس مجلس المستشارين، أو خُمس أعضاء مجلس النواب، أو أربعين عضوا من أعضاء مجلس المستشارين، وهي من خلال هذه المراقبة تزاحم السلطة التشريعية في بعده السيادي المرتبط بالتشريع.

وفي الأخير يمكن الإشارة أيضا إلى المتاح الدستوري المتعلق بإمكانية تقديم المواطنات والمواطنين لملتمسات التشريع وفق مسطرة محدد في القانون التنظيمي المتعلق بملتمسات التشريع.

- عرفت الولايتين الحكوميتين ما بعد دستور 2011 مجهودات مهمة لتسريع تنزيل مجموعة من القوانين لكن سجل أيضا تأخر المصادقة على بعض مشاريع القوانين لأسباب مختلفة، كيف تفسرون هذا التأخر خاصة التنظيمية منها (الاضراب نموذجا)؟

أولا المثال الذي ذكرته في هذا السؤال يثبت أن القرار التشريعي ليس بالسهولة كما يتصور البعض، فالإشارة إلى قانون الإضراب ورد منذ أول دستور سنة 1962 وتكرر في كل الدساتير وبعد مرور ما يزيد عن تسع سنوات لا زال لم ير النور إلى حدود اللحظة، وهو ما يعني أن القانون هو تعبير عن إرادات مختلفة ومتنوعة وربما متناقضة.

 في المقابل بعض المجالات عرفت إنتاجا تشريعيا مبالغا فيه وغير مفهوم ودون فعالية، مثلا تخصيص الجماعات الترابية بثلاث قوانين تنظيمية تتكرر عباراتها حرفيا وبطريقة مستغربة حتى لا أصفها بوصف آخر، في نفس الوقت، هناك بعض القوانين التي يتم التسريع بإنتاجها بسرعة قياسية ودون نقاش عمومي وأحيانا تتواطؤ بعض وسائل الاعلام في الإشارة اليها.

 صحيح أن الولايتين الأخيريتين عرفتا مجهودا مقدرا في إنتاج القوانين لاعتبار موضوعي هو صدور دستور 2011 وما حفل به من إشارة إلى قوانين تنظيمية وعادية هي جزء من تصوره العام، لكن أيضا من حيث المضمون فهذه القوانين عكست بداية التراجع عن نفس الانفتاح السياسي الذي كان بعد حراك 20 فبراير 2011.

- تعتبر الحسابات السياسية بعض المرات سببا مباشرا في تأخير بعض القوانين كمشروع قانون التغطية الصحية الأساسية الذي تمت عرقلته بمجلس المستشارين منذ سنة 2016؟

اسمح لي هنا أن أشير إلى أنه لا معنى للحياة السياسية وفي قلبها الحياة الحزبية، إذا لم تكن هناك حسابات تحرك الفاعل السياسي من داخل المؤسسات، يجب أن لا ننظر إلى هذا الأمر دائما بعين من الاستنكار والامتعاض، في اعتقادي أن المحدد هنا ليس السياسة بمعناها النبيل أو حتى الاحترافي، بل غير المقبول واللامسموح به هو تحويل القانون من بعد المصلحة العامة الى المصلحة الخاصة، لأن حتى في الدول العريقة ديمقراطيا هناك حضور للمصالح واللوبيات في مختلف مراحل التشريع، أي منذ البدء في التفكير في المسودة الأولى مرورا بصياغته وإعداده ومناقشته وانتهاء بالتصويت عليه، لكن ثمة توازن وفصل حقيقي للسلط وحضور قوي للرقابة الشعبية عبر وسائل الاعلام ووسائل الاتصال الحديثة خصوصا وسائل التواصل الاجتماعي. وهو ما يحتاج في بلادنا إلى مزيد من النضال والتقعيد المؤسسي لمثل هذا النوع من الثقافة السياسية التي تسري في مفاصل الدولة والمجتمع.

- ألا ترون أن تعقيد المسطرة وطولها يعتبر بدوره سببا من الأسباب التي تؤدي الى تأخر المصادقة على الكثير من القوانين؟

بطبيعة الحال مسطرة التشريع في المغرب معقدة وفيها العديد من المتدخلين، سواء الجهاز البيروقراطي المتمثل في الأمانة العامة للحكومة المخول لها قانونيا وعرفا تنظيم عملية التشريع في مستوياته المختلفة، ويكفي أن نعرف علاقة هذا الجهاز الحكومي بمختلف المؤسسات الدستورية لنعرف دوره في التشريع، أيضا دور مختلف الوزارات في التصديق على المسودة الأولى لهذه القوانين ولكل وزارة أجندتها ومصالحها ومنطلقاتها مثلا وزارة الداخلية فاعل أساسي في التصديق على المسودات الأولى لمختلف القوانين، وهو دور لا يمكن تفسيره دستوريا بل هو من صميم طبيعة النظام السياسي المغربي، فهناك العديد من القوانين تأخيرها مرتبط برهانات الجهاز البيروقراطي للوزارات المعنية.

 بعد ذلك تأتي مسطرة التشريع من داخل البرلمان وفق ما هو منظم في أنظمتها الداخلية حيث الدور المحوري لرئيسي الغرفتين ولمكتبيهما، ثم بعد ذلك دور اللجان في المناقشة وبعد التقنيات التي يتم اعتمادها لاستطالة النقاش وممارسة نوع من الفيتو على بعض المواد، بما يفسح المجال للتفاوض السياسي للخروج من حالة المأزق التشريعي نتيجة تباين وجهات النظر التي فسرت خلفياتها أعلاه.

- ما تداعيات تأخير أو عرقلة القوانين في نظركم؟

اسمح لي أن أؤكد هنا أن الزمن التشريعي في المغرب وجب أن يأخذ بعين الاعتبار ليس فقط إنتاج النصوص، بل أيضا دراسة أثر هذه النصوص بعد نشرها في الجريدة الرسمية، وأيضا كثرة الإحالة على النصوص التنظيمية داخل متن القوانين يجعل تنفيذها رهينة لها، لأن هناك قوانين صدرت في نهاية العشرية الأولى وانتظرنا أزيد من سبع سنوات لصدور المراسيم ذات الصلة بغرض تفعيلها، وهذا يفقد الثقة في المؤسسة التشريعية المستهدفة أصلا بخطاب شعبوي مغامر يقلل من أهمية البرلمان ودوره المحوري في شرعية النظام السياسي وإضفاء طابع المشروعية على الفعل العمومي.

 كما أن مناخ الأعمال وجاذبية السوق الوطنية للاستثمارات الوطنية والدولية مرتبط بمصداقية العمل التشريعي، وأيضا يضر بوفاء المغرب بالتزاماته الدولية مثلا في مجال محاربة الفساد إذ لا معنى لتأخير صدور القانون الجنائي خصوصا المواد المتعلقة بالإثراء بلا سبب مثلا، ويحد من استباقية مواجهة المشاكل ذات الطبيعة الاجتماعية، مثلا قانون السجل الاجتماعي تحدث عنه الملك سنة 2017 واليوم وبعد مرور أربع سنوات لم يصدر هذا القانون، نفس الأمر بالنسبة لقانون العاملات والعاملين الاجتماعيين وغيرها وهذه أمثلة فقط.

تقديم: 
حوار مع اليونسي

التعليقات

أضف تعليقك