المفكر الإسلامي محسن عبدالحميد حيوية الفكر و أصولية العلم

شيروان الشميراني
الثلاثاء, فبراير 23, 2021 - 10:00
المفكر الإسلامي محسن عبدالحميد حيوية الفكر و أصولية العلم

من أكثر العلماء المفكرين الذين أثروا في تكويني الفكري و خط منهجاً للتفكير لدي و لدى العديد من اهل الاختصاص هو الأستاذ الدكتور محسن عبدالحميد، العالم المفكر المثقف صاحب التأريخ النضالي الناصع، منذ ان التقيت به لأول مرة في بغداد بداية تسعينيات القرن الماضي و مازلت قريب منه و مواكب لكل ما يكتبه، هنا في هذا البحث الملخص، ألقي الضوء على اهم و أبرز خصائصه الفكرية و ليست كلها التي سخر حياته كلها من اجل الدعوة اليها و تثبيتها في عقل الشباب المسلم ، يتكون من أربع نقاط و خاتمة، كالآتي:-
    •    مدرسة جمال الدين الافغاني
    •    العلمية و المعاصرة
    •    فكر و سطي عملي
    •    مراجعة الفكر الحركي  .
إستخدمت في الكتابة المنهج الوصفي التحليلي و ليس النقدي أو المقارن التقييمي ..
 
(١)  مدرسة جمال الدين الافغاني

يتفق الكتاب و الباحثون  على أن الفكر الإسلامي الحديث يبدأ من جمال الدين الافغاني و ليس من محمد بن عبدالوهاب و لا من محمد السنوسي، ألأفغاني و تلميذه الذي جاء معه و خلفه الأستاذ الامام محمد عبده و تلميذه الشيخ محمد رشيد رضا، هذه المدرسة يسميها الدكتور محسن عبدالحميد بمدرسة ( أفغاني- عبده – رشيد)، يمثلها في مرحلتها التأسيسية العروة الوثقى، و كتابات الشيخ محمد عبده، و من بعده تفسير المنار، و ان كان رأي الدكتور محمد عمارة أن الشيخ رشيد رضا قد مال قليلا الى السلفية في فترة ما، لكن يبقى تفسير المنار في جزء غير قابل للنكران منه ممثلا لرأي الأمام محمد عبده- رحمهما الله جميعا -.
مع ان هذه المدرسة حسب محسن عبدالحميد قدمت المآت الى العالم الإسلامي من العلماء و المفكرين و الكتاب المثقفين، اعادت الحياة الى الفكر الإسلامي و اخرجته من التأريخ ليواجه الواقع، لكن قليل هم من عملوا على التمديد المنهجي، من هؤلاء مالك بن نبي و محمد عمارة و محسن عبدالحميد، من دون ان يمنعه ذلك من تسجيل ملاحظاته على بعض آراء تلك المدرسة عند (عبده – رشيد)..و قد كتب في ثمانينيات القرن الماضي كتابا بعنوان ( جمال الدين الافغاني المصلح المفترى عليه) تناول فيه فكر الرجل و حاول الرد على الاتهامات المحاكة حوله، كما تحدث عن فكره بالتفصيل في العديد من كتبه منها ( تجديد الفكر الإسلامي ) و ( قضايا في الفكر الإسلامي المعاصر).
     تشكل مقولة لجمال الدين أساساً راسخا و ثابتا في فكر الدكتور محسن عبدالحميد، التي يقول فيها ( فهم القرآن و السنة النبوية الصحيحة و اعمال السلف الصالح بمعزل عما تراكم عليها من آراي الرجال و استباطاتهم، أن لا نعول عليها وحيا، و انما نستأنس بها رأيا)، من مقولة الافغاني هذه و التي هي دالة على الفهم العميق لروح الإسلام، صكَّ الدكتورمحسن عبدالحميد قوله ( من الفكر الإسلامي الى الوحي الإلهي و من الوحي الى العصر) و الذي ظلَّ و ما زال يردده و يتحدث عنه و يشرحه، ففي كتابه – قضايا من الفكر الإسلامي المعاصر – خصص قسما بعنوان – من الفكر الإسلامي الى الوحي الإلهي -، ثم طوره مؤخرا في كتاب خاص يحمل عنوان – من الوحي الى العصر – و ليس من التاريخ الى العصر، كما تفعل المدارس الفكرية من التي تتعامل مع الواقع بعيون تأريخية، يسحبون الماضي و احداثه الى العصر الحاضر و يعيشون معها..
إن الاهتمام بقضايا التغيير الاجتماعي من المفاصل الفكرية الجلية لدى محسن عبدالحميد، و هي من تأثيرات مدرسة الافغاني و كذلك شخصيته الدعوية التي  أنفق كل عمره لها، و الدعوة التي تصل في منتهى غايتها الى التغيير المجتمعي في كل مجالاته، فالافغاني أراد العلاج إسلامياً للواقع المزري الذي كانت الامة المسلمة يعانيها، فكتب في كل المجالات و حاول و دعى، الدكتور محسن عبدالحميد كتب من الكتب ثلاثة من غير عشرات المقالات و مئات المحاضرات التوعوية و التربوية في الكليات و المراكز الثقافية و مساجد العراق، بدأ بكتاب – منهج التغيير الاجتماعي في القرآن- 1980 – ثم كتاب – منهج التغيير الاجتماعي في الإسلام – الطبعة الأولى 1986-، حيث تحدث عن الجانب التغييري في الإسلام للمجتمع مشددا على ان الانسان هو المركز في العملية التغييرية، و في كتاب ثالث عن دور الأنظمة الإسلامية في التنمية الاجتماعية بعنوان ( الإسلام و التنمية الاجتماعية- 1989-).
يعتقد الدكتور محسن عبدالحميد كحال غيره من العلماء أن كل بناء حضاري و تغيير مجتمعي لابد له من الحركة داخل رؤية كونية أو إطار فكري- الأيدولوجيا-، و ان البناء الحضاري الاجتماعي يأخذ طابع الرؤية الكونية تلك، و بما ان المسلمين يريدون إقامة المجتمع على الأسس الإسلامية فلابد من الاعتماد و الانطلاق مما يسميه بالمذهبية الإسلامية، أي الرؤية الإسلامية المتعلقة بالله و الكون و الحياة و الانسان و النبوة و اليوم الآخر..

(٢) العلمية و المعاصرة
يتميز الأستاذ المفكر محسن عبدالحميد بالعمق في العلوم الشرعية عن الاخرين الذين يفكرون تفكيرا ثقافيا مجرداً، فهو أستاذ التفسير و العقيدة، ليس بمعني ان ما يقول به ألآخرون غير شرعي بل ان البعد الفقهي و الأصولي حاضر في الآراء التي يقول بها، و من هنا يقول إن الفقيه لابد ان يكون فقيها أصولياً، فهو منذ بدايات حياته درس العلوم الشرعية على يد العلماء في المسجد، كالعالم الكوردي محمد قزلجي في بغداد، و قد درَّس طلبة الدرسات العليا في جامعة الحسن الثاني في الرباط كتاب المستصفى في الأصول للإمام الغزالي، و إدراكا منه لأهمية البعد الشرعي المنضبط و ليس المنفلت في الثقافة الإسلامية كتب كتابين( درسات في أصول تفسير القرآن)، و ( تطور تفسير القرآن)، لهذا يطمأن القاريء و المستمع الى ما يقوله من الناحية الشرعية من أقوال و أفكار، مع ضلوعه في اللغة العربية...
 المعاصرة عنده له معاني ثلاثة :-
    •    مما يؤكد عليه الأستاذ محسن عبدالحميد دائما هو ان الفقيه يجب ان يكون فقيها اصولياً، بمعني الانطلاق من الأصول العلمية الإسلامية لمواجهة مستجدات الحياة المتغيرة..
    •      تجديد المنهج في النظر و البحث و المواجهة، لأن البقاء في ظل المناهج القديمة يعني العمل في الفراغ ..
    •     تجاوز الإشكاليات الفكرية التاريخية و العمل لمواجهة إلإشكاليات الفكرية الحديثة، فهو يأخذ على اتباع المدارس الفكرية القديمة دورانهم في فلك ترديد و  شرح القضايا التي كانت حيوية في المجتمعات المسلمة السالفة، او الذين سحبوا التاريخ الى الحاضر، و تعاطوا معه كانه واقع معاش..خاصة من أتباع المدارس الفكرية التي مازالت حاضرة و بقوة في الجسم العلمي الإسلامي كبعض متزمتي الأشاعرة أو السلفية اللتين تعيشان الأزمة التي عانى منها العقل المسلم القديم..
(٣) فكر و سطي عملي

في بداية تسعينيات القرن الماضي، و جراء الظروف التي مر بها العراق، انتشرت الفكرة السلفية النجدية في وجهها الجامد المتشدد على الاخرين، و كانت أجهزة الدولة مساعدة لإشغال الشباب المسلم بنفسه و عدم الالتفات إلى مشاكل المجتمع، و كان لكتاب – صفة صلاة النبي – للشيخ ناصرالدين الالباني و دروسه و فتاويه حضور ملحوظا بالتوازي مع منشورات هيئة كبار العلماء في السعودية، في المقابل انتشار الصوفية الأشعرية خاصة في محافظة الانبار، في اختلاف سلبي مع السلفيين في المجالين الروحي و العقدي، سبب ذلك نشوء جدال و مصادمات داخل المساجد، اهل الفكر الوسطي المعتدل كانوا بدورهم لم يألوا جهدا في تهدئة الأمور و محاولات التقريب فيما بينهما، من أبرز الوجوه التي كانت تعمل ليل نهار على هذا الملف هو الدكتور محسن عبدالحميد بما كان له من حضور طاغٍ على الساحة العلمية و الفكرية الإسلامية، عبر دروسه في الجامعة و محاضراته في المساجد و كتاباته، و بما ان القضية أساسها يستند الى العلم، و كان الجانب الغيبي في العقيدة المتعلق بذات الله تعالى هو المحور، قام الدكتور محسن عبدالحميد بإعادة قرآءة آيات الصفات و جميع ما قيل فيها عبر التأريخ القديم و الحديث، ظهر في كتابه ( آيات الصفات بين المشبهة و المؤولة و المفوظة)، اعتمد فيه الجانب و الأختلاف العلمي و ليس التقسيم التأريخي بين السلف و الخلف كما هو الدارج في الأوساط العلمية، فأخرج بذلك هذا الملف الحساس من مادة للنزاع بين جبهتين الى قضية علمية بحتة بين العلماء، و لا تخرج عن كون الاقوال الواردة فيها إجتهاد و رأي متنوع، يتم التعامل معها على هذا الأساس.
يشكل سؤال التكفير موطن خلل كبير في منهج الكثير من دعاة و علماء المسلمين، و سخر الحكام هذا الخلل لصالحهم باستعمال التكفير كسلاح ضد المناوئين، و الاستناد دائما هو على آراء شيخ الإسلام ابن تيمية – رحمه الله -، تطور الى تكفير العامة او تسويغ سفك الدماء، ولتصحيح هذا الخلل و معالجته و إجلاء ما يقوله ابن تيمية في هذا الباب، كتب محسن عبدالحميد كتابا متوسط الحجم – بعنوان ( قواعد التكفير عند اهل السنة و الجماعة- ابن تيمية نموذجا)، يقول فيه :( لقد تجاوز التكفيريون عقائد أئمة اهل السنة و الجماعة جميعا، و اتخذوا لانفسهم مفتين من غير المختصين بأصول الشريعة و فروعها، يفتون لهم دون الاستناد اليها و الى أصول الشريعة و مقاصدها و مآلاتها،  فكفروا نتيجة لهذا الجهل الكبير و الانحراف الخطير طوائف من المسلمين و دعاة الإسلام و علمائه، و الرجال الساهرين على امن المجتمع، فسفكوا دماءهم، بل تجاوزوا الى ما وراء ذلك من قتل العامة في الأسواق و الطرقات من الرجال و النساء و الأطفال)، ثم يشدد على قول لابن تيمية ( إن تسلط الجهال لتكفير العلماء من أعظم المنكرات )..يرى الأستاذ المفكر محسن عبدالحميد في النزعة التكفيرية إحدى المعوقات الداخلية للمشروع الإسلامي المعاصر، محدداً جملة من الأدوية لمعالجة هذا المرض الفكري و النفسي، منها :( عودة الحكام الى دين امتهم، الاهتمام بالشباب من المؤسسات الأمنية قبل الزج بهم في السجون ، الانفتاح المذهبي و اتباع منهج المقارنة الفقهية بين المذاهب، من الخطأ تبني الدولة لمذهب واحد معين، الانفتاح على المدارس الفكرية الأخرى من الفقهية و علم الكلام، العدالة الاجتماعية و الاقتصادية، تبني المنهج الوسطي في التفكير، و غيرها)..
و ليس قصد الأستاذ  من سفك الدماء هو أحداث العراق فقط و ما سفكت فيها من الدماء على يد المجموعات المسلحة من مختلف الأطراف و المذاهب بل مجمل الفكرة و النهج على مستوى العالم الإسلامي كله، في الجزائر و المغرب و نيجيريا و الصومال و الأردن و أفغانستان كما هو العراق...
العقل الغيبي الذي يشغل الانسان المسلم بالجانب الجدلي النظري، حاول الدكتور محسن إبعاده عنه، فهو كما يقول( إن الصحابة لم يكونوا يسألون الرسول – عليه الصلاة و السلام – فيما لا يفيدهم في الدنيا و كانوا يسألونه عما يفيدهم في الآخرة )...

(٤) مراجعة الفكر الحركي

إن المراجعة و التقييم و التقويم من الخصال الفكرية البارزة للدكتور محسن عبدالحميد، حر التفكير و صاحب عقل يقظ، و لِما للرجل من تأريخ في ميدان العمل الإسلامي و قيادته لاحد الأحزاب الإسلامية الأكثر عراقة في العراق، فانه و بعقله التحليلي و المنطقي لم يتردد من تحديد أخطاء الحركة الإسلامية، قضية فقدان الأولويات وفق منطق التناسب المرحلي، و طغيان الجانب السياسي على الجانب الدعوي التربوي، مما أرَّقه و ما أحس به نتيجة الانكسارات التي ألمت بالعمل الإسلامي في العراق، البعض ينظرون الى ذلك على انه رد فعل شخصي، و هذا مجانب للصواب، فهو و في عام 1984  كتب بحثا مفصلا في مجلة الامة القطرية بعنوان ( حول العمل الإسلامي – مراجعة و تقويم)، حدد فيه نقاط أساسية يقول في إحداها ( فالعمل الإسلامي في هذا العصر لم تكن له أولويات منذ ظهوره، فهو يحاول طرد المستعمرين و مقاومة الحكام العلمانيين و الوقوف امام الفساد الاجتماعي و الظلم الاقتصادي و تطبيق شرائع الإسلام بكل ابعادها في نفس الوقت، في مجتمع إبتعد فيه كل شي عن الإسلام فردا و أسرة و جماعة، أي أن العمل الإسلامي أراد ان يتحرك في مساحة أكبر من حجمه بعشرات المرات، فاخفق) بمعنى ان الحركة الإسلامية غير قادرة على حمل كل تلك الهموم في جانبه العملي بهذه الهيكلية و أشكال العمل مرة واحدة...

الخاتمة

 ما قلته في الأسطر السابقة عن الدكتور محسن عبدالحميد، مركز جدا و ملخص جداً، تتناول نقاط محددة عمل عليها و على تثبيتها في العقل المسلم، مع قناعتي الكاملة بأن الرجل المفكر لم ينل حظه من الاهتمام، ، له آراء نافذة دقيقة متوازنة للغاية، ليس له من عمره سوى العمل للدين و الدعوة...

التعليقات

أضف تعليقك