هل يستحق العدالة والتنمية هذه الهزيمة القاسية؟

د.خالد شوكات*
الخميس, سبتمبر 30, 2021 - 12:00
هل يستحق العدالة والتنمية هذه الهزيمة القاسية؟

لاحقا، عندما سيسمح الزمن للمؤرخين بالمقارنة، سيدرك المغاربة أن العشر سنوات التي قاد فيها حزب العدالة والتنمية بلادهم، هي الفترة الأفضل قياسا لما قبلها وما بعدها، وأن حكمهم الانتخابي على اسلامييهم كان قاسيا جدّا لا يتناسب أبدا مع حصيلتهم والنتائج التي حققوها حتى لو جاءت دون مأمولهم.
المغرب ليس جزيرة نائية، وهو جزء من هذا العالم العربي الممتد من المحيط الى الخليج، وان كان واقعا عند طرفه الغربي، والمغاربة الذين أفلتوا من الخيار العثماني الذي قاد الامة العربية الاسلامية لفترة ناهزت اربعة قرون، هم عرب ومسلمون في نهاية الامر، تتحكم في عقلهم السياسي ذات المحدّدات التي اوردها مفكرهم البارز الدكتور محمد عابد الجابري رحمه الله في مشروعه النقدي للتراث، ونهوضهم كما تخلفهم لا يمكنه الابتعاد كثيرا فيه عن نهوض العرب او تخلفهم، ولكن شعوب المنطقة لا تنتبه غالبا الى المعطى الاقليمي ولا تأخذه بالحسبان عند التقييم الانتخابي، ولو فعل المغاربة ذلك لما جاء عقابهم للعدالة والتنمية بكل هذه القسوة.
لقد تمكن المغرب خلال العشرية الماضية من تحقيق استقرار سياسي يكاد يكون حالة فريدة في المجال العربي، فقد تمكن من الافلات من تداعيات الربيع العربي المدمّرة في مجملها..ولعل الفضل في ذلك يعود الى ملك ذكيّ استطاع بمرونته تجاوز العاصفة، ولكنه يعود كذلك الى حركة إسلامية مختلفة في طرحها ومسارها، راهنت على الاعتدال والعمل المشترك والحفاظ على ملكية عريقة ونظام سياسي قابل للتعديل، وطيلة عقد من الزمان كان حزب العدالة والتنمية شريكا حقيقيا للقصر في ضمان الأمن والاستقرار والديمقراطية المحروسة.
وإلقاء نظرة بسيطة على الأرقام التي سجلها نمو الاقتصاد المغربي طيلة السنوات العشر الماضية، ستقود الى حقيقة لا يمكن نفيها، وان غض الناخب المغربي عنها الطرف، فقد جاءت نسب نمو الاقتصاد المغربي قياسا لاقتصادات المنطقة المغاربية والعربية، متقدمة ومستقرة في حدود اربعة في المائة كمعدل عام، وهو امر فارق اذا ما اخذنا بعين الاعتبار تداعيات الربيع العربي المشار اليها التي ميزت مقدمة العقد، وتداعيات جائحة الكورونا التي هيمنت على مؤخرته، ولم نلاحظ ان هذا الفارق قد أخذ في الحسبان، وفي هذا الحال قدر من النكران غير خافٍ على كل عَدْلٍ حسن المتابعة.
تعود علاقتي بالمغرب الى ما يزيد عن خمس وثلاثين عاما، لم انقطع عن زيارته سنة واحدة، ولهذا فانا أزعم القدرة على تقييم احواله بشكل موضوعي، وأملك القول بكل بساطة ان ما حققه المغرب تنمويا، وخصوصا في مستوى البنى التحتية، خلال هذا العقد الذي ساهم إسلاميو العدالة والتنمية مع الملك محمد السادس في بلورة ملامحه، هو الحقبة الافضل ليس خلال زمن الدولة المستقلة فحسب، إنما عبر القرون التي حكمت في الاسرة العلوية الشريفة، فموانئ المغرب ومطاراته وسككه الحديدية وطرقه السيّارة هي الأكثر تقدّماً اليوم على صعيد القارة الافريقية بأسرها، والحضور الاقتصادي المغربي زراعيا وسياحيا وصناعيا هو الأكثر ديناميكية في المنطقة، حتى عادت المغرب بلدا يشار اليه بالبنان وقصة نجاحه تتردد في الافاق رغم شُح موارده الطبيعية. صحيح ان الجانب الأوفر في المسألة يردّه الخبراء الى الإرادة الملكية، ولكن ما كان لهذه الإرادة ان تحقق غايتها لو لم تجد قوة سياسية نامية ذات مصداقية عوّضت دور الاحزاب الإدارية التي وجدت نفسها مفلسة وعاجزة ذات يوم من سنة 2011 عندما ظهرت حركة في الأفقِ تدعى 20 فبراير وكان طريقها سالكا بمنطق اجواء المنطقة وبالمعنى التاريخي لو لا انحياز الاسلاميين المعتدلين لتدبير القصر الملكي ونظرته الاصلاحية الواقعية.
لقد استمر قادة العدالة والتنمية على اخلاصهم للملك محمد السادس حتى لو كان هذا الامر على حساب قناعاتهم العميقة وخطوطهم الحمراء، مثلما هو الحال في مسألة التطبيع مع العدو الصهيوني، وقد اخبرني الدكتور سعد الدين العثماني رئيس الحكومة والامين العام للحزب، عند لقائي به يوم 7 يناير 2021، أنه اختار عدم التضحية بعلاقة الاسلاميين بالملك، رغم عدم قناعته بالخطوة التي طلب منه قطعها، أفهكذا يجازى المعتدلون!؟
في مستوى الحكم، وخصوصا العلاقة مع القوى الحزبية والسياسية، مارس العدالة والتنمية سياسة تتسم بكثير من  الواقعية والتخفّف من الحمولة الأيديولوجية، وبصرف النظر عن يعض الأزمات العابرة والصراعات المؤقتة، فان الاسلاميين طوروا شراكات حكومية في إطار الائتلافات الحاكمة، جمعتهم مع جميع العائلات السياسية، الاحزاب المخزنية والاحزاب اليسارية والاحزاب اليمنية، ولم يبدوا في سلوكهم اي غرور او عنجهية او نزعة إقصائية، وكان ذلك مصدر لوم لهم من قواعدهم التي ما تزال مشدودة في جزء منها لمرجعية الحركات الاسلامية التقليدية، فما كان على قادة العدالة والتنمية ان يفعلوا غير ما فعلوا من مرونة واعتدال عززت حظوظ المشروع المغربي في الاستقرار والتقدّم؟.
لا شك ان للحكم إكراهات وضريبة واخطاء هي من طبائع الاجتماع السياسي، ولكن هل كانت سيرة العدالة والتنمية بهذا السوء الذي يقتضي خسارتهم تسعين بالمائة من نصيبهم البرلماني..خسارة يفترض ان تكون نتاج سيرة كارثية لم تحصل ابدا، ومن هنا تبدو النتيجة محيّرة فعلا ومثيرة للتساؤل تماما كما أشار الى ذلك قادة الحزب الاسلامي في ندوتهم الصحفية التي عقدوا بعد الاعلان الرسمي عن النتيجة، وقدموا فيها استقالتهم، في تقليد غير مسبوق في الساحة السياسية المغربية التي لم تتعود من النخب الحزبية على تحمّل مسؤولية النتيجة الانتخابية السلبية، وهو ما يعزز الاعتقاد بان العدالة والتنمية كان حزبا ديمقراطيا فعلا، وان قياداته مؤمنة بالمؤسساتية والتداول على المواقع القيادية.
تبقى الإشارة ختاماً الى مسألتين أساسيتين، سيكون لهما تأثير بالغ الاهمية في مستقبل هذه التجربة الحزبية الاسلامية التقدمية، الأولى تتعلق بمسار العلاقة بين القصر والحزب، والثانية ذات صلة بالمنافس الرئيسي للعدالة والتنمية في الساحة السياسية المغربية، جماعة العدل والاحسان، التي تؤمن بأن "الملكية لا تصلح ولا تصلح"، وما اذا كان تهميش الاسلاميين المعتدلين سيدفع الامور لصالح الاطروحة الاسلامية الراديكالية.
وأخيرا أقول بان شماتة البعض في العدالة والتنمية إنما هو دليل اخر على هشاشة الفكر الديمقراطي، وعدم تخلّص كثير من النخب السياسية من موروث الحقد الايديولوجي، خصوصا النخب اليسارية منها.

*رئيس المعهد العربي للديمقراطية ووزير تونسي سابق

التعليقات

أضف تعليقك