أبلاضي تكتب: تخمام أهل الصحراء كبير

قراءة : (1780)

خديجة أبلاضي

ترتكز العلاقات الاجتماعية بالصحراء على سمات بارزة تجد سندها الرئيسي عند ثقافة أهل البدو، فساكنة الصحراء كانت عبارة عن قبائل وعشائر يحكمها التلاحم والتنافر حسب ما تقتضيه مصلحة كل طرف على حدى ولم يكن يشغلها سوى الترحال بحثا عن الماء والكلأ رغم ما تعانيه من قلة الامطار وقساوة الطبيعة فكان الانسان الصحراوي يتعايش بشكل طبيعي مع كل هذه الظروف القاسية وكنتيجة لذلك تتولد لديه قريحة عجيبة في التعبير عن واقعه بأشعار ينسجها أو روايات يحكيها ويبقى التداول عليها ديدن الأجيال المتعاقبة.


لن أفصل كثيرا في حياة البدو عند أهل الصحراء فهذا مجال له مبدعيه و من أسهبوا في التأريخ و الكتابة عنه، غير أني أريد التنبيه إلى الطبائع الأصيلة التي كانت تحكم نمط عيش أهل الصحراء والتي لازالت تجد لها تعبيرات اجتماعية في وقتنا الحاضر كما هو الشأن بالنسبة للعادات و التقاليد و الأعراف التي تحكم قبائل الصحراء بكل أطيافها و ألوانها، ولعلنا نجد في مقدمة كل ذلك الجود والكرم وهي خصلة تعبر عن منتهى القابلية للتعايش والقبول بالآخر مهما صدر من هذا الأخير من سلوك، بل يتجاوز الأمر إلى العفو عند المقدرة وهو ما يعبر عنه أهل الصحراء ب"زين التخمام"، وكنتيجة لذلك تجد الانسان الصحراوي أكثر تسامحا بل قد لا يبالي بسفاسف الأمور ولا يقف عند تفاصيلها و جزئياتها وهو ما يعبر عنه باللسان الحساني ب" تخمامو كبير".


إن حديثنا عن هذه الخصال لم يكن عبثا بقدر ما أوردناه على سبيل الحصر بغرض تصحيح مجموعة من الآراء والمواقف المعبر عنها و التي تعبر عن أحكام قيمة جاهزة غير مؤسسة على قواعد علمية وموضوعية، فالسلوكات الانطباعية الصادرة بشكل عفوي غالبا ما تترك وراءها جروح يصعب أن تندمل بسرعة، كلامنا هنا يأتي في سياق الحملة الشرسة التي أصبح يشنها البعض على أهل الصحراء من كونهم " يأكلون الغلة و يسبون الملة" وهي مواقف، للأسف، بدأت تنتشر كالنار في الهشيم  حتى بين بعض المسؤولين في إدارات ومؤسسات الدولة.


 بل قد يصل الأمر إلى أن حديثنا عن المكون أو الرافد الحساني باعتباره أحد العناصر المكونة لفسيفساء المجتمع المغربي وما ينبغي أن يزخر به داخل البلد يفهم عند البعض على أنه تكريس لنعرة عنصرية، وأن ساكنة الصحراء تنعم بخيرات البلد دون أن تؤدي مقابل ذلك شيء وهي مناسبة نود التنبيه من خلالها إلى ما أوردته الورقة التأطيرية لنموذج التنمية المقدمة من طرف المجلس الاقتصادي والاجتماعي والبيئي من كون الدولة أغدقت ملايين الدراهم على المنطقة لكنها في حقيقة الأمر لم تصل إلى مستحقيها، وهنا تبدأ الأسئلة المشروعة تتناسل : ما مصير كل هذه الأموال وأين ذهبت ؟ ومن استفاد منها ؟ ألا يمكن القول بأن الشاحنات التي تمر يوميا عبر الطريق الوطنية من الداخلة والعيون تحمل أطنان السلع والبضائع المهربة نحو الشمال تشكل إحدى تجليات حقيقة مفادها أن الخير فعلا يصل إلى الصحراء لكنه لا يفتأ يكمل دورته النهائية حتى يعود مجددا لمدن الشمال، نفس الأمر بالنسبة للشركات المحدثة وهما بالعيون وتمارس نشاطها حقيقة بالدار البيضاء وقس على ذلك أطنان الأدوية التي تصل للصحراء وهي معفاة من القيمة المضافة على الضريبة لتعود على الأوراق وتباع مجددا بمدن الشمال فهل يستطيع أحد أن ينبش حقيقة الريع بالصحراء ويفصح بالأرقام عن عائدات الفوسفاط ومنتوج السمك ومقالع الرمال، أما بالنسبة لاستثمارات الدولة فلا حسيب ولا رقيب ومن الذي يجرأ أن يتحدث عن محاسبة أمراء الصفقات ومن يدور في فلكهم ؟ فمن يأكل إذن الغلة ويسب الملة ؟

وقبل الختام وجب التذكير أن المستفيد من خيرات الصحراء حقيقة شبكة تمثل أقلية من ساكنة الصحراء ترتبط بشكل موضوعي ومصلحي مع شبكات بشمال المملكة ولها كذلك ارتباطات دولية ولا يبقى لساكنة الصحراء سوى فتات هؤلاء الذين ينعمون  بخيراتها بعيدا عن المحاسبة والمراقبة وحتى عن السؤال : من أين لك هذا؟


نائبة برلمانية عن حزب العدالة و التنمية
 من الصحراء