التليدي يسأل : من يخشى الجلسة الشهرية لابن كيران ويسعى لإلغائها؟

قراءة : (31)

بلال التليدي*
أعلن مجلس النواب عن تأجيل الجلسة العامة الشهرية الخاصة بالسياسة العامة التي كانت مقررة  أمس 22 ماي إلى 31 ماي، وعللت بعض فرق المعارضة ذلك بكونها لم تعد أسئلتها لهذه الجلسة،  فيما صرح برلماني من حزب الأصالة والمعاصرة على أمواج إذاعة "أتلانتيك" بأن الأمر لا يتعلق مطلقا بجاهزية أسئلة المعارضة، وإنما يتعلق بمنع رئيس الحكومة من استغلال هذه الجلسة لما وصفه بـ"ممارسته للحملة الانتخابية لحزبه".


وفي جميع الأحوال، وسواء تعلق الأمر بالتبرير الأول الذي يعكس  فشل المعارضة السياسية وعجزها عن مواكبة الوتيرة الرقابية والتشريعية التي نص عليها الدستور، أو تعلق بالتبرير الثاني، الذي يندرج ضمن مساعي تعطيل مفعول الفصل 100 من الدستور الذي يلزم البرلمان بعقد جلسة للمساءلة الشهرية عن السياسات العامة يتقدم فيها رئيس الحكومة بالإجابة عن أسئلة نواب الأمة خلال الثلاثين يوما الموالية لإحالة الأسئلة  إليه، فإن النتيجة واحدة، وإنما الذي يتعدد هو التكتيكات المعتمدة.


فبعد فشل تكتيك طرح التأويل الدستوري للفصل 100، ومحاولة استغلال إجمال هذا الفصل لمحاولة تضييق مساحة حضور رئيس الحكومة في الجلسات العامة، وبعد فشل التكتيك الثاني الذي حاول بافتعال الخلاف السياسي حول الحيز الزمني المخصص للأغلبية والمعارضة ورئيس الحكومة، جاء اليوم تكتيك ثالث يدفع بعدم جاهزية أسئلة المعارضة السياسية، وكشف برلماني الأصالة والمعاصرة الأمر بوضوح، وقال إن  الأمر يتعلق بمناورة سياسية، أو بعبارة أدق، بمؤامرة سياسية، تهدف إلى  منع رئيس الحكومة من مساحة التواصل مع الرأي العام من خلال أجوبته عن أسئلة نواب الأمة في الجلسة الشهرية والعامة.

الخطورة في هذه التكتيكات بتعدد حججها وتعليلاتها، أنها لا تعرقل تواصل رئيس الحكومة مع الرأي  العام في هذه الظرفية السياسية التي كثر فيها اللخط والالتباس، وإنما تتجه إلى تعطيل أهم المكتسبات الرقابية التي جاء بها الدستور، إذ ألزم رئيس الحكومة بالحضور أمام نواب الأمة لمساءلته عن السياسات العامة أمام الرأي العام، هذا بعد أن لم يكن في السابق أي حضور يذكر للوزير الأول،  ولم يكن للرأي العام  فرصة ليكون في قلب النقاش العمومي اللهم إلا ما كان من متابعة التصريح الحكومي الذي يتقدم به، وتتبع لأجوبة الوزراء عن الأسئلة الشفوية التي يوجهها إليهم نواب الأمة في السياسات التي تخص القطاعات التي يمثلونها.

المسألة إذن أعمق من مجرد منع رئيس الحكومة من الدفاع عن سياساته الحكومية، بل هي أعمق من مجرد منعه من التواصل السياسي في هذه الظرفية الصعبة التي يتساءل فيها الناس عن أداء الحكومة وسط حملة منظمة تبخس حصيلتها، إذ يرتبط  الأمر بإبطال  مفعول فصل دستوري يعزز صلاحيات رئاسة الحكومة من جهة، ويقوي الدور الرقابي لنواب الأمة من جهة ثانية، ويتيح الفرصة للرأي العام ليكون في قلب السياسات العمومية من جهة ثالثة، أي أن الأمر في المحصلة يتعلق بنكوص حقيقي عن مكتسبات ديمقراطية ضمنها النص الدستوري وتحاول بعض الجهات الالتفاف عليها باستعمال بعض المناورات السياسية والتكتيكات الشكلية.

بكلمة، إن  المقصود اليوم بهذه التكتيكات ليس هو منع السيد عبد الإله ابن كيران من أن يتواصل مع الرأي العام، ولا حتى اللعب على الوقت لتكثيف الضغط عليه ومنعه من  فرصة  لكشف خيوط اللبس والالتباس الذي يحاول البعض نسجه عن الوضعية  السياسية والاقتصادية للبلد، وإنما المقصود هو الدلالة الرمزية أي العودة إلى الوراء، إلى ما قبل فاتح يوليوز، أي اللحظة التي كان فيها رئيس الحكومة من غير صلاحيات، ولا حضور سياسي تواصلي.

الأخطر إذن في هذه التكتيكات هي دلالتها الرمزية على  العودة إلى عهد التحكم، العهد الذي لم ينجح البلد في الخروج من تداعياته الخطيرة سوى بحكمة وإرادة ملكية كان من ثمراتها دستور فاتح يوليوز الذي يعتبر الفصل 100  من فصوله الديمقراطية المشرقة.
*صحفي بيومية "التجديد"-