"الغربة" في الشعر الأمازيغي المعاصر..الشاعر أحمد بيزماون نموذجا

"الغربة" في الشعر الأمازيغي المعاصر..الشاعر أحمد بيزماون نموذجا
الاثنين, 19. نوفمبر 2018 - 12:23
عبدالله العـسري

لما كان الشعر الأمازيغي وليد الحرف المهنية وتعبيرا عن معاناتها، نجد الشاعر أحمد بيزماون  من بين الشعراء الأمازيغ الذين أبدعوا في هذه المعاناة وكانت الغربة أبرزها، ومن خلالها يكشف الشاعر عن الفقر الذي يعيشه المجتمع  مما جعل أبناءه  يغتربون وقد ينسون بالمرة بلدتهم الأصلية، وهذا ما سنلمسه في قصيدته "مانزاك" للشاعر "بيزماون" في لحن عاطفي مؤثر جدا، وكلمات متداولة أحسن اختيارها ليبني قصيدته على شكل صور متتالية تجسد جملة من المعاني في صفة واحدة وهي  الحنين إلى البلدة / الأهل والأقارب .

الشعر والبحر والغربة

لم تكن الحياة وسط أمواج البحار هينة، فقد واجه أحمد بيزماون حياة مليئة بالمشاغل والمخاطر وسط البحر، ولهذا نجده يحاول تعويد نفسه لتقبل حياة المخاطر هاته في وقت لا مفر له منها، ليستبدل حياة البحر في أحضان الأمواج بعد ذلك بالحياة الفنية لكن مفردات اليم ما زالت تغلب على شعره.

وقبل هذه القصيدة لابد من التعريف بالشاعر " بيزماون "، وهو كما أورده الدكتور عمر حسين أمرير في كتابه "الشعر المغربي الأمازيغي" من مواليد 1949 بقرية "تيمزغيوين" بإحاحان ضواحي أيت آمر..لما قضى عامين بالمدرسة الابتدائية غادرها بعد وفاة والده ثم التحق بأحد أفراد أسرته بأكادير فمارس مهنة الصيد البحري حيث يضير إلى ذلك في إحدى قصائده قائلا :

نكاتين غ ؤغرابو حرشغ

ءا ميات كاما د ؤكار نس

ءاغاد نستوتول ءيزاكارني

وهيانغ غيلاد نكا رايسي

ترجمة :

كنت في القارب يقظا

عبر مئات الأمتار فما فوق

أدير حبال الشباك

وها أنذا اليوم أصبحت شاعرا

وخلال وجوده في أكادير كان يملأ فراغه بتعلم الضرب على آلة " لوطار" بيده اليسرى، ورافق العديد من الشعراء كان أشهرهم  الحاج محمد الدمسيري رحمه الله، وأنتج قصائد كثيرة، أهمها القصيدة الوطنية التي تحدث فيها عن الصحراء المغربية،  وكان مطلعها :

صحراء تيناغ ءاتكا لعدو يوري ف ؤسكا

ترجمة :

الصحراء صحراؤنا والعدو في الهامش .

قصتي لمن سأحكيها ؟

يتميز شعر بيزماون برؤية متميزة شكلا ومحتوى تتخللها غالبا تساؤلات تاركا الأجوبة للمتلقي / السامع الذي سيلاحظ أن الشاعر يقدم لوحاته الفنية من خلال قصائده عن الغربة كجانب آخر من جوانب الصورة الشعرية بفنية رائعة يصور فيها التائه في الدنيا كربان قارب عديم الخبرة بأسرار البحر، وهنا نلاحظ  أن الشاعر لا يفارقه البحر ومفرداته حيث ظل يتجاوب معه ويوظفه في جل قصائده من حين إلى آخر، والشاعر "بيزماون" بذلك يمثل لونا شعريا يسكنه هاجس الغربة، إذ تكاد قصائده لا تخلو من ذكر معاناة الغريب كقوله :

ءيما لاخبار ءينو مامو راتند باينغ ؟

الله أكبار ءاخوتي ماف نفاغ دارنغ ؟

ؤر ؤسيغ روح ؤرا شتاغ ءايدا ميدن

ؤرا تاكرغ ءيان ءار بي ما فزا نوحل ؟

ءانواش د ؤمحساد ءاخوتي تابعانانغ   

ؤراك نسميح ءاوالي فلاتي ءيبنون

ءاوال لعار ءايلاغ نغاب ءيتكمينغ

نفل لاحباب ءينو ويلي دا تجمعاغ

نفل تاكمات ءينو ناسي لوطار جولغ

ترجمة :

أما أخبار فلمن سأحكيها ؟

الله أكبر يا إخوتي لم غادرت بلدتي ؟

لم أقتل ولم أستول على أموال أحد

ولا أسرق لأحد رباه ماذا جنيت ؟

الحساد والكذبة تبعوني أينما حللت

لن أسامحك أيها الذي يفتري علي،

أقاويل الكذب حتى غادرت أهلي،

وأحبابي الذين كنت أجالسهم

فتركت أسرتي وحملت "لوطار" سائحا

وأضاف في نفس القصيدة قائلا :

واءيمينو ءايمينو  ءايمينو جليغام

غمكاد ءيجلا واناو  ءيغ ؤر ءيخالض رايس

ءيضر غ لبحور د تيلاس د تاضانكيوين

ترجمة :

أماه !!  يا أماه !! أمي تهت عنك !!

كما يتيه الربان عديم الخبرة بالبحر

فيلاطم أمواج البحر في ظلمات الليل

أنا الغريب التائه

أما في قصيدة "مانزاك؟" فتتخذ الغربة لدى الشاعر شكلا آخر بحيث يلقي اللوم على الذي هاجر والديه وأحبابه وجيرانه وبقي وحيدا في الدنيا تائها كالمجنون وذلك في قوله :

مانزاك ؟ مانزاك ؟  مانزاك ؟ مانزاك ؟

مانزاك ؟ ءا والي ءيفتان مسكين ؤرد ؤرين ؟

ءيفل ءيمدوكال ءيفل كولو تاكمات نس

ءيفل ءايتماس ؤلا باباس  ؤلا ءادجار نس

ءيجلو غ دونيت ءيكامي ماد ءيتكيوير

ترجمة :

 أينك ؟ أينك ؟  أينك ؟ أينك ؟

أينك ؟ يا من غاب ولن يعود ؟

ترك أخلائه وترك عائلته

وترك أباه وإخوته وجيرانه

فتاه في الدنيا فعدم من يجالسه

ويمضي الشاعر بعدما ذكر الغريب بأحبابه وجيرانه الذين غادرهم، ليثير موضوع الأم الذي أثاره شعراء آخرون وكان من أبرزهم " إكوت عبد الهادي " عن المجموعة الغنائية إزنزارن الذي أصدر شريطا في بداية السبعينات تحت عنوان " ءيمي حنا " ( أمي الحنونة )  حيث اختار في تأليفها ألفاظا بعناية خاصة وساعده في ذلك ذوقه الصقيل وكان مطلعها :

ءيمي حنا كا فربيغ تاسا ولا وولي

نتات ءايتسون ءافود ءار فلاغ ءيسنتال

ءادال نس ءاسميض تسمسطر فلاغ

تزضا تزدم تاكمد غ لحما والا ءاسميضي

ءاح ءايا ءيكان ءيكيكيل مو تموت ءيناس

ءيغاماد باباس ءيك ءاسمون ءيتمغارين

ءيقاند ءايدل س ءيغربان ءيسوك ءاياكال

ترجمة :

أمي الحنونة يا مالكة القلب والكبد

هي التي توسد لي ركبتها وأستظل بها

غطاؤها يدفئني من شدة البرد

تطحن وتحطب وتجلب الماء في البرد والحر

آه لمن فقد أمه فأضحى يتيما !!

وبقي بعدها أبوه ليرافق النساء !!

حتما سيفترش الأرض ويستظل بالجدران

حملته وهنا على وهن ...

ولنا أن نستنتج من هذه الأبيات ومن قصيدة "بيزماون"  أن الشعر الأمازيغي ينفرد باهتمام خاص بالأم وينطلق من الرؤية التأصيلية للشعر المستقاة من الدين الإسلامي الحنيف، ونلاحظ أن الشاعر يوبخ هاجر والديه، وبالخصوص أمه التي نسي جميلها يوم كان صغيرا ولم يقو بعد عن الكلام ولا على الجلوس، ونترك المتلقي ليستشف ذلك من خلال هذه الأبيات :

مانزاك ؟ مانزاك ؟  مانزاك ؟ مانزاك ؟

ءيفل لا حباب ءايمينو وابابا

ءيفل تاكمات وا ءاحينو ءيكا ءاغريبي

يا ندي ءيكتين ءاخوتي  غاس ليغ ديلول

ؤرتا ءيسين ءيواوال ؤرتا غي تكيوير

ءارت ءيتربو ماس غ تافوكت ؤلا ءيجاوان

ءيغ يوضن تاضن فلاس مسكينا غد نتات

ءيغ ءايالا ءاراسن تاكا ءاكفاي ءارد ءيفيس

ءيغ كيك لحنانة حنو غ باباك د ءيميك

ءيغ تسولت سولن ران ءاكا زرين لاخبار نك

ياور ءيعاقيلن ءاخوتي ف لخير ن باباس د ءيناس

ءاجيت ؤكان ءيواطان ءارواس ءيمدي ياس

ترجمة :

أينك ؟ أينك ؟  أينك ؟ أينك ؟

ترك الأحباب يا أماه ويا أبتاه !!

ترك العائلة يا ويلته أضحى غريبا

من تذكر يا إخوتي يوم ولد ،

لم يقو بعد لا على الكلام ولا على الجلوس ،

تحمله أمه دوما في الحر والقر ،

إن مرض مرضت هي الأخرى وتألمت ،

إن بكى ترضعه من حليبها حتى يهدأ ،

إن كنت رؤوفا فارأف بأبيك وأمك ،

إن كنت حيا فهم يطمعون سماع أخبارك ،

من لم يتذكر يا إخوتي جميل أبيه وأمه ،

فاتركه للداء والويل يلاحقه.

التعليقات

أضف تعليقك