بصراحة..عِـم صباحا " أيها الفساد" !!

 بصراحة..عِـم صباحا " أيها الفساد" !!
الخميس, 5. يوليو 2018 - 18:31
محمد عصام
قراءة : (472)

"الآن وأنا في البرلمان أستمع لمداخلات الفرق بصدد المناقشة العامة لمشروع قانون المالية، أصبت بعسر في الفهم، وأنا أسمع الكل يلعن الظلام ويسب ملة الفساد، أبا عن جد وخلفا من بعد سلف إلى يوم الدين، واستعداد هذا الكل لمحاربة هذا الفساد الوحيد بلا هوادة، وبدا لي هذا الفساد أعزلا في معركة غير متكافئة، فأشفقت عليه من المقاصل ونواصل السيوف والتي تتربص به من طرف صناديد القاعة المكيفة وهم يتوعدون هذا المسكين الأعزل بالويل والثبور وعظائم الامور. 
فعلا وجدتني منحازا لهذا الفساد المسكين وهو يتعرض لهذه الحملة من القصف المتعدد المصادر، وبكل انواع المفرقعات، عفوا بكل الصواريخ العدوة والصديقة بل وحتى الشقيقة ، فكيف لي أن لا أتعاطف مع الفساد المسكين وقد تنكر له أبناؤه من الرضاعة والنسب وأشقاؤه من الوالد والوالدة، وسأدافع عن الفساد لأنكم أيها السادة المحترمون جداً عاقون لأبيكم جاحدون لمقتض أخوتكم، وخطيئتكم في العقوق أفظع من الفساد عينه. 
أجيبوني وأنتم المحترمون جداً من كان يفسد في البر والبحر والسماء، وتحت الأرض وفوق الأرض والى يوم العرض، إذا كان الكل يسب الفساد وأب الفساد وكل ملة الفساد ما ظهر منها وما بطن؟ 
أجيبوني أيها المحترمون جداً من سرق شمسنا وأرعب ليلنا وأفقر ضرعنا أجيبوني رحمكم الله فأنا لم أعد أملك القدرة على الفهم، من الفاجر الماكر الكافر الغادر، الملعون المذموم عديم المروءة الذي عات فينا فسادا، حالا ومآلا يمنة ويسارا؟! أجيبوني رحمكم الله أين يمكن القبض على من أكل غلاتنا وسب ملتنا وأعدم أملنا وخان غدنا؟! 
أجيبوني بلغة أفهمها ويفهمها من تجرعوا معي مرارة علقم يومنا ويُتم غدنا وغدر زماننا ، دلوني على وجه الفساد كي أفقأ عينيه بأصابعي التي سأبصم بها محضر اعترافي، وأكفيكم جريرة دمه الذي لن يتفرق بين القبائل، ولن يطرق بعدها باب بيتنا، وأكفيكم كل هذا الصراخ والضجيج ولكن أعينوني حفظكم الله بصمتكم لأنكم إن تكلمتم أفسدتم يومنا بعد أن دمرتم أمسنا، وخذلتم يومنا، وتنكرتم لغدنا" 
هذه كلمات كتبتها سنة 2013 وأنا برلماني، قبل أن يصدر في حقي قرار للعزل في السنة الموالية، لا لأني خنت عهدا، أو اقترفت جرما، أو امتدت يدي لمال عام أو تلاعبت بصفقة من الصفقات، تم عزلي لأني فقط تخندقت مع أبناء مدينتي سيدي افني، وقبائل أيت باعمران، وطالبت برغيف كريم، ودواء لكل عليل، وشغل لكل عاطل ، وتنمية تنشر الخير في الارض وبين العباد. 
بالمقابل اليوم وفي نفس القبة، وأمام الكاميرات وبلا استحياء قد تسمع مدانا بالسجن النافذ، بتهم اختلاس وتبديد أموال عمومية، وإقصاء المنافسين من المناقصة، وتزوير وثائق إدارية ونزع أوراق محفوظة بإدارة عمومية، وخيانة الأمانة واستغلال النفوذ وانتزاع حيازة عقار من الغير، والإعفاء من الضرائب ومن الواجبات المفروضة، يصرخ ملء فيه مدعيا النضال ضد الفساد بالقول والجنان، وقد تجد متهربا من الضرائب، محتالا على حقوق العمال، أو تجد من أصبح معدما وأمسى مليونيرا في خمس أيام، يتبجح بالدفاع عن الشعب وأقوات الشعب، وليس بينه وبين الشعب إلا الخير والإحسان. 
وفي مغرب الغرائب، تجد أحزابا منذ يوم ولدت إلى أن تلقى الله، فساد في فساد، ولدت في الريع وترعرت فيه، لكنها الاعلى ضجيجا والاكثر جعجعة في الادعاء بمحاربته، 
في مغرب العجائب، كن مفسدا ما شئت، وسارقا ما طاب لك، وخائنا ما بدا لك، وادع بالفم المليان أنك من أمة الإصلاح والصلاح والحرب على الفساد، فحتما مقعدك في البرلمان لا مراء فيه، وموقع في أي حزب تشتهيه متاح الى أن تزدريه. 
في مغرب الكوارث، المناضل وراء القضبان ولو تبث نضاله! وهو مدان الى أن يتوب عن النضال أو يموت. 
في مغرب الأحزان، كن شريفا تتعقبك الأيادي التي تعلم والتي لاتعلم، في الوظيفة وفي النضال وفي الحزب وفي كل مكان، فإما أن تكون كما يريدون، وإلا تلقفتك المصائب في الظلمات والمنعرجات، وإن لم تصطدك مقاصل المحاكم، فلن تفلتك شباك الوشاية والتهميش. 
فعم صباحا أيها الفساد، مادمت فينا مطاعا، إلى أن تلد روابينا من أرحامها من كان بملاقاتك جديرا، وعلى هزمك قديرا.

التعليقات

أضف تعليقك