استقلالية القرار الحزبي

محمد يتيم
قراءة : (219)
الخميس, ديسمبر 28, 2017 - 21:30
استقلالية القرار الحزبي

اثبت حزب العدالة والتنمية استقلاليته منذ تأسيسه إلى اليوم بما لا يدع مجالا لتشكيك المشككين وانتحال المبطلين وجهل الجاهلين وتحامل المتحاملين، وأثبت ذلك في الآونة الأخيرة من خلال مؤتمره الثامن حين سعى البعض ممن يسعون للتدخل في شأنه الداخلي من خلال التشكيك في استقلالية قراره٠ ويا للتناقض يدعون ذلك وهم يحشرون أنوفهم في ذلك الشأن إلى درجة يصدق عليهم فيها أهل الدار صبروا والعزاية كفروا، بعد أن خيب المؤتمر توقعاتهم، ورجح المؤتمرون ما رجحوا في كامل الاستقلالية، ولو كان اختيارهم غير ذلك وخرج على هواه، لسمعناهم يتحدثون عن انتصار استقلالية القرار لدى حزب العدالة والتنمية .

خرجت القرارات كما رأى وشاهد الجميع وتابع الجميع من صناديق الاقتراع الحر بعد تداول حر وتصويت حر.

لم تتحرك هواتف ولم يتلق كبير وصغير من تعليمات إلا من وحي الضمير.

وعبثا حاول البعض الإساءة إلى استقلالية الحزب واستقلالية مناضليه والتشكيك في ضمائرهم والإمعان في الاستخفاف بهم وفي ممارسة أستاذية متعالية عليهم، وأطلقوا كلاما منكرا حين اعتبروا أن تصويتهم تصويت الخوف ووقوع تحت طائلة التهديد! والواقع أنهم هم من شنوا حملة تهديد وتخويف و"إرهاب فكري " ونفسي، واختلقوا من أجل ذلك عدة اصطلاحات وتسميات وتوصيفات منكرة من قبيل " الاستوزار" و"بن عرفة " وهلم جرا !!

استقلالية الحزب مسالة أخلاقية أولا

استقلالية الحزب هي أولا وقبل كل شيء مسألة أخلاق وضمير، وأستطيع أن أجزم بأنه لا أحد يمكن أن يزايد على الحزب وقيادييه في هذه المسألة، ونظافة مناضليه وقيادييه خلال السنوات التي تولوا فيها تدبير الشأن العام سواء على المستوى المحلي أو الوطني دليل راسخ على ذلك، وإن كان المغاربة قد أعطوه ثقتهم خلال الاستحقاقات التشريعية لسنة 2011 ثم جددوها خلال سنة 2015 بمناسبة الانتخابات الجماعية والجهوية ثم سنة 2016 بمناسبة الانتخابات التشريعية، فإن من بين أول أسباب ذلك هو ثقتهم في استقامة ونزاهة منتخبي العدالة والتنمية محليا وجهويا ووطنيا قبل ما أنجزوه من إصلاحات وهو أمر حاصل بقدر كبير كذلك .

وهي مسألة مشتركة يستوي فيها مناضلوه وقياديوه بالدرجة الأولى، لأنه إذا لم يكن لائقا أن نتصور تفريط مناضل عادي أو أي مسؤول في أي مستوى من مستويات المسؤولية داخل الحزب في قيم الحزب ونظافة اليد والضمير قبل ذلك ، فإنه من الأولى أن لا نتصور ذلك في المستويات العليا من المسؤولية ، خاصة ممن لهم تاريخ نضالي طويل يوم كان الإنتماء التنظيمي مغامرة تهدد الحرية والاستقرار المهني العائلي ، ويوم لم تكن هناك لا مواقع ولا مناصب أو مسؤوليات في المجالس الجماعية أو مواقع برلمانية أو حكومية . وهو ما ينطبق فيه ما يعرف عند علماء المسلمين ب" قياس الاولى " المستنبط من تفسيرهم للآيات الواردة في سورة النور حول حديث الإفك ومنها " لولا اذ سمعتموه ظن المؤمنون والمؤمنات بأنفسهم خيرا وقالوا سبحانك هذا بهتان عظيم .." ، وانه يتعين على كل مناضل أن يأخذ بعين الاعتبار أنه اذا جوز على اخوانه من قيادة الحزب إمكانية التخلي عن استقلالية القرار الحزبي ، فإنه بالتبع يجوز ذلك على نفسه وعلى غيره ممن دونهم في المسؤولية أضعافا مضاعفة.

هو المنهج الذي تعاطى من خلاله صحابة رسول الله صلى الله عليه وسلم مع حادثة الإفك فهذا أبو أيوب خالد بن زيد، قالت له امرأته أم أيوب‏:‏ يا أبا أيوب، ألا تسمع ما يقول الناس في عائشة ‏؟‏ قال ‏:‏ بلى، وذلك الكذب، أ كنتِ يا أم أيوب فاعلة‏؟‏ قالت‏ :‏ لا والله ما كنت لأفعله؛ قال‏:‏ فعائشة والله خير منك.

استقلالية الحزب مسألة تنظيمية

هي اضافة الى ذلك هي استقلالية لقراره التنظيمي والسياسي الناتجة عن كونه حزبا مؤسساتيا ديمقراطيا، تنبع قراراته سواء تعلقت بانتخاب الأشخاص في المسؤوليات الحزبية أو البرلمانية أو الحكومية أو بالحسم في التوجهات والقرارات، وهي حقيقة تتحدى ما يروجه المرجفون والأفاكون حول حقيقة استقلال القرار الحزبي. وهي قرارات وتكليفات منضبطة بقوانين الحزب ومساطر محددة نابعة من الإرادة الحزبية كما تمثلها أعلي الهيئات التقريرية من قبيل المؤتمر الوطني والمجلس الوطني، وتقوم على فلسفة فريدة قوامها الترشيح الجماعي للمسؤوليات والتداول الحر، وهي أيضا ممارسة فريدة في النسق الحزبي الوطني والعربي والدولي.

ولا يطعن في هذه الاستقلالية اعتبار بعض المعطيات الخارجية واستحضار ضغوط الواقع الذي نشتغل فيه والتعاطي معها وتقديرها بقدرها علما أن مناضلي الحزب قد يختلفون في ذلك التقدير بين مُهَوِّلٍ و مُهَوِّنٍ وبين معتدل متوسط، لكن العبرة ليست بذلك التهويل أو التهوين ولكن العبرة بالتقدير الجماعي بعد التداول، وهو التقدير الذي لا يأتي إلا بخير.

فالقرار المؤسساتي يبقى صِمَام أمان لأنه من جهة نتيجة تضافر عقول متعددة، وثانيا لأن ما ينتج عنه ملزم حتى لو كان القرار في نفس الأمر مرجوحا، فالاجتماع على رأي مرجوح خير من التفرق على رأي راجح، إذ الاجتماع على المرجوح يقويه في حين أن التفرق على الراجح يضعفه فضلا عن انه يعصف بقواعد العمل الجماعي وبالوحدة الداخلية للحزب.

وباستحضار تلك القواعد المنهجية سواء في بعدها الأخلاقي أو التنظيمي المؤسساتي، فإن ما يهدد استقلالية الحزب هو التالي:

1- ضعف الحصانة ضد الشبهات والأراجيف والأكاذيب وضعف التثبت مما يولد قابلية للاختراق من قبل أفكار أخرى ومرجعيات وربما الاستدراج لمخططات تستهدف وحدة الحزب وتتربص به، وهو الاختراق الذي يكشف عن هشاشة كبيرة في التعامل مع المرويات.

وقد سبق إن كتبت بتفصيل عن هذا الجانب، وباختصار فإن تلك الحصانة لا تتحقق إلا من خلال قاعدة معروفة عند علماء المسلمين وهي قاعدة: " إن كنت ناقلا فالصحة وإن كنت مدعيا فالدليل "، ومن المعلوم أن المسلمين قد بلوروا في الشق الأول علما كاملا يسمى بعلم " مصطلح الحديث " وضعوا من خلاله قواعد للحكم على صحة المرويات ودرجاتها وقواعد الطعن فيها، ولو عرضنا أغلب المرويات الصحافية والعنكبوتية على تلك القواعد لما ترددنا في وضعها في خانة الموضوعات و" الاسرائيليات الجديدة ".

كما وضعوا لها قواعد أخلاقية منها كما في الحديث " كفى بالمرء كذبا أن يحدث بكل ما سمع " ناهيك عن تجريم الغيبة والنميمة والقذف والافتراء وغيرها، كما وضعوا لذلك علما أخر يقوم على فحص المرويات بعرضها على قواعد العقل وقواعد علم العمران الذي وضعه العلامة ابن خلدون ومنها " قاعدة مستقر العادة" ، فضلا عن " قياس الأولى"كما تمت الإشارة إلى ذلك أعلاه (انظر مقالا سابقا لنا حول قواعد التعامل مع الاخبار والمرويات ).

إن ترويج الأكاذيب والأراجيف والتحديث وتقاسم كل ما ينشر وتداوله و”الجمجمة"عليه دون تثبت وجعله مصدرا في إصدار الأحكام والمواقف الجاهزة، وعدم الرجوع إلى الهيئات والمؤسسات وإلى المعنيين بالإشاعات والاتهامات، ضار باستقلالية قرار المؤسسة ومؤثر فيها، وهو أمر مخالف لمقتضيات المرجعية الاسلامية التي تحذر من الإشاعة غير المسؤولة ل" الأخبار " و" المرويات " كما في قوله تعالى: " وإذا جاءهم أمر من الأمن أو الخوف أذاعوا به ولو ردوه إلى الرسول وإلى أولي الأمر منهم لعلمه الذين يستنبطونه منهم ولولا فضل الله عليكم ورحمته لاتبعتم الشيطان الا قليلا "

2- مجابهة الهيئات بمواقف منسقة ومسبقة، من خلال إنشاء ترتيبات و تكتلات خارج المؤسسات وهو ما من شأنه أن يفرغ التداول من محتواه وفضيلته باعتباره ممارسة تقوم على تبادل المعطيات والتقديرات داخل الهيئة المجتمعة بما من شأنه أن يرشد الاختيار الجماعي ويحرره من الانطباعات أو الو لاءات أو من تأثير النقص في المعطيات،وبدل ذلك السعي من خلال تلك الترتيبات إلى إنشاء انطباع عام لدى من يتتبعون التداول أن ذلك هو الرأي السائد و الأصوب.

وهو أمر ممنوع في قوانين الحزب وأنظمته وفي ثقافته ومهدد لاستقلالية قراره أي مهدد لاستقلالية الأفراد وحريتهم في التفكير والتدبير وتحايل على المؤسسات واختطاف لقرارها الحر المسؤول، ما دامت القواعد المعمول بها في الحزب هي هذه لم تعدل ولم يعدل عنها إلى نظام أخر، كما أنها تصادر حق المؤتمرين في الترشيح الحر الذي هو في الأصل ترشيح فردي سري يحتكم فيه كل فرد إلى ضميره ولا يأتي به جاهزا ناهيك أن يكون ذلك ناتجا عن ترتيب أو دعاية مسبقة، إنها خرق في أس أخلاقي لاستقلالية القرار الحزبي واعتداء على الاختيار الفردي الحر الذي هو الأساس المبدئي والأخلاقي مرة أخرى لتلك الاستقلالية .

3- استهداف القيادات والرموز نتيجة عمليات منظمة لاستهدافها والغريب أن البعض من أبناء الحزب ومناضليه الغيورين قد يلتقون في ذلك مع جهات معادية للحزب ويوفرون لها وقودا لتغذية حرارة طاحونة خصومتها لعداء الحزب، من خلال حملات منظمة تنطلق من حسابات مجهولة ( الذباب الالكتروني ) تنتحل التعاطف مع الحزب، فتهاجم تارة هذا وتناصر تارة ذاك مع تقلب متواصل في الأدوار .. ."وفيكم سماعون لهم " .

ومن المفيد في هذا استحضار فتنة قتلة عثمان وقميص عثمان وما قاله الصحابي الجليل حين رأى سيدنا عثمان مدرجا في دمائه والدماء تسيل على المصحف حين قال بعض الصحابة ممن كان ينتقد عثمان: " لَا أُعِينُ عَلَى قَتْلِ خَلِيفَةٍ بَعْدَ عُثْمَانَ أَبَدًا ", قَالَ : فَقِيلَ لَهُ : أَعَنْتَ عَلَى دَمِهِ ؟ قَالَ: " إنِّي أَعُدُّ ذِكْرَ مَسَاوِئِهِ عَوْنًا عَلَى دَمِهِ". في إشارة بليغة لكيفية استغلال اختلافات وتقديرات داخلية واتخاذها ذريعة لتصفية القيادات، وفي حالتنا هذه نقصد التصفية المعنوية.

واستهداف القيادات من قبل جهات خارج الحزب أمر عادي وسيتواصل، لكن أن ينخرط بعض مناضلي الحزب في هذه العمليات بحسن نية، وأن تصبح مصادر أخبارهم وتحاليلهم جهات إعلامية معروفة بتقديراتها ومنطلقاتها في النظر والتحليل السياسي، وذاك شأنها ولا نتدخل فيه كما نرفض أن تُمارس علينا الأستاذية، فذلك أمر غير مقبول، لأن مصادر معلوماتنا وتحليلاتنا ينبغي الرجوع فيها للمؤسسات وأن تتم داخلها أو على الأقل أن يتم التثبت مما يروى وينشر ويراجع المعنيون، فتلك قبل أن تكون من أخلاقيات المهنة فهي من أخلاقيات المسلم في اعتماد وترويج الأخبار .

إن الإسهام في ترويج الاراجيف والمرويات المسيئة للحزب ورموزه هو إسهام في " القتل المعنوي " لتلك الرموز والتشكيك من ثم يمهد الطريق للتشكيك في كل شيء وفي رموزه وقياداته الصاعدة وفي مستقبله وتعزيز مسار التشكيك في العمل الحزبي والسياسي على اعتبار أن الجميع قد " سقي بمغرفة واحدة " وان الكل قنافذ والقنافذ ليس فيها أملس !!

لا شيء بعد ذلك مهدد لاستقلالية القرار الحزبي ما دام متمسكا بطبيعته المؤسساتية الديمقراطية وقيمه المؤسسة منهجيا وفكريا وأخلاقيا.

التعليقات

أضف تعليقك