الأبعاد الوطنية والدولية لتوقيع اتفاقية التبادل التجاري الحر بأفريقيا

عبد النبي أبوالعرب
قراءة : (60)
الأحد, مارس 25, 2018 - 22:00
الأبعاد الوطنية والدولية لتوقيع اتفاقية التبادل التجاري الحر بأفريقيا

بات واضحا ومؤكدا أن عودة المغرب إلى الاتحاد الأفريقي كان قرارا صائبا وشكل انتصارا للمملكةبكل المقاييس، على شتى المستويات، خاصة الدبلوماسية والسياسيةوالاقتصادية. هذه الانتصارات التي جاءت بالطبع كتتويج لمكانة المغرب في قلب القارة السمراء، في وقت لم يعد ممكنا للمغرب أن يبقى خارج هذه المنظمة التي ينتمي إليها طبيعيا وتلقائيا بحكم إفريقيته. وقد جاءت هذهالعودة في وقتها المناسب، بعد أن بدأت هذه المنظمة تخرج عن رشادها وأهدافها الأصيلة بأن أصبحت مطية لأعداء الوحدة الترابية، وبأن تم تسخير اسمها ومواردها من طرف أقلية لضرب مصالح المغرب ووحدته الترابية.

والأكيد أن هذه العودة بدأت تضرب في الصميم المناورات الخبيثة لخصوم الوحدة الترابية من داخل هذه المنظمة، كما هو الشأن بالتوازن الذي تمت إعادته إلى تقارير مجلس السلم والأمن الأفريقي الذي يرأسه الجزائري المعروف بعدائه لقضية الوحدة الوطنية. كما بدأت تؤتي أؤكلها من خلال توجيهاهتمامات المنظمةإلى الملفات الحقيقية التي يجب أن ينكب عليها القادة الافارقة، كما جاء ذلك في الخطابات الملكية التي تتناول الشأن الأفريقي وفي مساعي الديبلوماسية الوطنية، وهي كبيرة وعملاقة بالنظر إلى مستوى التأخر الذي تعيشه القارة السمراء في كل المجالات.

وقد جاءت هذه العودة في وقتها المناسب بالنظر أيضا إلى التحولات الثقافية والحضارية العميقة التي باتت تعيشها القارة السمراء عامة، والمؤسساتية التي يعيشها الاتحاد الأفريقي خاصة. على هذا المستوى الأخير عرفت القارة السمراء مؤخرا منعطفا تاريخيا هاما بالتوقيع يوم 21 مارس الأخير بكيغالي على اتفاقية منطقةالتبادل الحر القارية (Zone de Libre-Echange Continentale)، والتي أشر عليها رئيس الحكومة سعد الدين العثماني باسم المملكة. توقيع هذه الاتفاقية يشكل لحظة هامة في تاريخ هذه القارة السمراء يمكن تشبيهها بولادة ثانية لمشروع أفريقيا، ولادة لمشروعها الاقتصادي الوحدوي الأفريقي، بعد أن كانت قد أعطيت الولادة سنة 1982 لمشروعها السياسي الوحدوي. نتناول فيما يلي بعد الأبعاد القارية والوطنية لهذه الاتفاقية الهامة.

على المستوى القاري والدولي، يعتبر إنشاء هذه السوق الموحدة أحد عناصر المبادرة الاستعجالية في أجندة أفريقيا 2063، والتي تهدف إلى خلق سوق أفريقية واحدة للسلع والخدمات، وتحقيق حرية تنقل رجال الأعمال والوحدة الجمركية بحلول سنة 2022، وخلق المجموعة الاقتصادية الأفريقية سنة 2028. والملاحظ أن الرؤية المتبعة في أفق تحقيق هذا الهدف هي تدريجية، حيث سيتم الاعتماد على التكتلات الجهوية الأفريقية، وهي ثمانية بما فيها اتحاد المغرب العربي، بما ستنتهي تدريجيا بالاندماج الكلي للقارة السمراء.

وتعتبر هذه السوق حاجة ملحة أمام التجارة الأفريقية البينية، والتي لا تشكل سوى 10 في المائة من مجموع التجارة الخارجية للبلدان الأفريقية، في حين أن التجارة البينية في التجمعات الاقتصادية الأخرى جد مرتفعة، حيث تبلغ 70 بالمائة بين دول الاتحاد الأوروبي، و52 بالنسبة لمجموعة جنوب شرق اسيا و50 بالمائة في منطقة شمال أمريكا.ويساهم في هذا الضعف العقبات التي تعترض هذه التجارة البينية بين البلدان الأفريقي، حيث على سبيل المثال تحتاج شاحنة لنقل البضائع عبر بلدان أفريقيا الجنوبية وحدها إلى الإدلاء بأكثر من 1600 وثيقة!

ينضاف إلى هذا الضعف التجاري البيني، ضعف حصة أفريقيا في التجارة الدولية، حيث لا تشكل إلا 2 بالمائة من مجموع هذه التجارة. وهو مؤشر بقدر ما يدل على أن أفريقيا جد متأخرة عن المكانة التي يجب أن تضطلع بها بين العالم، يدل أيضا على مستوى التطور الذي ينتظر هذه القارة، والتي يتفق الجميع اليوم على أنها مهد التنمية العالمية المستقبلية.

وفي هذا الأفق، هناك مؤشرات إيجابية ومشجعة بالنظر إلى إمكانات القارة ومواردها الهائلة، والتي من شأن استثمارها الدفع بقوة بالعجلة الاقتصادية والتجارية داخل القارة إلى الأمام. حيث تشير الدراسات إلى أن من شأن إطلاق منطقة التبادل الحر القارية الإسهام في الرفع من التجارة البينية بين دول القارة السمراء بحوالي 35 مليار دولار سنويا، وهو رقم عملاق ستكون له تداعيات كبيرة ستغير بسرعة وجع القارة الفقيرة.

أما على المستوى الوطني،فعائدات التوقيع على هذه الاتفاقية كبيرة وهائلة، حيث تصورا لو بقي المغرب خارج الاتحاد الأفريقي وهو يشرف اليوم على توقيع اتفاقية التبادل التجاري القاري هاته بين البلدان الأفريقية كافة. ألم يكن ذلك ليكون عزلة للمغرب وضربة لمصداقية استراتيجيته الوطنية في أفريقيا وإضعافا لمكانته وقدرته على لعب دوره الريادي في الدفع بهذه القارة للنجاح أمام التحديات المطروحة عليها. لقد بات مؤكدا أن عودة المغرب إلى هذه المنظمة جاء في وقته المناسب، ويشكل مؤشرا على ذكاء وحكمة الديبلوماسية الأفريقية للمملكة. وقد أظهرت المملكة بهذه المناسبة حرصها أن تكون من أول الموقعين على هذه الاتفاقية الهامة، وذلك بالنظر إلى آثارها الوطنية الإيجابية العديدة، نسرد منها :

أولا، تدعيم الاستراتيجية الوطنية في الانفتاح الاقتصادي الدولي. لقد اختار المغرب منذ الاستقلال الانفتاح الاقتصادي الدولي على باقي دول العالم، هذا النهج الذي استمر وتأكد مع تولي الملك محمد السادس لعرش المملكة، حيث أخذ هذا الخيار أبعادا كبرى تروم اليوم جعل المغرب مركزا دوليا للاستثمار والتصنيع والتجارة الدولية. وقد تأكد هذا المنحى بالخصوص على المستوى الأفريقي حيث وقع المغرب ما يفوق 1000 اتفاقية مع البلدان الأفريقية، تصب كلها في تدعيم التعاون والانفتاح الافريقي البيني. وبالتالي جاء خيار المملكة بأن تكون من أول الموقعين على هذه الاتفاقية، لكونها تعطي لرؤيته وسياساته الأفريقية الثنائية بعدا أفريقيا وقاريا، لتفتح بذلك المملكة شوط جديد في مجهوداته للدفع بالعجلة الافريقية إلى الأمام.

ثانيا، إعطاء مشروعية قارية لطلب انضمام المغرب إلى السدياو، المنطقة الاقتصادية لدول غرب أفريقيا. لقد تأكد منخلال التوقيع هذه الاتفاقية أن مستقبل أفريقيا هو في الاندماج الاقتصادي كحلم وأفق يوحد كل شعوب أفريقيا ومواطنيها. هذا الأفق الذي يمر كما هو مدرج في نص الاتفاقية عبر تدعيم التكتلات الجهوية الأفريقية. وفي هذا الإطار يدخل مسعى المغرب الانضمام إلى منطقةالسيدياو، حيث لا مجال لقبول التخوفات المثارة من انضمام المغرب، ما دامت كل البلدان سائرة نحو الاندماج في أفق ليس ببعيد. فالحل إذن ليس في الانعزال، ولكن في تقوية الشراكات البينية الأفريقية وفي إيجاد فرص النمو المندمج لكل البلدان، بمنطق رابح / رابح، تماما كما تتبناه المقاربة الوطنية.

ثالثا، العزلة الاقتصادية للبوليزاريو. حيث شكل التوقيع على هذه الاتفاقية القارية رصاصة الرحمة الإضافية التي قتلت نهائيا أحلام البوليزاريو في التواجد كهيئة اقتصادية داخل القارة. فهي بالإضافة إلى كونها لا تنتج ولو بضاعة واحدة تصدرها ولا تستطيع استراد ولو سلعة واحدة تستهلكها ما عدا المساعدات الإنسانية، وجدت نفسها خارج الحدود الاقتصادية للقارة. ذلك أن نص اتفاقية منطقة التبادل الحر القارية التي تم التوقيع عليها تعتمد على التكتلات الجهوية في مرحلة أولى، والتي من المنتظر بعد أن تحقق اندماجا متقدما أن تتحول إلى اندماج قاري في مرحلة ثانية. وقد وجد البوليزاريو نفسه خارج هذه السيرورة، حيث لا ينتمي هذا الكيان الوهمي إلى أي تكتل في الحاضر، ولن ينتمي إلى أي تكتلفي المستقبل. وهو أمر طبيعي بالنظر إلى أن انضمامه لن يأتي ولو بشيء واحد إيجابي مقارنة بكل المشاكل والشرور التي سيتسبب فيها انضمامه لأي تكتل. خاصة وأن كل التكتلات الأفريقية توجد بها بلدان صديقة للمغرب لا تعترف بهذا الكيان الوهمي وستقف أمام أي محاولة لفك العزلة عنه.

وأخيرا، الدفع بالتكتلات الاقتصادية الجهوية. وفي هذا الإطار يأتي توقيع اتفاقية منطقة التبادل التجاري القارية ليسائل الجزائر عن مسؤوليتها التاريخية في غلق الحدود مع المغرب، وفي تجميد اتحاد المغرب العربي. فالنهوض بالتكتلات الجهوية أصبح اليوم ضرورة أفريقية، ولا حل أمام الجزائر التي وقعت على هذه الاتفاقية بجانب الدول الأعضاء الأخرى بالاتحاد، ليبيا وتونس وموريتانيا، إلا أن تتجاوز عقدتها التاريخية إزاء المغرب، وأن تفك رهن الاتحاد المغاربي بحل قضية الصحراء، وأن تعي اليوم أن حل الحدود هو طريق المستقبل، وهو طريق التنمية والنهضة أمام الشعوب المغاربية والأفريقية جمعاء. 

فهل ستستطيعأفريقيا اليوم أن تدخل إلى التاريخ من بابه الواسع، وهي أرض المهد البشري، التي انطلق منها أول إنسان على وجه الأرض يسعى في البناء والرزق؟ هذا الحلم ليس مستحيلا على قارة أصبح اليوم 70 بالمائة من ساكنتها يعيشون في أنظمة ديمقراطية، وتعيش تحولات ثقافية وحضارية عميقة تنذر بمستقبل أفضل لهذه القارة التي بات عليها اليوم لازما أن تعتمد على نفسها بدل أن تنظر إلى الأخرين. وهذا هو صميم المشروع الوطني لبناء مستقبل أفضل لأفريقيا كما عبر عن ذلك النداء الملكي خلال خطاب العودة إلى الاتحاد الأفريقي حين قال " فنحن، شعوب إفريقيا، نتوفر على الوسائل وعلى العبقرية، ونملك القدرة على العمل الجماعي من أجل تحقيق تطلعات شعوبنا."

 

التعليقات

أضف تعليقك