رضا بوكمازي يكتب: هل رئاسة النيابة العامة سلطة دستورية؟!

رضا بوكمازي
قراءة : (180)
الخميس, يوليو 26, 2018 - 14:00
رضا بوكمازي يكتب: هل رئاسة النيابة العامة سلطة دستورية؟!

يتابع الجميع النقاش الدائر حول رئاسة النيابة العامة وعلاقتها بباقي المؤسسات والسلط الدستورية، خاصة بعد تقديم رئيس النيابة العامة تقريرا عن سير أعمالها وتنفيذ السياسة الجنائية خلال ندوة صحفية، وكذا إحالته على المجلس الأعلى للسلطة القضائية والبرلمان.

وسأسعى من خلال هذا المقال إلى الإسهام في قراءة النصوص الدستورية والقانونية، حيث إن الوقوف على وضعية رئاسة النيابة العامة ورصد ما يتعلق  بتدبير انتقالها من التبعية لوزير العدل إلى الوكيل العام للملك لدى محكمة النقض بصفته رئيسا للنيابة العامة، يجعلنا أمام مرحلة تأسيسية تقتضي من كافة الفاعلين الإسهام في تثبيت قواعد وآليات هذا الانتقال، بما لا يتعارض والنصوص الدستورية والقانونية،وبما يسهم في تَشَكُّل علاقات مؤسساتية مبنية على التعاون والتكامل بين السلط دون المس باستقلالية هذه السلطة كما نص على ذلك الدستور المغربي.

وبالرجوع إلى بعض اللقاءات الإعلامية للسيد الوكيل العام للملك لدى محكمة النقض بصفته رئيسا للنيابة العامة، نلاحظ أن هناك رغبة لإعطاء مؤسسة رئاسة النيابة العامة وضعية قانونية ومؤسساتية خاصة ترقى بها إلى مكانة السلطة الدستورية، وهو في تقديري تجاوز للحدود التي سطرتها الوثيقة الدستورية، إضافة للقانونين التنظيميين الخاصين بالمجلس الأعلى للسلطة القضائية والنظام الأساسي للقضاة والتي جعلت منها "سلطة" رئاسية.

 ووجب التذكير في البداية أن الوظيفة أو المهمة القضائية في عمومها، من الناحية الدستورية والقانونية، كانت تمنح للقاضي كامل الاستقلالية في اتخاذ ما يراه مناسبا أثناء نظره في النزاع المعروض عليه قبل أن يرتقي دستور 2011 بهذه الوظيفة إلى موقع السلطة الدستورية ويمنحها استقلالا عن السلطتين التشريعية والتنفيذية، غير أن هذا الانتقال لا يعني أن القضاء خلال مرحلة ما قبل دستور 2011 كان تابعا للسلطة التنفيذية، وإلا سنكون أمام الحاجة إلى مراجعة كل ما بت فيه القضاء المغربي خلال هذه المرحلة بداعي عدم الاستقلالية وتبعيته لسلطة أخرى أثناء قيامه بمهامه القضائية.

ويمكن الوقوف على تموقع رئاسة النيابة ومحددات نشأتها الجديدة من خلال ثلاثة مداخل أساسية:

 أولا: في القول بأن رئاسة النيابة العامة سلطة دستورية:

إن وجهة النظر التي قام عليها القول بأن رئاسة النيابة العامة سلطة دستورية مستقلة، قائمة على كون الفصل 110 من الدستور قد أحدث سلطة دستورية جديدة يتبع لها قضاة النيابة العامة، غير أن هذا  لا يعني، وبمقتضى نفس الفصل، سوى التنصيص على ضرورة تبعية قضاة النيابة العامة لسلطة رئاسية، على خلاف ماهو عليه الأمر بالنسبة لقضاة الأحكام الذين لا يمكن أن يكونوا تابعين لأي سلطة رئاسية على مستوى قيامهم بمهامهم القضائية، ومرد ذلك هو خصوصية عمل قضاة النيابة العامة الذين يعهد إليهم بتنفيذ السياسة الجنائية، فالنيابة العامة في أصلها سلطة اتهام يلتزم قضاتها بتنفيذ التعليمات الكتابية القانونية الصادرة عن سلطتهم الرئاسية المتمثّلة سابقا في وزير العدل بصفته رئيسا للنيابة العامة بمقتضى الفصل 51 من قانون المسطرة الجنائية.

وما يعزز رأيي في كون رئاسة النيابة العامة ليست سلطة دستورية، كما هو الشأن  بالنسبة لباقي السّلط المنصوص عليها دستوريا، هو إجراء مقارنة بسيطة بين نسختي الدستور المغربي العربية والفرنسية، ففي النسخة الفرنسية يتم الحديث عن السلطة التشريعية أو السلطة التنفيذية وكذا السلطة القضائية بمعنى« pouvoir »، على خلاف السلطة التي يتبع لها قضاة النيابة العامة والتي تم وصفها ب « l’autorité hiérarchique » والفرق كبير بين المفهومين، فمفهوم السلطة الرئاسية مفهوم دقيق يحدد العلاقة البينية بين الرئيس والمرؤوس، والتي يدققها الفصل 110 في كونها تنضبط لما هو كتابي وقانوني، على خلاف السلطة الدستورية التي تحوز مجموعة من الامتيازات في علاقتها بباقي السلط والمؤسسات، كما تبرز مظاهر السلطة الرئاسية كذلك من خلال الفصل 116  من الدستور الذي نص على أن "يراعي المجلس الأعلى للسلطة القضائية في القضايا التي تهم قضاة النيابة العامة،تقارير التقييم المقدمة من قبل السلطة التي يتبعون لها".

ثانيا: تبعية النيابة العامة للوكيل العام للملك لدى محكمة النقض اختيار تشريعي وليس دستوري

يذهب البعض إلى القول باستقلال النيابة العامة عن السلطة التنفيذية هو اختيار دستوري جاء به دستور 2011 في سياق تعزيز استقلالية القضاء، وهو ما لا يستقيم في اعتقادي مع ما جاء به دستور 2011 ومع السياق العام الذي واكب إصلاح منظومة العدالة، حيث إنه في البداية وجب التأكيد على أن تبعية النيابة العامة لأي جهة غير سلطة تندرج ضمن سلك القضاء لا يعد بالضرورة  مدخلا للقول بعدم استقلال السلطة القضائية، وإلا والحالة هذه، فكيف سنفسر تبعية النيابة العامة أو المدعي العام في الكثير من الأنظمة القانونية الأخرى للسلطة التنفيذية أو حتى انتخابه من قبل البرلمان، ومرد ذلك يرجع بالأساس -كما سبقت الإشارة إلى ذلك- إلى طبيعة مهام ووظائف النيابة العامة وعلى رأسها أنها سلطة اتهام يعهد إليها بتنفيذ السياسة الجنائية.

ومن جهة أخرى ميز دستور 2011 بين قضاة الأحكام وقضاة النيابة العامة، الذين يتبعون لسلطة رئاسية لم يحددها الدستور وترك للمشرع سلطة تقدير من هي هذه السلطة الرئاسية، ورغم أن المجلس الدستوري في قراره رقم 992 وتحديدا ما يخص رقابته لمدى دستورية المادة 25 من القانون التنظيمي رقم 103.14 المتعلق بالنظام الأساسي للقضاة، قد اعتبر أن النيابة العامة لا يمكن أن تكون تابعة لأي جهة غير الجهة القضائية، مستندا في ذلك على اشتراك قضاة النيابة العامة وقضاة الأحكام في صفة القاضي، وجعل هذه الصفة هي المحدد في طبيعة السلطة الرئاسية التي يتبع لها قضاة النيابة العامة عِوَض اللجوء إلى طبيعة المهام المسندة إلى  قضاة الأحكام وقضاة النيابة العامة ومدى تأثير هذه الجهة على استقلال القضاء، خاصة وأن الفصل 116  من الدستور قد اشترط شرطين أساسيين فقط في علاقة السلطة الرئاسية للنيابة العامة بقضاة النيابة العامة وهما أن تكون تعليمات السلطة الرئاسية تعليمات كتابية، وقانونية، وهذا جوهر طبيعة العلاقة الدستورية التي تربط بين رئاسة النيابة العامة وقضاة النيابة العامة، وعليه يكون اختيار الوكيل العام للملك لدى محكمة النقض ليكون رئيسا للنيابة العامة اختيارا  من بين الاختيارات التشريعية التي كانت مطروحة على المشرع.

وما يعزز هذا الطرح في نظري هو الفصل 54 من الدستور الذي نص على إحداث مجلس أعلى للأمن والذي ضم في عضويته وزير العدل، وهنا يطرح السؤال عن الصفة التي سيكتسب بها وزير العدل عضويته في هذا المجلس من غير إمكانية إشرافه على مؤسسة الاتهام وأساسا إمكانية رئاسته للنيابة العامة، وإلا ما جدوى عضوية وزير مشرف على الإدارة في مجلس ذي طبيعة وصلاحيات تهم الأمن الداخلي والخارجي للبلاد .

 كما أن تحديد السلطة الرئاسية للنيابة العامة في شخص الوكيل العام للملك لدى محكمة النقض جاء بمقتضى المواد المدرجة ضمن القوانين التنظيمية المتعلقة بالمجلس الأعلى للسلطة القضائية والنظام الأساسي للقضاة، وقد كان هذا نتاج حوار وطني حول منظومة العدالة، كواحد من الخيارات التي كانت مطروحة حول موضوع تبعية النيابة العامة للسلطة التنفيذية في شخص وزير العدل، وإلا فما الداعي إلى مدارسة تبعية النيابة العامة خلال هذا الحوار الوطني.

ثالثا: في طبيعة العلاقة بين رئاسة النيابة العامة والسلطة التشريعية والتنفيذية.  

حدد القانون التنظيمي 100.14 المتعلق بالمجلس الأعلى للسلطة القضائية مستويين من العلاقة بين السلطة القضائية والسلطتين التنفيذية والتشريعية، حيث نصت المادة 54 من القانون التنظيمي على إحداث هيئة مشتركة بين المجلس والوزارة المكلفة بالعدل تتولى التنسيق في مجال الإدارة القضائية، تعمل تحت إشراف كل من الرئيس المنتدب للمجلس والوزير المكلف بالعدل، كل فيما يخصه، بما لا يتنافى واستقلال السلطة القضائية، وهو ما أقره المجلس الدستوري من خلال قراره رقم 991 حيث ورد فيه، "وحيث إن النظام الدستوري للمملكة لا يقوم فحسب على أساس فصل السلط، بل ينبني أيضا على توازن هذه السلط وتعاونها، طبقا لما نص عليه الدستور في الفقرة الثانية من فصله الأول؛ وحيث إن مبدأ التعاون بين السلط يقتضي، عند الحاجة، إقامة علاقات تنسيق بينها قصد تحقيق غايات مشتركة، من خلال تسهيل كل سلطة لممارسة السلطة الأخرى لوظائفها خدمة للصالح العام؛ وحيث إن حسن تدبير الإدارة القضائية يندرج في الصالح العام؛ وحيث إنه تأسيسا على ما سبق بيانه، فإن ما تنص عليه هذه الفقرة من إقامة هيئة مشتركة بين المجلس الأعلى للسلطة القضائية والوزارة المكلفة بالعدل تتولى التنسيق في مجال الإدارة القضائية، موافق للدستور".

كما نصت نفس المادة على إمكانية حضور الوزير المكلف بالعدل اجتماعات المجلس قصد تقديم بيانات ومعلومات تتعلق بالإدارة القضائية أو أي موضوع يتعلق بسير مرفق العدالة، بما لا يتنافى واستقلال السلطة القضائية، سواء كان ذلك بطلب من المجلس أو من الوزير  بعد موافقة المجلس، وهو ما اعتبره المجلس الدستوري غير مخالف للدستور، مرتكزا في ذلك على الفصل الأول من الدستور الذي جعل النظام الدستوري قائما في نفس الوقت على فصل السلط وكذا تعاونها، بيد أنه على مستوى علاقة رئاسة النيابة العامة بالسلطة التشريعة، أقر القانون التنظيمي من خلال المادة 110 أوجه العلاقة في عرض ومناقشة اللجنتين المكلفتين بالتشريع بالبرلمان تقرير وكيل الملك لدى محكمة النقض بصفته رئيسا للنيابة العامة، والذي يهم تنفيذ السياسة الجنائية وسير النيابة العامة، على اعتبار أن البرلمان اختص بصياغة السياسة الجنائية، فيما يعهد بتنفيذها للنيابة العامة من خلال التعليمات الكتابية والقانونية الصادرة عن رئيسها.

إلا أن قرار المجلس الدستوري رقم 991، فيما يتعلق بدستورية هذه المادة ووفق القراءة الضيقة للقرار الدستوري 991، قد يكون حد نوعا ما من إمكانية قيام علاقة التعاون بين السلطة التشريعية والنيابة العامة باعتبارها الجهة المختصة بتنفيذ السياسة الجنائية داخل السلطة القضائية، حيث ربط دستورية المادة بكونها لا تشترط عرض وحضور رئيس النيابة العامة أثناء مناقشة تقرير رئاسة النيابة العامة، أي أنه بمفهوم المخالفة، اشتراط عرض وحضور رئيس النيابة العامة لتقريره حول تنفيذ السياسة الجنائية وسير النيابة العامة يجعل المادة مشوبة بعدم الدستورية.

غير أن عدم تصريح القرار الدستوري 991 بشكل مباشر وواضح على كون عرض وحضور رئيس النيابة العامة يعد مخالفا للدستور، يطرح تساؤلا كبيرا حول جوهر افتراض مخالفة المادة 110 للدستور؛ هل في اشتراط العرض والحضور، أم في عرض التقرير والحضور لمناقشته في حد ذاته.

كما أن القرار الدستوري رقم 991 وهو يحدد شكل الرقابة على رئاسة النيابة العامة، تطبيقا للمبدأ الدستوري القاضي بربط المسؤولية بالمحاسبة، قضى بأنه " لئن كانت الجهة القضائية التي تتولى رئاسة النيابة العامة، تظل – وفقا للمبدأ الدستوري القاضي بربط المسؤولية بالمحاسبة – مسؤولة عن كيفية تنفيذها للسياسة الجنائية الموضوعة من قبل السلطة الدستورية المختصة، فإن إعمال هذا المبدأ لا يمكن أن يتم، فيما يخص السلطة القضائية المستقلة عن السلطتين التشريعية والتنفيذية، بنفس الكيفية وبذات الأدوات التي يتم بها في مجالات أخرى، بالنظر لطبيعة السلطة القضائية واستقلالها وآليات اشتغالها والسبل المقررة لتصحيح أخطاء أعضائها؛"، وهو ما يفيد أن رئاسة النيابة العامة لا يمكن أن تخضع لنفس الكيفية وذات الأدوات التي تتم بها الرقابة على سلط ومجالات أخرى، لطبيعة وخصوصية السلطة القضائية، إلا أن جوهر الإشكال يتعلق بكون القراءة الضيقة لمفهوم عرض وحضور رئيس النيابة العامة، والذي في أصله يجب أن لا يتجاوز المبدأ الدستوري القاضي بالتعاون بين السلط (سلطة تختص بصياغة السياسة الجنائية، وسلطة رئاسية تختص بإصدار التعليمات الكتابية القانونية قصد تنفيذ  السياسة الجنائية) وأن لا ينصرف إلى منطق الرقابة البرلمانية على السلطة القضائية، والتي تفترض وجود أثار قانونية أخرى لا يمكن تصورها في هذا الباب.

ومناط الغرابة كذلك هو اعتماد قرائتين متناقضتين للمبدأ الدستوري القاضي بالتعاون بين السلط في نفس القرار الدستوري، حيث أكد في جزئه الأول المتعلق بالعلاقة مع السلطة التنفيذية على دستورية خلق آليات التعاون معها وفق ما نصت عليه المادة 54 من القانون التنظيمي، واعتبر في جزئه  الثاني اشتراط العرض والحضور من قبل رئيس النيابة العامة مخالف للدستور، وإن كنت أميل إلى القول أن قرار المجلس الدستوري اعتبر أن الاشتراط هو الذي قد يجعل من المادة 110 من القانون التنظيمي مخالفا للدستور، لما له من تدخل مباشر في حرية جزء من  السلطة القضائية، والذي قد يكون ماسا باستقلالها، أما أن يكون الحضور والمساهمة في مناقشة تقرير سير النيابة العامة وتنفيذ السياسة الجنائية عائدا للإرادة المنفردة لرئاسة النيابة العامة، أو بناء على طلب تتقدم به السلطة التشريعية،  فهذا لا يمس بأي شكل من الأشكال - مادام لا يرتب أي أثار قانونية- عمل رئاسة النيابة العامة وقيامها بأدوارها في إصدار التعليمات الكتابية والقانونية لقضاة النيابة العامة، بقدر ما يسهم في تطوير السياسة الجنائية وتعديلها على مستوى النص التشريعي، وتجاوز الاشكالات التي تعترضها على مستوى التنفيذ.

التعليقات

أضف تعليقك