عبد النبي أبو العرب: التحديات الاقتصادية الكبرى للمملكة سنة 2019

عبد النبي أبو العرب
الاثنين, يناير 28, 2019 - 16:30
عبد النبي أبو العرب: التحديات الاقتصادية الكبرى للمملكة سنة 2019

تعتبر 2019 سنة مفصلية في مسلسل تشخيص الأزمة – تحديد الأسباب – ابتكار الحلول – التفعيل والتنزيل الذي بدأه المغرب بعد الهزات الاجتماعية التي تخللت سنتي 2016 و2017، وحملة المقاطعة الاقتصادية لبعض الشركات المؤثرة في سوق المواد الأساسية، والتي طرحت أسئلة حقيقية حول نجاعة النموذج الاقتصادي الوطني وعدالته، هذا من جهة. ومن جهة أخرى، مع توالي الدراسات التي تبرز استمرار عجز النموذج التنموي الوطني عن الاستجابة للمتطلبات الاجتماعية للمغاربة حيث لا يلتقي النمو والاستثمار مع خلق مناصب الشغل وحيث التعليم وخدمات الصحة لا يزالا في حالة إلى مجهودات كبيرة، خاصة في ظل حملات التشويش على الأداء الحكومي، والتي تعمل على نشر جو تشاؤمي وسلبي وسط المواطنين، وتبغي نسج الضبابية في الأفق السياسي والاصلاحي للمملكة.

وأمام المخاطر التي تشكلها هذه المعطيات، ترسخت قناعة سياسية عليا حول الطابع الاستعجالي للإصلاحات التي يجب اتخادها حتى تتمكن البلاد من تفادي أية هزات اجتماعية مقبلة، وقد عبرت عن هذه القناعة أعلى سلطة في البلاد وبشكل واضح عندما أعلن الملك ضرورة إصلاح النموذج التنموي المغربي، "الذي بلغ مداه"، ورسم أفقا قريبا جدا لتقديم تصور متكامل حول إصلاحه، وهو أفق يدل على حالة الاحتشاد القصوى التي انخرط فيها المغرب بكل مؤسساته للخروج منتصرا أمام هذه التحديات المفصلية، والتي ستخلص لا بد إلى إصلاحات كبيرة وعميقة ستمكن من وضع البلاد بشكل نهائي على سكة الدول الصاعدة.

من هنا نخلص إلى أولى التحديات الكبيرة أمام المملكة خلال سنة 2019، وهي ذو طابع شمولي، وتتمثل في صياغة نموذج تنموي جديد يمكن من انخراط الجميع في دينامية البناء والإنتاج، ويضمن لكل واحد حقه ونصيبه في العمل والثروة.

أما التحدي الثاني، وهو رديف الأول وشرطه، فيتعلق بتفعيل إصلاح الإدارة، وهو الإصلاح الذي يهم الماكينة العملية والتنفيذية للدولة، وذلك عبر كل مراحل هرمها المؤسساتي عموديا وأفقيا. الأمر بسيط، يجب على الإدارة ان تفهم شيئا واحداً وأساسياً، وهو أن واجبها هو خدمة المجتمع والتفاني في ذلك بكل الإمكانات والوسائل. وتبعا لذلك، يجب أن يترسخ في عقيدة وسلوك كل من يتحمل مسؤولية إدارية ان دوره هو الاجتهاد في خدمة الناس وليس في ِخدمة نفسه، وأنه لا يحق له أن يحول وسائل الإدارة ومواردها إلى ممتلكات شخصية، يعمل فيها حسب هواه وقت ما شاء كيفما شاء، أو قد يتاجر بخدماتها ويأخذ عليها إتاوات ومقابلا كأنه يبيع للمواطنين منتجا من منتجاته في السوق.

إن الإدارة اليوم أصبحت كالجسد المريض، تعيق حركة البلاد وطموحها في التحول المنشود الذي يريده المغاربة ملكا وشعبا في الالتحاق بمصاف الدول الصاعدة. وإذا كان لا يمكن التبخيس من المجهودات الكبيرة المبذولة في هذا المجال، بدءا بالترسانة القانونية التي يتم تحديثها، (كان أخر إجراءاتها المتخذة مرسوم اللاتمركز الإداري الذي تم إصداره وقانون المراكز الجهوية للاستثمار الذي سيخرج من قبة البرلمان قريبا)، فإن المسيرة لازالت طويلة أمام إصلاح الإدارة، خاصة في تجاه ثلاثة مقومات: الإحسان في الاستقبال والمعاملة، السرعة والفعالية في الأداء، الإبداع في الحلول والأفاق.

أما التحدي الثالث فهو التوجه الاجتماعي للدولة كالتزام وتوجه استراتيجي راسخ، أن تكون أداة لتوزيع الثروة وبناء العدالة الاجتماعية بين أبنائها، أغنيائها ومعوزيها، ضعفائها وأقويائها، المرضى منهم والأصحاء، من يعمل منهم ومن هو في عطالة... فاليوم يبلغ مجموع النفقات الاجتماعية الصافية لقانون المالية لسنة 2019 حوالي 8 مليار درهم، وهو مبلغ، وإن كان كبيرا مقارنة ما كانت تنفقه الدولة سابقا، يبقى محدودا، حيث يشير إلى أن الدولة لا تنفق الا ما يقارب 2,3% من مواردها على طبقاتها الفقيرة، والتي تفوق ال12 مليون مواطن مغربي. وهي أرقام تدل على المجهودات الاضافية الكبيرة التي يجب على الدولة أن تقوم بها في اتجاه الطبقات الهشة والمعوزة من طلبة وعجزة وأرامل وفقراء وأطفال ومرضى وغيرهم، حتى يستفيدوا من عائدات التنمية في بلدهم.

في هذا الإطار، من الاوراش الاجتماعية الكبرى التي يجب التقدم فيها على الخصوص خلال 2019 هو مجال الاقتصاد التضامني، وخاصة في القطاع الفلاحي الذي يعرف أحد أعلى مستويات الهشاشة، إذ تشكل الضيعات الفلاحية التي تقل مساحتها عن هكتارين حوالي 70% من العقار الفلاحي، وهو ما يبقى ورش التحول التضامني مفتوحا في هذا القطاع، إنتاجا وتحويلا وتسويقا، داخليا وخارجيا. وقس على ذلك في قطاعات مهنية أخرى هامة، خاصة قطاعات الصناعات التقليدية، والصيد البحري، والتي تحتاج إلى تدخل الدولة لضمان حقوق المنتجين والمستهلكين على حد سواء.

إن 2019 ستكون سنة مفصلية في اتجاه التفوق على عمليات التيئيس المنظمة، التي تريد نخر معنويات المواطنين، وهزم تطلعات الأمل في الإصلاح والتغيير بينهم، وهو ما يجب التصدي له بقوة، مع الرهان على ربح الإرهاصات الكبرى للإصلاح بما سيعيد الأمل والحيوية والثقة في المستقبل لكل القوى الحية في هذه البلاد. والجميع مطالب في هذا الاتجاه، إدارة ومسؤولين، شركات ومستثمرين، مواطنين وفاعلين، بالإسهام في مسلسل الإصلاح والتغيير، الذي يبقى السبيل الوحيد للتغلب على العقبات والأخطار التي تتهدد تنمية البلاد وتقدمها واستقرارها.

 

التعليقات

أضف تعليقك