محمد عصام يكتب:حامي الدين مرة أخرى

محمد عصام
الثلاثاء, ديسمبر 18, 2018 - 17:00
محمد عصام يكتب:حامي الدين مرة أخرى

فضلت أن لا اتفاعل مع واقعة تحريك المتابعة من طرف قاضي التحقيق في حق القيادي في حزب العدالة والتنمية والحقوقي والاكاديمي الدكتور عبد العالي حامي الدين، ليس لأني أعيش مرحلة " برود" في الكتابة أو أني اجتاز مفازة "إمساك كتابي" في ظل تعاسة فائضة تنعش العزوف عن كل شيء بما فيه الكتابة ذاتها، ولكن تريثا حتى تتضح معالم "ما وراء هذه الواقعة" وينضح عن مقترفيها ومن يخدمهم بالوكالة أو بالتبع وبهما معا، ما يكشف حقيقة هذه الحركة إن لم أقل المغامرة والمقامرة بالأمن والاستقرار القضائي للبلد والزج بالقضاء في أتون صراعات وحسابات هو معفي منها بحكم طبيعته والوظائف الملقاة عليه كمؤسسة قائمة الذات مستقلة القرار والاداء. 

وعليه فإني لن أدخل في التفاصيل القانونية والدستورية ولا القواعد الدولية، التي تبين شرود تلك الإحالة، أولا لأني لست من أهل الاختصاص، ثم ثانيا لأن أهل الدار والغيارى على الأمن القضائي بهذا البلد من كل الاتجهات، كفوني بما لا مزيد عليه مؤنة الجراءة على الخوض في هذا الحقل، المحفوظ لأهله وذويه، لكني سأكتفي بعنوان واحد في هذا الباب، أظنه يلم شعث التفاصيل تحته، وينتظمها في وزان واحد، ذلك أن الأمر لا يتعلق بإجراءات حادت عن جادة القانون وتنكبت مساطره بما يمكن مناقشته في الشكل و المضمون، ولكن يتعلق الأمر بالمساس بقواعد أساسية، يعتبر المس بها نقضا لكل بنيان العدالة ومن الأساس، فتعطيل مبدأ سبقية الأحكام، وإفراغ حيازة الأحكام من قوة الشيء المقضي به، وعدم احترام المراكز القانونية، لايمكن اعتباره الا من باب التي نقضت غزلها من بعد قوة أنكاثا. 

لكن الذي يهمني أكثر هو ما كشفت عنه الأيام الثلاث الماضية بعد خروج خبر قرار قاضي التحقيق للتداول العام، حيث بدأ المستثمرون في صنعة البؤس على عادتهم القديمة، يتيقيأون تباعا ما تخفيه سرائرهم من سَبْق الكيد، وكِبْر المؤامرة، فبدأنا نقرأ في الجرائد إياها وفي الصفحات الاولى، أخبارا وتحليلات من جنس التنجيم وقراءة الفناجين، فهذا يتوهم عصيانا داخل العدالة والتنمية وتحديدا داخل قمرة قيادتها، يقوده فلان أوعلان على خلفية اصطفافات موهومة، وذاك يذرف دمعا بهتانا وإفكا، يتصنع دور المتضامن مع سعد الدين العثماني الذي تتناوشه سهام رفاقه الغاضبة المنحازة لحامي الدين، وآخر يجنح به الخيال فيصنع وهما يصدقه من قبيل اختراع أصوات  للخروج من الحكومة  احتجاجا، وهلم إفكا وافتراءً. 

وبذلك يكشف القوم أن الحجرة الضخمة التي تم إلقاؤها في بركة السياسة، العبرة فيها بما ستخلف ارتداداتُها داخل حزب العدالة والتنمية، وهي على كل حال استمرار لاستراتيجية وضعت بإحكام منذ أمد، تتغيى إنهاك هذا المارد الذي هزم كل أساليب التحجيم والتطويع المعتادة، بإشغاله بذاته، وزرع أخاديد البعاد والصدام في صفوفه، ولسنا في حاجة الى التذكير الى عشرات الوقائع التي تؤشر على صحة هذه القناعة ، فكثرتها ووضوحها يرفعها إلى درجة المعلوم في السياسة بالضرورة، فالقوم يستثمرون ولا يكلون في خلق واقع تتمنتاه نفوسهم المسكونة بحسابات السياسية في أضيق تجلياتها وأحط صورها.

 الخط الموازي في نفس الاستراتيجة، يكمن في استدراج العدالة والتنمية إلى حقل الدفاع عن النفس بدل الهجوم الذي يمثل سلاحا حاسما، تفطن القوم بعد انصرام ولاية حكومية واحدة بالتمام والكمال، وبداية ولاية ثانية، أن تجريده من هذا السلاح والزج به في منطقة الدفاع بدل الهجوم، سيلجم قدراته ويستنزفها بعيدا عن الحقل الذي يوجع القوم ويكلفهم كثيراً، خصوصا أنهم من النوع الذي  يقول فيهم المثل المغربي الباذخ " فين ما ضربت الصلع يسيل الدم". ولعلنا نتذكر في هذا السياق كيف تم تحويل حملة مقاطعة منتوجات معينة، إلى حملة تستهدف العدالة والتنمية بعد أن كان الحزب متهما من نفس الجهات، بأنه من كان وراء إطلاقها، وبالتالي وضعه في مواجهة مكشوفة مع الشعب الذي احتضن فكرة المقاطعة وانخرط فيها بشكل غير مسبوق. 

ثالثة الاتافي في هذه الاستراتيجية، تكمن في خلق الوقيعة بين العدالة والتنمية ومؤسسات هذا البلد،واصطناع صورة للعدالة والتنمية تجعله في مواجهة مع القضاء، ودفع أطراف داخل هذا الأخير  لانتاج ردود فعل على بلاغ الامانة العامة وتصريح  وزير الدولة المصطفى الرميد وعموم الهبة  الطبيعية التي انتابت كل الجسم الحزبي، في إطار الحق الطبيعي والعادي في التعليق على قرارات ليست بالضرورة مقدسة أو غير قابلة للنقاش، بما لا يمكن اعتباره بأي حال من الاحول تدخلا في القضاء أو محاولة للتأثير عليه. 

أسلوب الوشاية وخلق الوقيعة تم تجريبه على مراحل في مواجهة العدالة والتنمية،  ويزداد الطلب عليه باختلاف المراحل لأنه يحقق هدف شيطنة الحزب، وخلق اصطفافات لعزله، فليس غريبا أن يمتد هذا الأسلوب  إلى المؤسسة الملكية ذاتها، وكل فئات الشعب المغربي وتموقعاتهم وانتماءاتهم الاجتماعية والسياسية والاقتصادية. 

لكن الذي لم يكن في حسبان هؤلاء، أن هذا الحزب تقوي عوده الضربات، وتمحص معدنه الابتلاءات، وتذوب الاستهدافات ما يمكن أن ينشأ داخله من اختلافات، ولعل في الهبة التي عاشها الحزب هذه الأيام واكتسحت مفاصله طولا وعرضا، لا يمكن قراءتها إلا في الاطار، ولكن بوزان أن الاستهداف في هذه المحطة يتخطى الحزب كما يتخطى الأخ عبد العالي حامي الدين ليمتد للعبث بالامن القضائي للبلد والزج بالقضاء في حسابات سياسية ضيقة. 

أما عن اختيار حامي الدين تحديدا، فليس عبثا أو صدفة قذفت به الاقدار إلى يد القوم، ذلك أن الاخ عبد العالي كان دوما هدفا لسهامهم، بحكم موقعه القيادي في الحزب، وبحكم مساره الذي جمع بين الخلفية الحقوقية من جهة والعمق الاكاديمي مع الأداء السياسي المتميز ،  واذا أضفنا على كل ذلك محاولة البعض الاصطياد في المنطقة الرمادية التي " تخلقت" من رحم الأزمة الداخلية التي عاشها الحزب على خلفية وقائع ماقبل وبعد المؤتمر الوطني الثامن وإعفاء الاستاذ عبد الإله ابن كيران الامين العام السابق من مهمة تشكيل الحكومة ورئاستها، وهو الأمر الذي بدده انخراط الحزب في دينامية الحوار الداخلي وحامي الدين وبقية رفاقه جزء مهم داخل فعالياتها، كما بددته ردة الفعل القوية والسريعة للاستاذ المصطفى الرميد وزير الدولة.

التعليقات

أضف تعليقك