2018..في الحاجة إلى تبني نموذج اقتصادي وطني مغربي-مغربي بديل

نوفل الناصري
قراءة : (102)
الاثنين, يناير 1, 2018 - 10:00
2018..في الحاجة إلى تبني نموذج اقتصادي وطني مغربي-مغربي بديل

أكدت الاحتجاجات الاجتماعية التي عرفها المغرب في السنة الماضية أن نموذجنا التنموي الوطني (ليس هناك معيار عالمي موحد للنموذج التنموي، ولكن هناك خيارات كبرى، تحدد طرق خلق الثروة ووسائل توزيعها حسب حاجيات المواطنين) يحمل في أحشائه بذور الانتفاضات والتقاطبات الاجتماعية بفعل طابعه الاقصائي، وهنا نتحدث عن العدالة المجالية والتوزيع العادل للثروة الوطنية، وقد سبق للملك محمد السادس أن طرح سؤالا جوهريا مباشر حول “أين هي الثروة”؟ وهل استفاد المغاربة جميعا؟، وعاد وأكد جلالته مرة أخرى على هذا الامر في خطاب الدخول التشريعي لهذه السنة، بقوله "أن نموذجنا التنموي أصبح اليوم، غير قادر على الاستجابة للمطالب الملحة والحاجيات المتزايدة للمواطنين، وغير قادر على الحد من الفوارق بين الفئات، ومن التفاوتات المجالية، وعلى تحقيق العدالة الاجتماعية”.

هذه الخلاصات، تُؤكد صوابية الالتزامات الحكومية الرامية إلى تعزيز التنمية البشرية والتماسك الاجتماعي والذي أكدت عليه في برنامج عملها، وتُفسر كذلك المنطلق الذي جاء به مشروع قانون المالية لسنة 2018 بطابعه الاجتماعي الواضح والصريح، وذلك من خلال إعطاء الأولوية لدعم القطاعات الاجتماعية وخاصة التعليم والصحة والتشغيل وتقديم الدعم للفئات الاجتماعية الفقيرة والهشة وتقليص الفوارق المجالية، وخصوصا في العالم القروي.

رغم كل هذا وذاك، ما زال الخصاص كبيرا، وما زالت المطالب الاجتماعية والاقتصادية للمغاربة تزداد يوما بعد يوم، وصار لزاما على الجميع (الحكومة والبرلمان والاحزاب السياسية والفاعلين المجتمعيين والمؤسسات المعنية) بلورة وتبني نموذج اقتصادي وطني مغربي-مغربي بديل يَتمحور حول الديمقراطية التنموية والعدالة الاجتماعية والمجالية ويُساهم في معالجة نواقص النموذج التنموي الوطني، ويقاوم الإكراهات الاقتصادية والتحديات المجتمعية للمملكة. وهنا نُنوه بما يقوم به رئيس الحكومة الدكتور سعد الدين العثماني، والمقاربة التشاركية التي يعتمدها من أجل إيجاد حلول مُتفق عليها للإشكاليات التي يعرفها نموذجنا التنموي.

وبمناسبة دخول السنة الميلادية الجديدة (والمناسبة شرط)، نعرض في هذا المقال أهم الاكراهات والتحديات الاقتصادية والمالية التي تنتظر الحكومة والبرلمان والفاعلين السياسيين والمتخصصين الاقتصاديين؛ وهي مبسوطة في النقاط الثمانية التالية: 

  1. إعداد وتبني نموذج اقتصادي وطني (مغربي-مغربي) بديل، يساهم في المرحلة الاولية إيجاد حلول، وبرنامج عمل لمعالجة أبرز ثلاث اختلالات اقتصادية يعرفها نموذجنا التنموي الوطني وهي اشكالية:
    • النمو الاقتصادي الذي لا يعرف منحى تصاعديًا ثابتًا كما هو الحال بالنسبة للدول الصاعدة، وإنما هو نمو متقلب بسبب اعتماد المغرب بشكل كبير على قطاع الفلاحة المرهون بنسبة تساقط الأمطار، واعتماده أيضًا على عدد محدود من القطاعات من أجل تحقيق التنمية الاقتصادية والمتمثلة في الفلاحة والتجارة والخدمات والعقارات
    • تراجع مستمر في مردودية الاستثمارات العمومية، ووقعها على وتيرة النمو، فعلى الرغم من أن المغرب يحقق معدل استثمار يعد من بين أعلى المعدلات في العالم (34 في المائة من الناتج الداخلي) يظل معدل النمو دون المتوقع، كما أن حجم هذا الاستثمار لا يؤثر في التحول الهيكلي للاقتصاد الذي يبقى بطيئًا،
    • ضعف تنافسية وإنتاجية الاقتصاد المغربي، النسبة بين بين الحد الادنى للأجور مقسومة على القيمة المضافة لليد العاملة وصل إلى 0,8 ٪ في المغرب مقابل 0,2 ٪ بالنسبة لتونس (تضاعفنا أربع مرات)
  2. إنجاح الاتفاقيات الاستثمارية التي أبرمها المغرب مع الدول الافريقية في شتى المجالات، والتي وجب تتبع مسار تنفيذها بعناية خاصة لأن الديبلوماسية الملكية الجديدة جعلت من سياسة بلادنا الاقتصادية في افريقيا وسيلة مفصلية لحل مشكل وحدتنا الترابية لصالح المملكة المغربية
  3. بعد الموافقة على الانضمام النهائي للمملكة إلى المجموعة الاقتصادية لدول غرب إفريقيا سيدياو في سنة 2018، ستكون التحديات مرتبطة أساسا بحرية تنقل الأشخاص والممتلكات وحق الإقامة، والعملة الموحدة، والتعريفة الخارجية المشتركة لسيدياو، إضافة إلى الجوانب التقنية للعلاقات بين المغرب والدول الأعضاء المتعلقة بتيسير تنسيق السياسات النقدية بينهم؛
  4. تحدي المحافظة على عافية المالية العمومية واستقرار الاطار الماكرو اقتصادي للبلاد، مع التركيز على ضبط المديونية لكي تستطيع الحكومة تعبئة موارد مالية إضافية ومتجددة والدفع بالإصلاحات الضريبية إلى مداها من أجل أن تستجيب لتطور نفقات الدولة، وتقليص نسبة ووتيرة مؤشر المديونية.
  5. تحدي مواصلة دعم المقاولات الصغيرة والمتوسطة وحماية المقاولات الصغيرة جدا، والتي عانت من بلوكاج السنة الماضية وعرفت العديد منها الافلاس وعدم القدرة على مسايرة التحولات الاقتصادية الوطنية، ولعل مواصلة تحسين مناخ الاعمال، والاشتغال في سنة 2018 على النقطتين التاليتين:
    • المصادقة على الإطار القانوني المتعلق بالضمانات المنقولة، والذي سيمكن من تحسين ترتيب المغرب في مؤشر الحصول على التمويل الذي تحتل فيه المملكة المرتبة 105 عالميا في مؤشر doing business؛
    • إصلاح الكتاب الخامس لمدونة التجارة المتعلق بالمقاولات في وضعية صعبة؛ وهو ما من شأنه تحسين ترتيب البلاد في مؤشر صعوبة المقاولة الذي تحتل فيه  المملكة مرتبة متأخرة (المرتبة 134 عالميا) في نفس المؤشر.
  6. إنجاح ورش الانتقال من سعر الصرف الثابت للدهم إلى التحرير المرن له، خصوصا وأن التحولات المالية العالمية والسياسة النقدية الدولية تتنبأ بأزمات مالية متوقعة بسبب الاجواء الجيوسياسية المتأزمة التي يعرفها العالم والتوجه نحو الحمائية في السياسات الاقتصادية لغالبية الدول، وعلى رأسهم الولايات المتحدة الامريكية، والمهم ينبغي على الحكومة إطلاق هذا الورش مع تحدي ضبط الممارسات المخلة بهذه العملية والمضاربات التي لم تساعد على بداية هذا الورش في يوليوز الماضي؛
  7. ضبط نفقات صندوق المقاصة مع تحدي الحفاظ على القدرة الشرائية للمواطنين، وعدم تجاوز كلفة منظومة الدعم المرصودة في قانون مالية 2018، خصوصا وأن غاز البوتان يعرف ارتفاع كبير مقارنة مع فرضيات قانون المالية؛
  8. تحدي إطلاق العمل الفعلي والعملي بأساليب التمويل التشاركي التي مازال المغاربة ينتظرون خروجها، مع تحقيق شروط المنافسة الشريفة بينهم وبين الابناك التقليدية (الحياد الضريبي )، بالإضافة إلىإخراج قانون التأمين التكافلي وباقي الصيغ التمويلية الاخرى الكفيلة بمساعدة المقاولات والمقاولين الذاتيين (المضاربة والمشاركة)، والفلاحين والصناع والعمال (السلم والاستصناع)...

التحدي الجوهري والكبير والذي سيواجهه المغاربة جميعا كل سنة، يتجلى أساسا في تعزيز الديمقراطية وإرادة الاصلاح، وفي ضرورة جعل العنصر البشري الرهان الأساسي للتنمية الاقتصادية والاجتماعية، وضرورة وضع حاجيات المواطن المغربي في صلب جميع السياسات العمومية والمخططات الاستراتيجية.

   

التعليقات

أضف تعليقك