رحموني يكتب: إعادة تعريف المصلحة العليا للوطن:

قراءة : (295)

بين استحقاق توضيح بوصلة السير، وحاجة السياسة إلى السمو الأخلاقي في الممارسة


خالد رحموني
كما هي حاجة الممارسة الإصلاحية إلى نظرية عامة في الفعل الإصلاحي ، فكذلك وبنفس الدرجة هي حاجة الممارسة والنضال السياسيين إلى الركون لمرجع قيمي في الاصلاح السياسي ومنظور مبدئي ضابط  لفعاليته  .


إنه من المتوقع - للأسف - في مراحل ما بعد الرجات الثورية التي عصفت على عالمنا العربي،وموجة الربيع الديمقراطي  التي شملت أوطاننا الجريحة والكسيحة، أو الهزات الاجتماعية والسياسية العنيفة التي طالت العباد والبلاد، والمفضية حتما الى احداث تفكك في بنيان أنظمة الجور السياسي المعمرة طويلا ، وانجاز تحول داخل الجدار المنيعة للانماط الاستبدادية في تدبير الدول، و المؤذنة قطعا الى مراجعة أسلوب التدبير داخلها ونمط التحكم المستوطن داخل أحشاء الانظمة السياسية التسلطية تلك، من المتوقع في هذه المراحل بالذات أن تعاني كل تلك الدول والانماط السياسية من حالات افتراق على المباديء الوطنية العامة وتصور شبه موحدة حول المصالح الوطنية المركزية (ربما يكون الخلاف حول الأولويات والاستراتيجيات ودرجة الانحياز طبيعية) وغياب آلية واضحة لتحقيق التوافق الوطني والرضى النخبوي التام على مستوى التنفيذ والتشريع والرقابة والمسؤولية العمومية .


حالة الافتراق تلك – بين المبادئ والمصالح- تعوّق كل شيء تقريبا : التحول الديمقراطي نفسه، واستكمال البناء المؤسساتي للدولة، وحسم ملفات العلاقة مع المؤسسات الدستورية والدولتية والدينية والترابية والحزبية والادارية  والأمنية، وظهور ما يشبه اجماع داخلي يضبط التوازنات الكبرى للدولة والجماعة السياسية الوطنية برمتها بحسبانها استراتيجية شاملة لانتظام الاستقرار الوطني الكلي ، مع الحرص من طرف مكونات وبنيات النظام السياسي القائم على نهج سياسة تدخلية ضابطة -داخلية وخارجية- تكون فيها درجة عالية من التكامل والتوازن والنضج والاستمرارية.


والحالة هاته قد تمنع لبرهة مقدرة من الزمن القدرة على التمييز: بين الدولة والحكومة، وبين العقد الاجتماعي ممثلا في الدستور والتشريعات القانونية والقوانين التنظيمية والعادية ، ولا يعطي هؤلاء الخبراء لتلك العوامل دورها في الحجية وطريقة الإخراج ومتطلبات القبول المجتمعي وضرورات التحصين النهائي للانتقال ، وبين الشق المهني التدبيري الكامن في دولاب بيروقراطية الدولة والذي لا تتدخل في تغييره أو السيطرة عليه وتسييسه الحكومات المتعاقبة والفائزين بالانتخابات باعتبار الادارة مكونا صميما في الدولة وليس النظام السياسي، وبين الشق السياسي المرتبط بتصورات المجاميع السياسية والحزبية الفائزة سواء بدرجة منضبطة في تغيير المناصب أو السياسات أو الهيكلة.


الطريف هو أن علماء السياسة المقتنعون منهجيا بالعلم الخالي من القيمة يضعون أسبابا أخلاقية كذلك لهذه الحالة المزرية، من ذلك السلوك اللاأخلاقي في التعامل مع الخصوم السياسيين واحترام حقهم في الاختلاف والتنافس والنقد الشديد الموجه للسياسات دون تجريح ولا اتهام أو فجور في الخصومة .


إن من يتابع اللغة التي تستخدمها القوى الحزبية المتنافسة من قبل بعض القوى السياسية في كل الاتجاهات على السلطة والنفوذ والجاه الآن في تعبيرها عن خصومها وتشويهها لإنسانيتهم ونضالهم واختلافهم، يكاد يصاب بحسرة حقيقية، تكاد تستدعي فلاسفة الأخلاق والقيم لا علماء السياسة، أو الفاعلين المجتمعيين ،
كل القوى تدعي تحركها لغايات نبيلة، لكن ليس هذا بحد ذاته دليلا أو كافيا لفرض أخلاقية الممارسة وصلاحها لأجل الوطن في هذه المرحلة.


حين تجد قواميس السباب والاتهام المليئة بألفاظ التخوين والإسفاف والسب المباشر تدخل في قاموس الحياة السياسية للوطن المتحول صوب البناء الديمقراطي المتدرج، ويراها الناس كل الناس حقا طبيعيا ولازما لممارسة السياسة واحتياز السلطة ، فأنت لا تكاد - للأسف - تجد له مستقبلا، فمهما دندنت فصائل بعض القوى الحزبية المتداعية والمتبجحة برعاية المصالح العليا للبلاد والصادحة بحب الوطن وأفضليتها القيمية وتميزها الاخلاقي ورصيدها المدعىة في عالم التجربة والخبرة التاريخية المديدة في ساحة النضال الوطني والكفاح التحرري .. إلا أن عزائنا أن تظهر أجيال جديدة وبديلة أكثر احتراما للاستحقاق الوطني في انجاز الانتقال واتمام مهام التغيير الديمقراطي والبناء التنموي والانهاض المجتمعي في وضوح بوصلتها الوطنية وسموها الأخلاقي الرشيد والفريد والاكيد.