عبد الباري عطوان: الإسلاميون عائدون في مصر وسحر الانقلاب ينقلب فوضى

قراءة : (15)

08-07-13
أساء الفريق الأول عبد الفتاح السيسي، القائد العام للقوات المسلحة، ومعه جميع قادة جبهة الإنقاذ المعارضة، تقدير قوة التيار الإسلامي بقيادة حركة الإخوان المسلمين، عندما أقدم على قيادة الانقلاب العسكري الذي أطاح بالرئيس المنتخب محمد مرسي، ووضعه رهن الاعتقال.
المشكلة أن مصر هي التي ستدفع ثمن سوء التقدير هذا من استقرارها ودماء أبنائها، ووحدتها الوطنية، وهذه كارثة بكل المقاييس.
الرئيس مرسي ارتكب أخطاء أثناء فترة حكمه القصيرة (عام واحد فقط)، ولكن هذه الأخطاء، مهما كبرت، كانت صغيرة، مقارنة مع أخطاء المؤسسة العسكرية وانقلابها الذي يمكن أن يقود البلاد إلى حمام دم قد يحصد حياة المئات وربما الآلاف.
بالأمس نزل مئات الآلاف من أنصار التيار الإسلامي إلى الميادين في مختلف محافظات مصر مطالبين بعودة رئيسهم، والتهديد باللجوء إلى العنف إذا لم يتحقق طلبهم هذا، وهم، أو بعضهم، يقول ويفعل، وشاهدنا ذلك بوضوح في أفغانستان والعراق وسورية وليبيا واليمن.
نعم قوات الجيش تملك الأسلحة والدبابات والطائرات العمودية، ولكن ماذا بإمكانها أن تفعل في مواجهة هذه الجموع الغاضبة، هل ستقتل مئة، مئتين، ألفين، عشرة آلاف؟ ولماذا، لأنهم يتظاهرون لاسترجاع سلطة وصلوا إليها عبر صناديق الاقتراع وفي انتخابات حرة نزيهة؟
هذا الغرب المنافق الذي ظل على مدى مئة عام يحاضر علينا حول الديمقراطية وقيمها، ويتغنى بالديمقراطية الإسرائيلية، لماذا يقف صامتا أمام هذا الانقلاب على الديمقراطية وحكم صناديق الاقتراع؟
هل لأن الفائز في هذه الديمقراطية هو من أنصار التيار الإسلامي، وهل هم مع الديمقراطية في بلادنا التي تأتي بأحزاب وفق مقاساتهم، وتطبق سياساتهم ومشاريعهم في الهيمنة في المنطقة؟
أمريكا سقطت.. الاتحاد الأوروبي سقط.. وكل المقولات الليبرالية التي تدعي التمسك بالديمقراطية والتداول السلمي للسلطة سقطت أيضا، وبات واضحا أن الليبرالي في مفهوم الغرب هو الذي يتخلى عن عقيدته وقيمه ومبادئه، ويتبنى المبادئ الغربية التي تضعها واشنطن ومحافظوها الجدد.
فوجئت بالدكتور محمد البرادعي أحد منتوجات هذه الليبرالية الغربية ودعاتها يكشف في حديث لصحيفة "نيويورك تايمز" أنه اتصل بجون كيري، وزير الخارجية الأمريكي، وكاثرين اشتون، مفوضة الشؤون الخارجية في الاتحاد الأوروبي، من أجل تأييد الانقلاب العسكري، الذي كان أحد أبرز المتآمرين للإعداد له. وفوجئت أكثر أن هذا الليبرالي يؤيد إغلاق ست قنوات تلفزيونية متعاطفة مع التيار الإسلامي.
أنصار "الديمقراطية" وحكم صناديق الاقتراع، ولا نقول أنصار التيار الإسلامي، يتدفقون بالآلاف إلى ميادين المدن والقرى والنجوع لكي يطالبوا بعودة الرئيس المنتخب، ويعبروا عن استعدادهم للشهادة من أجل هذا الهدف.
كنا نتوقع أن يتدخل الجيش المصري لنصرة الشرعية الديمقراطية لا من أجل سحقها، واعتقال رموزها، والانحياز لصناديق الاقتراع، لا لدعم من يريدون إسقاط هذه الشرعية من خلال التظاهر وشاشات التلفزة.
الانقلاب العسكري سيؤدي حتما إلى خدمة الجماعات المتطرفة داخل التيار الإسلامي وحركة الإخوان بالذات، وسيؤكد مقولة تنظيم "القاعدة" والجماعات الأخرى التي ترفض الديمقراطية وتعتبرها "بدعة غربية"، وتطالب بالاحتكام إلى السلاح وليس إلى صناديق الاقتراع لإقامة دولة إسلامية تكون نواة لدولة الخلافة.
المعتدلون في التيار الإسلامي وحركة الإخوان المسلمين سيكونون هم الضحية، لأن صوتهم لن يكون مسموعا في أوساط القواعد الشعبية، لأن جنوحهم للاعتدال، وتبنيهم للخيار السلمي ونبذ العنف أثبت عدم جدواه بعد الانقلاب العسكري الحالي، الذي نرى إرهاصاته في تنصيب رئيس غير منتخب، وحل مجلس الشورى، وإعلان الأحكام العرفية، وشنّ حملة اعتقالات دون أي مسوغات قانونية، وتحت اتهامات واهية.
ما هي التهمة التي سيحاكم على أساسها الرئيس محمد مرسي، وما هي الجريمة التي ارتكبها حتى يتم اعتقاله مثل أي مجرم؟ فالرجل لم يقتل بعوضة ولم يسرق جنيها واحدا، ولم يعين أقاربه في أي منصب، والغالبية العظمى من ضحايا الصدامات أمام قصر الاتحادية وفي ميدان رابعة العدوية من أنصاره.
شخصيا قابلت الرجل لأكثر من ثلاثة أرباع الساعة، ولم أسمع منه غير لغة التسامح مع الآخر، والحرص على حقن الدماء، والتركيز على كيفية إعادة الكرامة لمصر وشعبها، وإحياء صناعتها الوطنية الثقيلة، وإنعاش قطاعها الزراعي، بالانحياز إلى الفلاحين البسطاء ملح الأرض.
من سيصدق الحكم العسكري الذي يدير شؤون مصر حاليا عندما يتحدث عن الديمقراطية والانتخابات الرئاسية والبرلمانية بعد أن أهانوا الرئيس المنتخب وحلوا مجلس الشورى المنتخب أيضا؟ ومن سيذهب إلى صناديق الاقتراع بعد هذه الخطيئة الكبرى؟
نختلف مع حركة الإخوان في الكثير من طروحاتها، وكنا نتمنى لو أنها انحازت إلى قضية العرب المركزية، ودشنت عهدها في السلطة بطرد السفير الإسرائيلي وإغلاق سفارته في القاهرة، ولكن هذا لا يمكن أن يدفعنا للوقوف ضدها، أو التشكيك في شرعية رئيسها المنتخب، حيث قلنا وكررنا أكثر من مرة أن عليه أن يكمل مدة حكمه، وأن على من يريد إسقاطه أن يذهب إلى صناديق الاقتراع.
نخشى على مصر وشعبها الطيب من الحرب الأهلية، نخشى على الفقراء وهم الأغلبية الساحقة من الجوع والحرمان وعدم إيجاد لقمة العيش لإطعام أطفالهم، ولكننا على ثقة بأن هؤلاء لن يقبلوا مطلقا ليبرالية كاذبة مزورة مضللة تقود، بل تمهد الطريق، لانقلاب عسكري يؤدي إلى تعميق الانقسام ودفع البلاد إلى الحرب الأهلية حتى يصلوا إلى الحكم على ظهور الدبابات، وليس من خلال صناديق الاقتراع.