طارق رمضان : إستراتيجية العسكر في توظيف الشعب لإعطاء الانقلاب "الشرعية الشعبية"

قراءة : (58)

13.07.15

تميز صعود الإخوان المسلمين إلى سدة الحكم في مصر وتدبيرهم للمرحلة بقلة التجربة والدراية بشؤون الدولة، حيث هناك الشيء الكثير الذي كان عليهم القيام به، كما كان بإمكانهم فعل أحسن مما فعلوا.

بداية كان القرار الأول للإخوان بعدم تقديم أي مرشح للانتخابات الرئاسية سيكون أكثر عدلا، غير أنهم في الحقيقة ارتكبوا عدة أخطاء، ولكن ما نعيشه اللحظة هو انقلاب عسكري على الشرعية، وفي نظري ما يجرى اليوم يدعم الأطروحات التي سبق أن عالجتها في كتابي "الصحوة العربية"  "le réveil arabe  "، والتي حامت فكرته  حول أن ما سُمي "ثورة مصرية"،  لم يكن سوى انقلاب عسكري داخلي،  فأنصار حسنى مبارك  هم الذين تم إبعادهم وليس الجيش الذي لم يغادر أبدا دهاليز السلطة.

وبالتالي اقتصر الأمر فقط على تمكين العسكر من إعادة تموضعه داخل الدولة المدنية، وهذا بالضبط ما حدث، حيث نلاحظ أن العسكر لم يبرح أبدا الساحة السياسية، بل ظل دائما طرفا معنيا بالعملية السياسية، وفي هذا الإطار أشارت جريدة "نيويورك تايمز" الأمريكية وجريدة "لوموند" الفرنسية للأسبوع المنصرم، إلى أن الجيش طلب من مرسي الاستقالة أياما قليلة قبل خروج المظاهرات الشعبية.

لقد لجأ العسكر إلى توظيف الشعب فقط ليعطى للانقلاب العسكري شرعية شعبية، إذ عمد  إلى ترك مظاهر العنف تتفشى حتى يظهر بمظهر المدافع عن الشعب من جهة، وراعى أمن كل المصريين من جهة أخرى.

التصميم للانقلاب بديهي وواضح لا غبار عليه

 نعاين اليوم أحد المسلسلات الأكثر تعقيدا، ويتجاوز في أبعاده أطروحة نهاية الإسلام السياسي فحسب، بل إن الأمر يتعلق بمناورة محبوكة بطريقة جد ذكية قام بها الجيش الذي اعتبرته قبل سنتين، الفاعل الأكثر دهاء من بين باقي الفاعلين السياسيين، والذي تربطه بالولايات المتحدة الأمريكية علاقات جد مباشرة.

وهناك ثلاث مؤشرات تستحق الاهتمام : الأول يهم الارتباط البديهي للجنرال عبد الفتاح السيسى بالولايات المتحدة الأمريكية، حيث تعمدت واشنطن ألا تتحدث عن انقلاب عسكري مباشرة بعد تنحي محمد مرسي، واقتصرت على الحديث عن تغييرات سياسية على مستوى هرم السلطة بهدف مساعدة الحكومة الجديدة.

المؤشر الثاني، يتعلق بالتعاون مع صندوق النقد الدولي، حيث يلاحظ أن هذا التعاون انتقل إلى السرعة الفائقة في ظرف ثمانية وأربعين ساعة، وجاءت الحلول المالية بسرعة البرق، أما المؤشر الثالث، فيتجلى في نهاية الانقطاعات الحاصلة في إمدادات المحروقات من كهرباء وغاز ووقود، مع العلم أن هذه الانقطاعات كانت سائدة طيلة الستة أشهر الأخيرة من حُكم محمد مرسى، ليتضح بذلك أن التصميم لكل هذه الأحداث والوقائع كان مقصودا بدون شك. 

انتخابات انتقالية حسب الجيش                                                            

 كانت ذريعة الجيش، خلال الانتفاضة الشعبية الأولى للإطاحة بحسنى مبارك ومقربيه (وبصفة خاصة ابنه الذي كان بدأ يدير وجهه في اتجاه الصين)، وفي هذه الناحية تحاول أمريكا أن تتموقع بواسطة الجيش المصري، إذ عند تحليل واقع السياسة الخارجية الأمريكية نستدرك بسرعة أن الوضعية الحالية لا تتميز بأي مستجد جديد، لأنه من البديهي أن الولايات المتحدة الأمريكية تلجأ إلى المناورة والتلاعب من خلال تعاملها مع المصالح الاستخباراتية المصرية والجيش المصري مقابل الدعم المالي السنوي الذي تحصل عليه مصر.

وإذا كان مرسي، قد اعترف باتفاقيات السلام مع الدولة الصهيونية فإنه لم يلتق بأي مسؤول إسرائيلي، ولكن الجنرال السيسى الذي استكمل تكوينه العسكري في أمريكا، فقد كان حسب جريدة "نيويورك تايمز" في علاقة مباشرة مع المصالح الأمنية الإسرائيلية والأمريكية، ولهذا فالإهانة الجديدة تأخذ طابع المؤامرة، كما لو أن التلاعب والخديعة لم يعودا  ضمن أدوات السياسة.

ولهذا أنصح بقراءة عميقة للوقائع وليس قراءة سطحية، بل يجب النظر للسياسة لما هي عليه وإمعان النظر في الذي يعمل لصالح من ولأي مصالح ؟

لقد أطلت علينا جريدة "لوموند" بخبر مفاده أن الأمريكيين كانوا على علم بقُرب وقوع الانقلاب وأخبروا مرسى، والحوار الأخير الذي أجرته هذه الجريدة مع السيسي، يوضح كم كان الإخوان المسلمون سذجا عندما اعتقدوا أن الدعم الشعبي والدعم الخارجي لهم شيء مضمون؟ وهذا لم يكن هو الواقع إطلاقا.

أعدت التذكير في مقال كتبته السنة الماضية، بأنه قبل الانتخابات أصدرت القيادة العليا للجيش المصري بلاغا تخبر فيه المصريين أن مدة صلاحية تلك الانتخابات حددت في ستة أشهر إلى سنة، ويجب اعتبارها انتخابات انتقالية فحسب. ليتبين بعد مرور سنة أن ما تم اعتباره مجرد خاطرة صدرت عن رجل عسكري، ها هي تتحول اليوم إلى إستراتيجية عسكرية تدوم وتحكم قبضتها على جميع السلط.

ترجمة  pjd.ma

 

عن الموقع الإلكتروني لـــــ"نيوزويك"، بتاريخ 8 يوليوز 2013