محمد العربي : هل يمتلك غلاب الجرأة السياسية والمسؤولية الأخلاقية لتقديم استقالته؟

قراءة : (36)

18-07-13
 دافعت جريدة العلم في مقال تحت عنوان : "رئاسة مجلس النواب بين الدستور والأخلاق" على استمرارية كريم غلاب رئيساً لمجلس النواب وذكر المقال أن كلا من الدستور والنظام الداخلي قد خلوا من أية إشارة لمعالجة حالة مثل هذه وأنه لا بديل سوى الرجوع إلى الفصل 62 من الدستور الذي ينص على انتخاب رئاسة المجلس وأجهزته في بداية الولاية التشريعية وفي منتصفها وأنه إذا كان لا بد من تغيير في رئاسة المجلس فلا بد أن يتم إعادة انتخاب كافة أجهزة المجلس.


وإذا صح أن الدستور لم يفصل في القضية، فإن النظام الداخلي في المادة 20 منه قد تكلم بوضوح عن امكانية إعادة انتخاب رئيس جديد في حالة الشغور لسبب من الأسباب ولم يربطها فقط بحالة التجديد العادية في منتصف الولاية حيث ورد فيها بالحرف : "في حالة شغور منصب رئيس المجلس لسبب من الأسباب يتم انتخاب رئيس جديد لما تبقى من الفترة الأولى أو الثانية في أجل حسب الحالتين التاليتين :


- إذا كانت الدورة منعقدة في مدة أقصاها خمسة عشر يوما
- خارج الدورات عند افتتاح أول دورة عادية أو استثنائية في حالة الشغور
إلى حين انتخاب الرئيس الجديد يقوم مقام الرئيس أحد نواب الرئيس السابق حسب ترتيبهم ويمارس كل اختصاصات الرئيس باستثناء الاختصاصات المنصوص عليها في الفصول 44، 54، 59، 67، 79، 96، 132 من الدستور".


وسعى المقال إلى الاستخفاف بعنصر المسؤولية الأخلاقية التي تلزم غلاب بتقديم استقالته كما فعلها زملاؤه في الحكومة مستندا على قياس فاسد مفاده أن غلاب قد استمد مشروعية رئاسته من كونه أصبح رئيساً لجميع النواب بتصويت المجلس عليه، وانه إذا جاز هذا الأمر فإنه ينبغي أن يجوز من باب أولى على رئيس الحكومة الذي حاز الثقة من قبل أغلبية لم تعد قائمة وأن على رئيس الحكومة أن يقدم هو الآخر استقالته في انتظار تعيين جلالة الملك له من جديد .


ووجه فساد هذا الاستدلال - فضلا عن كون التصويت على غلاب هو تصويت من الأغلبية وكان مجرد تحصيل حاصل وليس تصويتا من المجلس برمته وأنه حصل بالضبط على 223  صوتا وهي بالضبط أصوات الأغلبية في حين ذهبت باقي الأصوات إلى مرشح المعارضة - أن شرعية تعيين رئيس الحكومة في منصبه ليست مستمدة من الأغلبية بل هي سابقة عليها وإنما هي مستمدة من مقتضى دستوري يقضي بتعيين جلالة الملك لرئيس الحكومة من الحزب الذي تصدر الانتخابات .


كما أن وجود الأغلبية نفسها انما كان بعد تفاوض قاده رئيس الحكومة، وهو الذي اقترح وزراءها على جلالة الملك من أجل تعيينهم، ومن ثم لا وجه للمقارنة بين شرعية منصب رئيس الحكومة التي هي شرعية دستورية قائمة قبل قيام الأغلبية وباقية حتى بعد ذهابها، ويمكن أن تتغير تركيبتها، وبين شرعية منصب رئاسة مجلس النواب التي هي جزء من حزمة متكاملة واتفاق سياسي متكامل تتكون أضلاعه الثلاثة من توافق أساسه الأول الاتفاق على تشكيل أغلبية حكومية وثانيه التوافق على توزيع المناصب الحكومية ورئاسة مجلس النواب وثالثه التوافق على البرنامج الحكومي.
بناء على ذلك فمن الواضح أن خروج حزب الاستقلال من الأغلبية الحكومية ومطالبته بمراجعة ميثاق الأغلبية واعتباره أن الحكومة لم تعد ملتزمة بالبرنامج الحكومي معناه تحلل الحزب من كل أركان التعاقد السياسي وسقوطها بالنسبة إليه وبات من اللازم أن يرتب عليها كل النتائج اللازمة لها سياسيا وأخلاقيا.


وحيث أن حزب الاستقلال بناء على ذلك وتجسيدا له على أرض الواقع قرر سحب وزرائه من الحكومة فيكون من مقتضيات احترام التعاقد السياسي المشار إليه أيضاً - في غياب مقتضيات دستورية أو قانونية تنظم هذه الحالة أن يلزم الحزب كريم غلاب كما ألزم وزراءه بتقديم استقالته من رئاسة مجلس النواب .


من الغريب إذن أن يتكلم المقال المذكور بمبررات واهية تسهم أكثر في الخلط السياسي وتقديم قراءات تجافي منطق الوضوح السياسي والتنزيل الديمقراطي للدستور في الوقت الذي كان من مبررات الانسحاب الذي اعتمدها الحزب التقصير في تنزيل مقتضيات الدستور.


وإذا أضفنا إلى ذلك أن السيد كريم غلاب لم يأخذ بعين الاعتبار خلال الخلاف الذي قام بين أمينه العام وبين رئيس الحكومة صفته الاعتبارية أي كونه ممثلا لكل النواب ورئيسا لمؤسسة دستورية وأنه بذلك لم يعد قادرا أن يمثل كل النواب وخاصة أولئك الذين صوتوا عليه كي يكون رئيساً لهم، وأنه كان في الواجهة إلى جانب أمينه العام في عدد من المحطات التي وضعت مزيدا من النار في الحطب، وكان شاهدا على كل الحملات التي شنها على رئيس الحكومة وحزبه ومن ثم على فريقه الذي يعتبر أول فريق في مجلس النواب، فضلا عن احتضان بيته - الذي بالمناسبة هو بيت تتحمل نفقاته ونفقات الموظفين والأعوان الموضوعين رهن إشارته ميزانية مجلس النواب - لاجتماع تم فيه صياغة وتوقيع رسالات استقالة وزراء حزب الاستقالة من الحكومة، أصبح من المتأكد أن كريم يتحمل مسؤولية أخلاقية تلزمه بتقديم استقالته تعزيزا للمنطق الديمقراطي، وتأكيدا لتحلله من التعاقد السياسي المنشئ للأغلبية الحكومية وحزمة التوافقات المرتبطة بها والتي من أهمها منصب رئيس مجلس النواب الذي يعتبر ثاني منصب اعتباري بعد منصب رئيس الحكومة ويعدل وزارتين أو ثلاث.


فهل يتوفر غلاب على الجرأة السياسية والمسؤولية الأخلاقية وينسجم مع المنطق السياسي الذي قاد حزبه للخروج من الأغلبية الحكومية؟ وهل ينسجم مع خطابه وخطاب أمينه العام الذي كان يدعو إلى الانسحاب من الأغلبية أثناء الجولات التي نظمها ؟
محمد العربي