باحث مغربي يقترح بعض الآليات التربوية للعدالة الانتقالية

قراءة : (59)

13/08/12

يطرح الباحث المغربي، إبراهيم أكورار، مجموعة من الاقتراحات من أجل إسناد العدالة الانتقالية بآليات تربوية، مستهلا مقاله المنشور بيومية المساء عدد الاثنين 12 غشت الجاري، بمقولة جاء فيها "إن الضحية لا تنسى الظلم الذي وقع عليها، لكنها يمكن أن تغفر وتسامح".

وهي المقولة التي يقول عنها الباحث "إنها تعود لرب أسرة، سجن سبعا وعشرين سنة بسجن فكتور فستر ذاق خلالها مرارة التعذيب والتنكيل على يد خصم عنصري عنيد، داس بقدمه كرامة وحرية خمسين مليون مواطن جنوب إفريقي، ليضمن تنعمه بعائدات مناجم الذهب الممثلة لنسبة 27 في المائة من الإنتاج العالمي" .

ولم يكن هذا الرجل سوى " نيلسون مانديلا"، يتابع صاحب المقال "الذي لم تمنعه معاناته ممن سلب حريته الشخصية من التخطيط والتدبير لعدالة انتقالية مثالية إلى حد ما!".

يقول صاحب المقال "لم تكن عدالة امتصاصية للانفعالات الغضبية للمظلومين والمقهورين ذوي البشرة السمراء فحسب، أوعدالة انتقامية ثأرية، بل برامج تنفيذية للعفو الشامل وعودة المبعدين والمنفيين من أعضاء ورموز المؤتمر الوطني الإفريقي إلى بلدهم الأم، وتأسيس لجنة الحقيقة والمصالحة المنظمة لمجالس بين المعتدي مع المعتدى عليه، ذات بعد تصالحي وتسامحي متبادل، ومعالجة آثار الانتهاكات الممنهجة لحقوق الإنسان بنظرة ثاقبة لمستقبل جنوب إفريقيا وأجيالها الصاعدة وأفقها التنموي".

وساق الباحث ما قاله منديلا في رسالته الشهيرة الموجهة لثوار تونس ومصر التي جاء فيها : "أنا أتفهم الأسى الذي يعتصر قلوبكم وأعرف أن مرارات الظلم ماثلة، إلا أنني أرى أن استهداف هذا القطاع الواسع من مجتمعكم قد يسبب للثورة متاعب خطيرة، فمؤيدو النظام السابق كانوا يسيطرون على المال العام وعلى مفاصل الأمن والدولة وعلاقات البلد مع الخارج. فاستهدافهم قد يدفعهم إلى أن يكون إجهاض الثورة أهم هدف لهم في هذه المرحلة التي تتميز عادة بالهشاشة الأمنية وغياب التوازن. أنتم في غنى عن ذلك، أحبتي".

 

للتربية المستقبلية ثمن!

يؤكد صاحب المقال، بأن الضمانات الأساسية لحماية حقوق الإنسان من تغول الأجهزة الأمنية والعسكرية والقضائية في الدول المتخلفة لا يمكن تثبيتها بالآليات القانونية فقط، مشيرا بأن  مشهد الاستبداد بالسلطة، يتكرر من طرف ثوار الأمس القريب حتى يقول الشعب المستضعف بلسان حاله للثائر الطليعي المحرر: أُوذِينَا مِنْ قَبْلِ أَنْ تَأْتِيَنَا وَمِنْ بَعْدِ مَا جِئْتَنَا.

 

وأوضح بأن تجارب كل من أوروبا الشرقية وأمريكا اللاتينية وما يشهده ربيع الشعوب العربية والإسلامية يؤكد لنا فشل استنساخ التجارب ما دام أن لكل شعب خصوصيته. ما عليه إلا أن ينشئ عدالته الانتقالية باجتهاد توافقي بين هويته والمبادئ الكونية لحقوق الإنسان.

وهكذا يؤكد صاحب المقال "لا بد من آليات تربوية وتعليمية وإعلامية تعبئ وتؤهل الشعوب للعدالة الانتقالية، فتصبح المقاربات والآليات القانونية والحقوقية مواكبة ومكملة لها، لتحصين الإنسان من الطغيان على أخيه الإنسان، وما الدولة الحديثة في زمن العولمة إلا أداة من أدوات الهيمنة على حرية الإنسان، ما لم تكن تحت رقابة مستمرة للتربية والحق والقانون".

وشدد على أن تكون هذه التربية"تستهدف الإنسان ليعي مخلوقيته ويتصالح مع فطرته، فيكون رحمة للإنسانية وإخوانه في الدين وهويته الإسلامية"،  مستطردا "نعم، يكون للصفح والمصالحة والعفو معنى يسري في مجتمع الحقوق والحريات سريان الماء في العود الرطيب، لينتقل به من غثائية متشعبة متشرذمة إلى بنية جماعية متماسكة روحها المسجد والتعاون على البر والتقوى ووعي حقوقي غير منقوص لمواطنين لا تشغلهم مسألتهم الاجتماعية عن حقهم في الإيمان بالله واليوم الآخر!"

 

اذهبوا فأنتم الطلقاء!

وفي هذا السياق، استدل صاحب المقال على أطروحته بما حدث "في الفترة المكية حيث تعرض رسول الله صلى الله عليه وسلم لأذى قومه، فطردوه، وشتموه، أخرجوه، حاربوه، ما تركوا فعلاً قبيحاً إلا واجهوه به فلما انتصر وفتح مكة"، موضحا بأنه صلى الله عليه وسلم خطب في قومه، وأعلن العفو العام على رؤوس الأشهاد، "والتاريخ يكتب والدهر يشهد: عفا الله عنكم اذهبوا فأنتم الطلقاء» طرده أهل الطائف ورموه بالحجارة وأدموا عقِبيه بأبي هو وأمي، فأخذ يمسح الدم ويقول: «اللهم اغفر لقومي فإنهم لا يعلمون".

"اذهبوا فأنتم الطلقاء!"، بالنسبة لصاحب المقال "لم يكن شعارا سياسيا مرحليا بل مشروع بداية ولاية عامة بين المسلمين يسودها التواصي بالحق والمرحمة والصبر الجماعي على مرحلة ما بعد الفتح والتمكين من تبليغ الدعوة للعالمين، كانت النواة الصلبة وجسم الأمة المركزي آنذاك يتجسد في المهاجرين والأنصار رضوان الله عليهم، ارتقت بهم التربية النبوية من الانتساب إلى العشيرة والقبيلة إلى الانتساب إلى الله عز وجل، إشعاعهم التربوي وسيادة الوحي في نمط حياة المسلمين وحبهم للاستجابة له قلص من حدة عصبيتهم القبلية".

وأضاف "كان كافيا لمن دخل دار أبي سفيان يوم الفتح أن يضمن لنفسه الأمان. من يكون أبو سفيان؟ إنه زعيم قريش وقائدها، وتذكر بعض كتب السيرة أنه كان ممن يخطط في دار الندوة لقتل رسول الله صلى الله عليه وسلم قبيل هجرته إلى المدينة، وفي المرحلة المدنية وفي غزوة بدر حينما قُتل سبعون من صناديد وقادة قريش، أقسم أبو سفيان ألا يَمَسَّ رأسَه ماءٌ من جنابة. حتى يغزو محمدًا ـ صلى الله عليه وسلم، ومن ثم اجتمعت قريش على رئاسة أبي سفيان لها، بكل بطونها وفروعها، وهو حدث فريد في تاريخ مكة، ومن هذه اللحظة وأبو سفيان هو المحرِّك الأول لجموع المشركين لحرب النبي ـ صلى الله عليه وسلم ـ قبل دخول رسول الله صلى الله عليه وسلم مكة. كان أبو سفيان ممن يخرج يتجسس الأخبار، فوجده العباس، فنصحه بأن يأتي معه ليطلب له الأمان من رسول الله ـ صلى الله عليه وسلم ـ فجاء به راكباً معه، حتى أدخله على رسول الله ـ صلى الله عليه وسلم ـ فقال له النبي ـ صلى الله عليه وسلم: "ويحك يا أبا سفيان، ألم يأن لك أن تعلم أن لا إله إلا الله؟ ألم يأن لك أن تعلم أني رسول الله؟ فقال العباس: ويحك أسلم، فأسلم وشهد شهادة الحق، ثم أكرمه الرسول صلى الله عليه وسلم فقال: من دخل دار أبي سفيان فهو آمن" . رواه مسلم".

ويدعو صاحب المقال القراء إلى النظر في حرص رسول الله صلى الله عليه وسلم على حقن الدماء وحكمة التواصل مع نفسية زعيم سيد القوم.

وأشار إلى أن  إرادة الله،شاءت " أن يسمى الحدث التاريخي العظيم بيوم الفتح وليس يوم الملحمة أو الثأر من المشركين، إنه درس بليغ لمن يتدبر سنة الله في عباده ويكتشف دور التربية الإيمانية التحصيني للمسلمين من إشعال فتيلة نار التمييز والنعرات العصبية".

 

ما نصيبنا من العدالة الانتقالية؟

ويتساءل صاحب المقال "ترى هل يمكننا القول اليوم للظالم يا ظالم؟ هل حقا عاش بلدنا الحبيب طيا لصفحة ماضي الانتهاكات الجسيمة لحقوق الإنسان؟ هل كانت عدالتنا انتقالية أم انتقائية وخطوة استباقية لاحتواء اليسار من أجل حصار القوة السياسية الإسلامية الصاعدة؟

قبل أن يقول بأن "عدالتنا الانتقالية وضعت في قالب زمني وقانوني محدد لا يمكن تجاوزه"، مستدلا على ذلك بما قاله  الأستاذ إسماعيل الجباري الباحث في تجربة العدالة الانتقالية المغربية في معرض كلامه عن هيئة الإنصاف والمصالحة: "إن إنكار التسوية القضائية عبر المساءلة وإثارة المسؤولية الجنائية الفردية في الانتهاكات، أمام نظام العدالة الجنائية وتحديد المسؤوليات، جعل المسار المغربي للإنصاف والمصالحة لم يحقق مصالحة كاملة، وحقيقة كاملة، إنها نصف مصالحة".

لو كانت مصالحة حقيقية، يسأل  صاحب المقال" ما الدافع لخروج حشود من الشباب يوم 20 فبراير إلى الشارع العام يطالبون بإسقاط رموز الفساد والاستبداد؟ رحم الله صاحب رسالة "الإسلام أو الطوفان" و"مذكرة إلى من يهمه الأمر".الناعت للعفو الشامل المغربي بالهامل لأنه استثنى مناضلين دون مناضلين!"

وأكد صاحب المقال بأن "ما يعرفه العالم العربي والإسلامي من تطورات يفرض على الحركات الاجتماعية والسياسية أن يكون لها تصور واضح لمعالم العدالة الانتقالية، وأن تجدد كل قوة اقتراحية مناهجها وبرامجها الترافعية والتغييرية وفق ما يعرفه العالم من تطورات مستمرة وسريعة لضمان سلم اجتماعي يحصن بلاد المسلمين من العنف والعنف المضاد والصراعات المذهبية والانتهاكات الجسيمة لحقوق الإنسان".

 

وبعدما أوضح بأننا "لحد الآن لا نملك ضمانات ملموسة في الواقع تحمي كرامتنا وحريتنا ويبقى ملف العدالة الانتقالية مفتوحا لأهل المبادرة والمصداقية التاريخية"، أردف قائلا "أملنا في الله كبير والحمد لله، رغم ما نتابعه من خروقات للدول العظمى للقانون الدولي الإنساني، وترويع الإعلام المأجور للرأي العام العالمي من الإسلام الرهيب، إسلام الدم والانتقام لا إسلام الرفق والسماحة والغفران، يقيننا في مستقبل مشرق لأمتنا يتجلى في توقان الشباب للعدالة الاجتماعية".