قربال يكتب : الفكر الحضاري عند ابن خلدون

قراءة : (1102)

                                نورالدين قربال *

اشتغل مجموعة من الباحثين  بفكر ابن خلدون، نظرا لأهميته.

واعتبر فكرا متجددا يمكن أن يستفاد منه في مقاربة مجموعة من الإشكالات المطروحة اليوم. خاصة وأن بلاد المسلمين وبلدان العالم تحتاج لمجموعة من أفكار هذا العالم قصد تجاوز مجموعة من المشاكل المطروحة،  ومما يفتح شهية البحث في فكر هذا العلم، هو الإجماع الذي يحظى به  من قبل مفكرين من جميع الجنسيات.

وأكد ناجي بن الحاج الطاهر، عندما تحدث على العمران والحضارة في فكر ابن خلدون على مجموعة من القضايا، أهمها أهمية العمران والحضارة في البناء التاريخي.

لأن هناك تكاملية بين القطبين. باعتبارهما من الأسس للبناء البشري. خاصة عندما تتبدل الأحوال. "وكأنه خلق جديد ونشأة مستأنفة وعلم محدث". وبهذا المنطق يؤسس ابن خلدون لحوار الحضارات. باعتبار أن الاجتماع ضروري للنوع البشري. والذي يستمر حسب ابن خلدون بالتهيء للصنائع. إذا ليس للبطالة مكانة في المجتمع الإنساني.

ومن تم فالعمران مرتبط بمعرفة الغاية من الخلق خاصة الإنسان. وهذا ما يجرنا إلى وظيفة الاستخلاف الجماعي والفردي محددا المسؤولية الإنسانية داخل دائرة العمران الإنساني.

وعندما تحدث عن الحيوانات وظف مصطلح "تكوين"، لأنه مرتبط بوجود محدد المصير والغاية. أما الحديث على الإنسان فوظف "العمران البشري" لأن الأمر يتعلق بحرية الاختيار لأنه لا عمران بدون وجهة. واختلاف الأجيال في أحوالهم بلغة ابن خلدون إنما هو اختلاف نحلتهم في المعاش.   إذن فهو عمران متحرك وليس نمطيا.

ونظرا للاعتبار القبلي فقد اعتبر ابن خلدون القبيلة ركيزة أساسية للاجتماع البشري. الذي هو صانع العمران. والذي يثير شهية القبيلة هو الوصول إلى الخلافة والملك.  وهذا أمر ايجابي لكن الذي يفسد هذا البناء هو الانغماس في الترف.

مركزا على البدوي والحضاري في هذا المجال. والدولة نفسها تنتقل من البداوة إلى الحضارة إذا توفرت الشروط. " الدولة دون العمران لا تتصور، والعمران دون الدولة والملك متعذر..

وكما اشترط " التهيء للصنائع" كقاعدة للاستمرار، فإنه حذر من طغيان " عالم الأشياء" أي المنتجات والماديات على حساب مكونات أخرى.لأنه بدون التوازن يصبح الإنسان ملكا لها.

ويمكن من خلال هذا الجرد نستنتج القضايا التالية:

- ضرورة تحرير المناط المعرفي من خلال تفكيك البنى الاصطلاحية.

- الحوار والتواصل الحضاري والتسامح  تجارب تاريخية  ورؤى كونية .

- أهمية الدين في ترشيد العصبية من السقوط في الترف والتحاسد، وتصحيح وجهة القبيلة إلى الحق. خاصة إذا حضر الاستبصار.

- الاستخلاف أعلى رتب للبشر في سلم المخلوقات. والعمران المتحرك هو صانع الحضارات بناء على منهج الوسطية والاعتدال. والحضارة شاهدة على البشر.

أمام هذه الخلاصات، يحق لنا أن نشارك "ناجي بن الطاهر" في مجموعة من الاستنتاجات أهمها تموقع ما قيل في المنظومة السائدة: العولمة ونهاية التاريخ وفتح الحدود.

هل عولمة البيئة والتجارة والهجرة والمشروبات و...ساهمت في حل المشاكل الكبرى خاصة على مستوى العلاقة بين الشمال والجنوب؟

كيف نميز بين العولمة والعالمية؟ وما نصيب العمران والحضارة في هذا البناء الحضاري؟

إن الهدف من هذا البحث المتواضع هو الوصول إلى المشترك بين الإنتاج الخلدوني والبناء التاريخ المعاصر.

 إن التوقف على مفهومي العمران والحضارة عند ابن خلدون، مؤشر على أن المشكلات الإنسانية في عمقها مشكل حضاري. ومما جعله يتعمق أكثر في الموضوع هو ثقافته الواسعة. فهو يوظف التاريخ، وعلم الاجتماع، والفلسفة، والدين، والمعرفة، والعمران، واللغة في علاقتها بالمجتمع، والسياسية، والأخلاق.

ويمكن أن نعتبر ابن خلدون مؤسسا لعلم الحضارة، وخلص محمد عابد الجابري إلى أن الفكر الخلدوني فكر فلسفي، فالمقدمة تراث إنساني. والعصبية تتخذ دلالات متعددة لديه باعتبارها تتسم بعلاقة قوية بالعمران وحركة التاريخ. هذه العلاقة هي التي تساهم في الوصول إلى الخلافة والدولة والملك.

والغاية من العمران هو البناء الحضاري. ومن تم اعتبر ابن خلدون أن حركة التاريخ تنتقل من البداوة إلى الحضارة.

ومن خلال هذا التصور الخلدوني، انتشرت فكرة ربط المشكلات الإنسانية بالقضايا الحضارية. وعلى رأس هؤلاء في القرون المتأخرة نذكر المفكر "مالك بن نبي".

والذي أكد على أن المشكلات في العالم الإنساني متعلقة بالجانب الحضاري، ومن لم يع هذه الحقيقة  يبقى خارج حلبة التاريخ.

وذهب "إبراهيم رضا"،  إلى أن مالك بن نبي اعتبر مشاكل الأمة الإسلامية مشاكل حضارية، من حيث الموضوع والمنهج. والوعي بهذه الحقيقة يساعد على حل المشاكل التي تعاني منها الأمة.

وكون جوهر المشكل حضاريا، فلابد من ضبط الفقه الحضاري، نظرا للارتباط الوطيد بين الحضارة وحركة المجتمع، وحدد مالك بن نبي عناصر الحضارة في: الإنسان، والتراب، والوقت.  والسؤال الحضاري : هل يمكن أن نبني حضارة بدون تأهيل الإنسان، واعتماد المقاربة الترابية والمجالية ، وأخذ عمر الإصلاح بعين الاعتبار؟

والذي يميز الحضارة الإسلامية أن مصادرها تعتمد الوحي والعقل والحواس. وهذا مربط الفرس. وبالتالي لابد من البحث عن المشترك، ثم الإبداع والتميز نظرا لخصوصية المرجعية المحددة للمعيارية. وهذا اختيار عالمي وليس قبليا، لأن الدين كله لله وليس ملكا لأحد حتى يصبح ناطقا باسمه.

وتبقى طبيعة ونوعية الحضارة المتوخاة هي المنتجة لمنتجاتها.  بناء على روح الاستقلالية السياسية والاقتصادية، مما يحرر مناط القرار السيادي.  قبل تحرير البعد الخارجي هناك ضرورة لضبط استقلالية الذات. أي من القابلية للاستعمار، كما سماها مالك بن نبي.

وكونه ذم القابلية للاستعمار فإنه يدعو إلى القابلية للإنجاز بناء على مفهوم المخالفة عند الأصوليين.

كل هذا من أجل عدم السقوط في "الأفكار الميتة"، أو "القاتلة".  وهناك دعوة لدراسة التجربة الأسيوية، والاستفادة منها. والمتأمل في المسار الإصلاحي منذ النهضة إلى اليوم يلمس بأن الأمة ما زالت تبحث على خريطة الطريق رغم ما حقق عن طريق ما اصطلح عليه بالربيع الديمقراطي.

فالتطور مرتبط بفهم النظام الدوري الذي تخضع له الأمم. والدورة الحضارية كما هو عند ابن خلدون. إذن هناك ضرورة حضارية لمعرفة النواميس والسنن التي تتحكم فيها الدورة الحضارية.  وهذا نقيض الاصطدام مع هذه النواميس الذي ينتج عنه الاضطراب والمجهول.

إذا استيعاب السنن يرشد الحركة في التاريخ، امتثالا لسنة حضارية إنسانية.

نستنبط من خلال هذا التحليل ما يلي:

- ضرورة فهم واقع هموم الأمة.

- تجاوز المقاربة الترقيعية / الجزئية لمشاكل الحضارة ، والتركيز على القضايا الجوهرية.

- ضرورة دراسة الفكر الخلدوني بناء على منهج متجدد.

-تحديد القوانين والمفردات والمفاهيم والمعادلات، واستيعابها، وتوظيفها لحل المشاكل الكبرى للأمة.

إذا هناك ضرورة حضارية ومنهجية وواقعية واجتماعية لقراءة ابن خلدون بلغة جديدة تساعدنا على حل مجموعة من المشاكل المطروحة.

 

*عضو المجلس الوطني لحزب العدالة والتنمية