التليدي يكتب: في ضرورة المقارنة بين خطاب التجييش وخطاب المسؤولية

قراءة : (1813)

13.10.08
تقديم
نشرت جريدة التجديد مقالا للكاتب الصحفي بلال التليدي، في موضوع " في ضرورة المقارنة بين خطاب التجييش وخطاب المسؤولية" في عدد الثلاثاء 8 أكتوبر 2013، ردا على الخطاب السياسي الذي أصبح يروج له البعض، وهو مناسبة للوقوف على الخطاب السياسي لبعض الفاعلين. وتجدر الإشارة هنا أن حزب العدالة والتنمية أكد منذ سنين مضت،  عقب المؤتمر الوطني السادس لسنة 2008، على أطروحة مبدعة اتخذت عنوان "النضال الديمقراطي مدخلنا للإصلاح" ، وقد أكدت هذه الأطروحة على أن المعارضة لم تكن يوما بقوة الخطاب والبلاغة، وإنما القوة تكمن في دقة المعطيات وتماسك التحليل وقوة الحجج والبراهين والقوة الاقتراحية، وتكمن في الارتهان إلى منطلق النزاهة الفكرية والموضوعية على مستوى الاجتهادات السياسية والخطاب والمواقف والجاهزية النضالية والنجاعة الميدانية التي نهجها الحزب في مرحلة المعارضة.
ولعل المقال أسفله أشار إلى ضرورة أن يتموقع عدد من الفاعلين التموقع الصحيح من أجل الدفع بعجلة الإصلاح، على أن لا يكون على أساس إيديولوجي كلاسيكي، على اعتبار أن التموقع الكلاسيكي بفعل التطورات السياسية والإيديولوجية المتسارعة جعلت تصنيف الأحزاب إلى يسار ويمين ووسط ويمين متطرف ويسار جذري أو على أساس الحداثة والليبرالية أو المحافظة لم تعد ذات أساس صلب. وقد اختار حزب العدالة والتنمية اعتماد معيار سياسي وظيفي للتموقع من خلال مضامين أطروحة النضال الديمقراطي لسنة 2008، الذي من مستلزماته التعاون مع الفاعلين السياسيين الذين وضعوا ضمن أولوياتهم النضال من أجل إقرار إصلاحات سياسية حقيقية تعيد الاعتبار للحياة السياسية وللمؤسسات المنتخبة ولمشاركة المواطن، وهو تموقع في الأصل سياسي واجتماعي ينتصر أكثر لخيار الديمقراطية، بما هي قيمة تسمح بإنتاج تقاطع مع الكثير من الفاعلين في المجتمع الذي لديهم مشروع مجتمعي يؤمن بالتنوع والاختلاف والتعددية والتوافق، وينبذ الإقصاء والاستئصال والتطرف في الخطاب والممارسة، على أساس أن هذا النضال الديمقراطي مع الموقع الجديد لحزب العدالة والتنمية غداة انتخابات 25 نونبر 2011 جعلت النضال لدى الحزب يأخذ بعدا آخر بحكم موقعه وهو البناء الديمقراطي على اعتبار أن البناء يستلزم النضال.
 
وفيما يلي نص مقال بلال التليدي:
هناك حاجة إلى تأمل الخطابات السائدة اليوم في الساحة السياسية، لاسيما في هذه الظرفية الدقيقة التي يجتازها المغرب والتي تتسم في العموم باستهداف التجربة والنموذج الإصلاحي المغربي عبر مخططات الخصوم للمس بأمن واستقرار المغرب.
عادة ما تساهم هذه التحديات الخطيرة في تذويب الخلافات الداخلية بين النخب السياسية والرفع من منسوب اليقظة ضد أي محاولة للعب على التناقضات واستثمار نقاط التوتر الموجودة لخدمة المخططات التي تستهدف النموذج المغربي.
لكن المفارقة أنه في هذه اللحظة الدقيقة، يتم إنتاج الخطابات التي تؤجج من الاحتراب الداخلي، وتستدعي تفاصيل النموذج المصري بكل حيثياته، كما ولو كان المغرب المستقر محتاجا إلى التفريط في نموذجه والالتحاق بالنماذج الانقلابية الفاشلة التي أجهزت على الديمقراطية، وعطلت جميع مؤسساتها، ووظفت مفاهيم الأمن القومي من أجل مصادرة كل الحريات المدنية السياسية والفكرية والإعلامية.


نحتاج في هذه المرحلة أن نعقد مقارنة بين خطابين سياسيين، خطاب تتزعمه بعض نخب المعارضة السياسية التي تستعمل نفس المفردات الإقصائية التي أنتجها السياق المصري، والمشحونة بالسباب والشتم والتخوين واتهام مكون أساسي من مكونات الشعب المغربي بأنه يحمل مشروعا أصوليا متطرفا لهدم الدولة الحديثة وبناء دولة الخلافة! على حد تعبير النسخة الجديدة من قيادة الاتحاد الاشتراكي في الكلمة الافتتاحية للتجمع الاحتجاجي الذي نظمه الحزب يوم خامس أكتوبر! وخطاب مقابل صدر عقب الخطاب الأول وتحديدا في الدورة الرابعة لمجلس شورى الحركة، السبت الماضي، والذي حذر فيه رئيس الحركة المهندس محمد الحمداوي من مخاطر «الاستدراج إلى تقاطب إسلامي علماني أو ديني مما قد ينذر بانقسام وشرخ مجتمعي يصعب التحكم في مآلاته ويسهل توظيفه من الجهات المتربصة بالمغرب الذي يخط طريقه بتؤدة وهدوء نحو تنزيل الإصلاحات الكبرى في إطار من الاستقرار».
نحتاج حقيقة أن ندعو في هذه المرحلة المحللين السياسيين والمثقفين وأصحاب الرأي في هذا البلد إلى أخذ عينات من هذين الخطابين، وإخضاعها لعملية المقارنة بجميع مستوياتها، للنظر أولا في مضمونها السياسي، ولطرح السؤال ثانيا على البعد الأخلاقي فيها.


الظن والتقدير أن المفارقة الصارخة بين الخطاب الاحترابي للسيد إدريس لشكر وغيره من النسخ الجديدة لقيادات الأحزاب الوطنية الديمقراطية، وبين الخطاب المعتدل الوسطي الذي تنتجه حركة التوحيد والإصلاح، في هذه الظرفية ليست أمرا عاديا يجري على سنن وقواعد العمل السياسي المتعارف عليه في الممارسة السياسية، فلم يكن في معهود الأحزاب في ممارستها السياسية، أن ترفع درجة التوتر والاحتقان السياسي في خطابها إلى هذا المستوى في مثل هذه الظروف الدقيقة التي يعيشها المغرب، بل كان الطبيعي، أن يتم التخفيف حتى من درجة الخلاف العادي بين هذه الأحزاب بقصد إعطاء رسالة سياسية للداخل والخارج أن التماسك السياسي والاجتماعي للمغرب هو مسألة استراتيجية لا يمكن لمن يريد استهداف النموذج الإصلاحي المغربي أن يمس به في اي ظرف من الظروف، مما يعني أن هناك جهات تحاول ما أمكن أن تعيد موجة التحكم والاستئصال إلى الواجهة، وتوظف كل التكتيكات الممكنة لأجل ذلك، وتخوض تمارين جزئية لإخضاعها لعملية القياس قبل الإقدام على مشاريع أكبر، وتعيد نفس الأساليب القديمة في ممارسة عملية التجييش عبر التحكم في مكونات المشهد الحزبي.


أمامنا خطابان، الأول يحمل مضمونا سياسيا يسعى لإحداث شرخ كبير داخل المجتمع المغربي، ويتبنى لغة التحدي والتهديد بالشارع مع أن الجميع يعرف أن الذي يصدر هذا الخطاب لا يملك حتى تعبئة الداخل الحزبي وتتمين الجبهة الداخلية ضده وتسوية الخلافات بين مكوناته وتياراته. والثاني، يلح على قضية تجنب الاستقطابات بين الإسلاميين والعلمانيين، والتأكيد على ضرورة مواجهة الاستهدافات الموجهة للنموذج المغربي بتفويت الفرصة على أعداء التجربة الديمقراطية في الداخل والخارج والمحافظة على الصيغة المغربية في الإصلاح في إطار الاستقرار.


المقارنة ضرورية، لأنها تتيح الفرصة لتقديم أجوبة عديدة، عن أسباب تعثر الإصلاحات، وعن أسباب افتعال الأزمة الحكومية عبر تحريك بعض مكونات الأغلبية، وأسباب تأخر خروج النسخة الجديدة من الحكومة، وعودة الأساليب التقليدية في تدبير الانتخابات، والتوظيف الكثيف للإعلام من أجل خلق حالة غضب شعبي من أداء الحكومة.
بكلمة، إن المهم في هذه المقارنة ليس فقط هو ممارسة هذا التمرين، ولا حتى امتلاك رؤية تسعف لتقديم أجوبة عن الأسئلة المذكورة وغيرها، ولكنها أيضا كذلك من جهة أنها تقدم الصورة الصحيحة لمكونات الفعل السياسي وللفاعل الإسلامي ضمنها، لا الصورة التي تستغل بعض الجهات على صناعتها عبر الآليات الإعلامية التي تمتلكها.