ماء العينين: حكومة ابن كيران 2 .. مخاطر النقاش الدستوري المفتعل

قراءة : (15)

أمينة ماء العينين*
من الايجابي مرة أخرى أن يصبح الدستور كأعلى مرجعية تشريعية، موضوع نقاش عمومي بين الفاعلين السياسيين، ومن الايجابي توسيع دائرة هذا النقاش وتبسيطها لنبدأ في صياغة وعي مجتمعي جديد، يحتكم إلى الدستور كمرتكز أساسي في تأطير العملية السياسية والعلاقة بين مختلف المؤسسات، غير أن تحقيق هذا الهدف يتطلب الكثير من الحذر من مختلف الأطراف، خاصة منها المعارضة التي لا يجب بأي حال من الأحوال أن تغامر بإقحام الدستور في  ممارستها الطبيعية والمطلوبة في مراقبة الحكومة ورصد تعثراتها، إلا عند اكتمال أركان ما يمكن أن يكون خرقا للدستور أو انتهاكا لمضامينه.
ما الذي يحدث حين تتحول الطعون الدستورية إلى ما يشبه اللعبة السياسية، نخوضها دون بناء دفوعاتنا شكلا ومضمونا، ودون منح المؤشرات الكافية للرأي العام على أن الباعث الحقيقي على النقاش هو الخوف على الدستور والرغبة في صيانته؟؟


1- تقوية "نزعة تكفيرية جديدة" في الممارسة السياسية: حيث تستمرئ الأطراف المتنافسة إقحام بعضها البعض في اتهامات متسرعة بخرق الدستور،دون الاحتكام إلى أدلة رصينة ومتماسكة، وهو ما من شأنه أن يميع النقاش الدستوري الذي نحتاج إلى تحصينه في مرحلة تأسيسية مرتبطة بالحرص المشترك على تطبيق الدستور وتأويله ديمقراطيا. والهاجس دائما هو بناء تقاليد جديدة تنهل من روح الدستور الجديد ،وتقطع مع ممارسات الماضي غير المحتكمة إلى منطق التعاقد والتفويض المقيد بالدستور.
2-  المغامرة بسمو الوثيقة الدستورية وتحويلها إلى طلقات فارغة تطلق في الهواء كلما توفرت الحاجة السياسية إلى إثارة الجلبة وإذكاء البوليميك، في الوقت الذي يفترض أن تحرص فيه مختلف الأطراف معارضة وأغلبية، حكومة وبرلمانا ومؤسسات دستورية على تأطير نقاشها الدستوري -و هو أمر مطلوب- بالكثير من الجدية والرصانة والمسؤولية، مهما اختلفت المصالح وتباينت المنطلقات.
3- المس بمبدأ أساسي وهو اعتبار الدستور الفيصل الأسمى بين الفاعلين، والمرجع الأعلى لحظة الاختلاف، وهو ما سيتطلب منا جميعا في المرحلة المقبلة بذل مجهود مضاعف لنكون مستعدين للتحلي بالكثير من الموضوعية والتجرد لحظة النقاش الدستوري، والاعتراف بالأخطاء لحظة ثبوتها بعد الدفع بالحجج والحجج المضادة.
إنها الحاجة إلى "تواطؤ ضمني" -بالمعنى الإيجابي- على أن نختلف كثيرا إلى حدود الدستور فنتفق على توحيد مرجعيتنا لنستمع إلى آراء المختصين المحايدين. لأن الخطر الأكبر الذي يمكن أن يتهدد حياتنا السياسية هو غياب المرجعية المشتركة للاحتكام إليها لحظة الاختلاف، بإصرارنا على قتلها أو جعلها عرضة للأخذ والرد من لدن كل من هب ودب.


4- إضعاف المؤسسات الدستورية المفترض سعينا جميعا في هذه اللحظة إلى تقويتها، فمهما كان اختلافنا السياسي كبيرا، يجب أن يكون رهاننا هو تقوية مؤسساتنا وعدم المنازعة في شرعيتها الدستورية عند كل اختلاف سياسي، لأن المؤسسات القوية هي ركيزة العملية الديمقراطية، وهي حصن النخب السياسية مهما اختلفت مواقعها اليوم أو غدا.


5- إذكاء روح التنازع الدستوري وفسح المجال أمام مرجعيات أخرى لحسم الخلافات، قد لا تتأطر دائما بروح الدستور أو حتى بمنطوقه، ذلك أن كثرة الطعن الدستوري في ممارسات المؤسسات دون أساس متين، قد يؤدي في النهاية إلى القبول بما هو أدنى من الدستور. وثمة يكمن الإشكال الحقيقي.
مناسبة هذا الكلام هو النقاش الدائر اليوم حول شرعية الحكومة في نسختها الثانية من عدمها، ارتباطا بإشكالية ثبوت التنصيب البرلماني من عدمه...ليس السياق سياق الخوض في الأشكال،حيث كتب المختصون وأفادوا بما يثبت أن دفوعات المعارضة غير مؤسسة وغير صلبة، سواء لارتباط التنصيب البرلماني دستوريا بالبرنامج الحكومي المصوت عليه (الفصل 88) والذي يفيد بصريح العبارة أن تصويت الأغلبية النيابية يتم لصالح البرنامج الحكومي وليس لصالح أعضائها، وهو نفس البرنامج المعتمد إلى حين ثبوت العكس. أو لاعتبار ما حدث تعديلا حكوميا وليس تعيينا جديدا، وهو أمر معمول به في مختلف التجارب، إذ لا يعقل العودة إلى البرلمان كلما وقع تعديل في الحكومة، لأن الذي سيأتي بها اليوم، يجب أن يأتي بها غدا بنفس المنطق إذا ما تقرر تعويض وزير واحد بناء على استقالة أو إعفاء.


نحن في حاجة اليوم إلى تدبير اختلافنا السياسي في إطار يحفظ لمؤسساتنا هيبتها ومشروعيتها، كما تتعاظم الحاجة إلى جعل هاجس احترام الدستور أولا وأخيرا هاجسا موحدا ومرتكزا مرجعيا، يصون الاختيار الديمقراطي كثابت جديد يغذي الأمل ويوقف نزيف الثقة في العملية السياسية.
وأخيرا، يجب أن نتذكر جميعا أن مواقعنا السياسية اليوم، ليست بالثبات الذي يدفعنا إلى تبني مواقف وأطروحات، قد نضطر إلى التخلي عنها غدا لحظة تغيير المواقع وتبادل الأدوار. إن جوهر العملية الديمقراطية قائم على تداول السلطة، فليعمل الجميع على صيانة هذا التداول قبل السعي للسلطة في حد ذاتها. لأن ضعف المناخ لن يمنح الفاعلين في النهاية إلا سلطة ضعيفة غير مؤثرة.
** نائبة برلمانية