لقاء الأغلبية ومسؤولية الخطاب

قراءة : (21)

13.10.25
محمد عصام*
 لعل المتتبع لمسار اللقاءات التى تعقدها الأغلبية بشكل اعتيادي في افتتاح السنة التشريعية، استعدادا للحظة الدستورية الهامة والمتمثلة في عرض مشروع قانون المالية، باعتباره آلية  هامة لتنزيل اختيارات البرنامج الحكومي وأجرأة أولوياته، يدرك الأهمية السياسية لمثل هذا اللقاء ذلك أنه يجسد محرارا لقياس قدرة هذه الأغلبية على نسج انسجامها لتمكين عمرها السياسي من الامتداد حتى نهايته الافتراضية.
وحيث إن كلمات السادة الأمناء العامين للأحزاب الأربعة في مثل هذه المناسبات تكشف بشكل واضح أو ضمني طراوة الود في مفاصل التحالف فإن الأهم  في مثل هذا اللقاء ليس ما يقال ولكن الأهم هو ما لم يتم قوله.


فمثلا في لقاء السنة الماضية الذي عقد عقب انتخاب الأمين العام الجديد لحزب الاستقلال الذي كان عضوا في التحالف. كانت كلمات الأمناء العامين مسكونة بهوس غير طبيعي للتأكيد وإعادة  التأكيد مدى انسجام الأغلبية استحضارا للضغط الذي مارسه الرأي العام، الذي كان يلح بشكل غير مسبوق على معرفة مدى تماسك التحالف ومدى جدية خرجات الأمين العام الجديد المشاغبة على استمراره. فكل التدخلات وبلا استثناء كانت تستجدي ثقة البرلمانيين في صدقية خطاب التماسك، رغم أن كل المؤشرات تمضي عكس ذلك، ولعل أولاها تغيب الأمين العام المثير للجدل عن مثل هذا اللقاء. ولهذا خرجت من الاجتماع بقناعة أن ما حاول الزعماء إخفاءه أهم بكثير مما حاولوا إقناعنا به. وهذا ما تأكد  مع مرور الوقت وتمايز الصفوف واتساع رقعة الاختلاف التي وصلت إلى مستوى اللاتعايش.


لقاء هذه السنة سجل تحولا مهما في خطاب القادة، ذلك أن جرعة مهمة من الواقعية لا تخطئها العين بدت واضحة في كل التدخلات. ذلك أن استحضار مرارة التجربة السابقة بكل انكسارها، رغم ما صاحبها من تفاؤل وصل إلى درجة غير سليمة من الثقة في الذات، وكأن تدبير الشأن العام أمر هين إلى درجة الاطمئنان في منعرجاته ووهاده دون استحضار إمكان الانزلاق أو الانحراف عن جادة الطريق والتنكب عن الاستمرار في مسار الإصلاح. وعليه فقد كانت تدخلات القادة في أغلب فقراتها متسمة بالحذر الشديد، وأن عمر الحكومة واستمرار التحالف رهينان بما هو موضوعي وبما هو ذاتي. إن الذاتي من شروط النجاح وجب التجند لإنجازه. وعليه فإن الأهم في هذا اللقاء هو ما لم يقله بعض القادة: وهو إن تدبير الاختلاف في نسخة التحالف السابقة كانت قاصرة، مما يستلزم بناء آليات جديدة لتطويق كل الأزمات المحتملة في ذات التحالف التي بنيت على عجل وعبر مخاض عسير كاد يعصف بوجود الحكومة ذاتها في شرط موضوعي على المستوى الداخلي والخارجي معاد لنجاح تجارب ما بعد الربيع. ومستعجل لقدوم خريفها. إننا أمام خطاب واقعي وجديد.


إن توفرت الإرادة  لتصريفه إلى آليات وإجراءات مبدعة سنكون لا محالة أمام أول شروط النجاح للوليد الجديد الذي مازال  يتلمس أولى خطواته على طريق الإصلاح الموعود.
إن أول امتحان لاختبار نوايا هذا الخطاب تبدأ من محطة قانون المالية، والبداية الأكيدة هي قدرة مكونات التحالف على التكلم بلغة واحدة، وتبني منهجية تنسيقية ذات بعد إبداعي على مستوى تجويد ما جاء به هذا القانون عبر آليات التعديل.
إن النجاح في هذه المحطة سيعطي درسا قويا للمعارضة لكي ترتقي في خطابها إلى درجة إبداع البدائل وحصار الأغلبية، بمنطق الانخراط في خندق الدفاع عن الصالح العام بدل الاحتراب على المواقع والمزايدة بالمواقف، استدرارا للتعاطف وتعميقا لأزمة الأغلبية وللحزب الأغلبي. على وجه التحديد.
ولعل أهم إكراه سيعترض هذا التوجه هو قصر الزمن السياسي المتبقي من حياة الحكومة ووفرة مواد الاستحقاق الإصلاحي الذي ينتظرها، إلى درجة التخمة، تنزيلا لمقتضيات البرنامج الحكومي. وستزداد الصعوبة أكثر بتبني المعارضة لمقاربة تستهدف هدر هذا  الزمن لصالح تكريس فشل الحكومة.  


ولعل المعركة الأخيرة لجر النقاش العمومي إلى دستورية تنصيب الحكومة والتلويح بمعارك في هذا الشأن يستبطن رغبة ليست بالجديدة  لدى المعارضة، إمعانا في فرملة الإصلاحات وهدر  الزمن السياسي في ما ليس تحته عمل كما يقول الفقهاء.
إن الوعي بهذه الإكراهات يهدف إلى بناء فعل حكومي قوي متماسك منسجم ومسنود من أغلبية برلمانية مستحضرة لمتطلبات تلاشي نصف العمر الافتراضي لإنجاز إصلاحات مهمة، أغلبية تتكلم نفس اللغة وتبتغي ذات الأهداف، وتدفن كل تناقضات الماضي خدمة للصالح العام وتفويتا لإسقاط تقلبات المحيط على الداخل، وحرصا على استدامة جو الاستقرار على نسخة المغرب في توقيعه على ربيعه، دعما لجاذبية المغرب على مستوى الطلب الخارجي.
*نائب برلماني