رحموني يكتب: الإصلاح في إطار الاستقرار: الشروط.. التحديات.. الاستجابة المطلوبة

قراءة : (43)

حول الحديث التقويمي للنموذج بعد نقاش عميق في أثناء الخلوة

13.12.06
بقلم/ خالد رحموني*
 
 الحلقة الأولى:
 تعتبر المرحلة التي يعبرها المغرب المعاصر، دقيقة وحاسمة في سياق تجربته النهضوية وتطوره الديمقراطي العام، ما يجعله يتقدم خطوات أكيدةووئيدة في سعيه الحثيث للإندراج في العصر وحيازته المكانة المتميزة له في العالم العربي، وذلك بفضل اجتراح تجربة فريدة في الإصلاح السياسي من خلال الجواب على أسئلة الربيع الديمقراطي في الكرامة والعدالة الاجتماعية والكرامة الانسانية وبسط الحريات وتأسيس عقد المواطنة وبناء الدولة الديمقراطية، جواب المغرب جاء بالتأسيس لنموذج جديد وطريق ثالث في الجواب عن تلك الاشكاليات، تجسدت أولى معالمه في نهج قائم على أطروحة الإصلاح في إطار الإستقرار .


 غير أنه بالرغم من الآمال العريضة التي تفجرت بانبثاق ذلك النموذج، فإنه لا زال يطرح عددا من الإشكاليات تتجسد في ما تمر به قضية إصلاح الدولة وإنهاض المجتمع من أعطاب وعوائق وتحديات ، تؤكد الطابع الإنتقالي للمرحلة برمتها مع ما تحب لبه من شعارات ومفردات وعناوين، وما تفرضه من تنسيب للنموذج ذاته ومحدودية لفعاليته التفسيرية ونجاعته السياسية وقدرته على إلهام التجارب الأخرى التي بها عالمنا العربي، والتي لا تزال تعاني الكثير من محاولات الانقلاب عليها بإحباطها وتعويقها ونسفها وتشكيل أحلاف ضدها لإعاقة التحول الديمقراطي داخلها لكي لا تنمو وتينع.


 ومع التأكيد على فرادة التجربة التاريخية القائمة في البلاد على التوافق الوطني العام مع المؤسسات الدستورية والسياسية والإدماج السياسي للنخب والقوى من مختلف المشارب السياسية والإصلاح المتدرج، وما يكتنفها من تميز ونظارة وما اكتسبته من رصيد اعتبار دولي وإقليمي، وما كان لها من نجاعة وفعالية سياسية في تدبير الحكم لمرحلة الربيع الديمقراطي وبكلفة سياسية أقل بكثير مما هو قائم في تجارب مجاورة، وبالرغم مما هو عالق بها من خصائص وميزات وتحديات، فإننا  يمكن مقاربة التجربة نقديا وتنسيبها ومراجعة ديناميتها إذا نحن أدرجناها في ميزان نماذج الإنتقالات الديمقراطية في عديد من الدول التي أنجزت عبورها إلى مصاف الدول المكتملة الأركان  .
ويمكن تقييم هته المرحلة والنظر إليها رفقة النموذج الذي تؤسس له،باعتبارها وضعا سياسيا مؤقتا لا يزال في مرحلة التشكل وفي طور السيولة المتدفقة، وهو لم يستو بعد، وقد تمخض هذا الوضع السياسي العام في المغرب عن محاولة تجاوز جماعية متوافق بشأنها لوضع غير مرغوب فيه، إلى أفق آخر ارتسمت فيه معالم الاصلاح السياسي للدولة، ومما كرس الطابع الانتقالي للمرحلة السياسية، هو ذلك التحول التدريجي الهادئ من نهج أسلوب تحكمي في إدارة الدولة وتدبير الشأن العام، إلى نهج أكثر انفتاحا على المجتمع وأقدر على امتصاص احتجاج الشعب وقواته المنتفضة سلميا بالتجاوب مع جملة من المطالب الاصلاحية للدولة ،


  ذلك النهج التحكمي المتحول عنه استمر لفترة طويلة نسبيا، امتد زهاء عقد ونيف من الزمن، وقد تميز في إبانه باستبعاد المجتمع و الهجوم على قواه الحية والاستعداد لاستثنائها من التأثير في دائرة اتخاذ القرار السياسي كمقدمة لآستئصالها، وتميز أيضا بنهج سياسات تكرس الهشاشة الاجتماعية والتحكم والاستبداد والفساد العمومي، والمزاوجة بين القداسة والسياسية والجاه الخادم للحكم، ليشهد ذلك الأسلوب في التدبير تغييرا ملموسا في منطق اشتغاله وإيقاعه واختياراته واتجاهاته، في سياق إقليمي مضطرب أنتج إجابات متفارقة عن أسئلة الربيع الديمقراطي، اختار من خلالها المغرب أن يستشرف أفقا مغايرا للإصلاح السياسي الشامل، تميز بسلوك إجراء عمليات تغيير تراكمي ونهج تحول سياسي هادئ وتلمس إصلاح مجتمعي وتدريجي، جنب البلاد كل العواصف التي مرت وتمر منها المنطقة العربية برمتها، والتي لا زال يتفاعل في إطارها المغرب الرسمي والشعبي .
 ومن هنا فإن هذه المرحلة الانتقالية التي تؤطر المشهد السياسي المغربي المعاصر، لها عدة جوانب متداخلة ومتكاملة في نفس الآن، يمكن إجملها في التالي :


1) زمن الانتقال : وهو يتسم بالفترة الزمنية المحدودة للانتقال السياسي، الى الوضع الديمقراطي والمؤسساتي الطبيعي، والمحددة بأفق مضبوط غير مطاط أو رخو، هته الفترة يجب أن لا يسمح فيها بالفراغ السياسي والمؤسساتي والتدبيري.


2)رصد مجمل للوضع العام القائم والموجود : وهو يتسم بحالة للتدبير والتسيير للشأن العام غير مرغوبة ومتجاوزة وبئيسة على مستوى أساليب التسيير وصناعة القرار، إلا أنها مع دوامها تتمتع بقدر كبير من الرسوخ واكتسبت مع الزمن وتكلس النخب وثقافتها السياسية تقاليد وأنماطا في التدبير مكن لها ولرموزها، وجعل لها من سلطة الأمر الواقع ما مكنها من الانغراس والثبات ومراكمة المصالح والمكاسب والعلاقات، الشيئ الذي لا يجب القفز عليه –من حيث الإدراك والوعي بحجم رسوخه وتجذره، كما لا يجب الاستسلام له وعدم نهج سبيل المقاومة السياسية الذكية له، ولكن يجب اعتباره بما يشير إليه من معطيات يجب التعامل معها.


3)  عملية التحول الديمقراطي والمخاض السياسي الآمن، أو محاولة إيجاد ممر سالك لتأمين الانتقال: إن عملية التحول الديمقراطي الجارية في مغرب اليوم أشبه ما تكون بالعملية الجراحية الدقيقة التي تحتاج إلى مشرط معقم وتستلزم مهارة عالية في إدارة التحول بأدنى الأضرار وبأقل الخسائر وبأعلى المنافع وبأعمق المصالح وأوثقها، فتأمين عملية التحول الديمقراطي والبناء المؤسساتي التي تمنع الدولة والمجتمع من إمكانية الارتداد تعد من أهم القضايا والمسائل التي يجب التفكير فيها والوعي بها ومباشرة الالتزام بمقتضياتها السياسية والمؤسساتية والدستورية .


فالانتقال من المقاومة السياسية للتراجع الديمقراطي، إلى تأمين المسار الإصلاحي الديمقراطي والاستقرار السياسي في البلد، تطلب مباشرة العمل من موقع قيادة الاصلاح السياسي من موقع السلطة التنفيذية المتحصلة عقب استشارة انتخابية غير مسبوقة في البلد أهلت العدالة والتنمية لتصدر المشهد السياسي من خلال العمل على التدبير السلس والتسيير الاعتيادي للمرافق العامة للدولة وفقا للمرجعية الدستورية المعطاة والمستفتى حولها في يوليوز 2011 استجابة للحراك الشعبي الذي أطلقته الدينامية السياسية لحركة 20 فبراير.. كل ذلك تم أخذا في الاعتبار عناصر الملائمة السياسية مع معطيات المرحلة مع القدرة على ممارسة الإصلاح السياسي والتدبير الحكومي بالتماس أسلوب المرونة اللازمة في التعامل مع المعطيات المتغيرة للوضع العام، والذكاء الواجب في تدبير الزمن وانجاز مهمات الإصلاح التدريجي للوضع الاسن والمتعفن، في ظل تفاعل حيوي بين الأطراف السياسية والاجتماعية المختلفة، وفق أصول يقررها الحدث السياسي ذاته بمعطياته وأولوياته وأهدافه القريبة والبعيدة، في الدفع بمسلسل الإصلاح والتغيير الشامل، ويحدد عناصر الإنطلاق  الواعد إلى تدشين المسار الديمقراطي الأعلى النموذجي والمرغوب لمغربنا الحبيب .


إن عملية الاستشراف الواعد للأفق الديمقراطي وللوعد الإصلاحي للدولة والمجتمع، تستلزم اقترانها الصميم بعملية اقتراح وإبداع البناء البديل للنموذج السائد، وذلك دفعا لدينامية الانتقال الديمقراطي من حال الأمر الواقع التسلطي إلى وضع التحول الديمقراطي للحكم الرشيد المقصود والمنشود.
تنبع أهمية وخطورة هذه المرحلة الانتقالية، إذن، والتي نكابد صعوباتها وتقلباتها وصراعاتها وتردداتها وممكناتها،،، بأنها تشكل مسار حركة التحويل الديمقراطي للدولة ما بين التدبير القديم والعتيق لصناعة القرار داخلها ولازدواجيته من جهة، وبين الاسلوب الجديد في اقتسام السلطة وعقلنتها ومأسسة القرار داخل بنياتها ومؤسساتها من جهة أخرى، حتى تصير أكثر انفتاحا وديمقراطية، فهذه السيرورة التاريخية في حجمها ودلالتها من الاصلاح السياسي والمؤسساتي للدولة تشهد عمليات متكاملة ومتدرجة ومتزامنة ومتوازية تتأرجح بين ديناميتي الهدم والبناء .
*عضو الأمانة العامة ورئيس قسم التأطير العام لحزب العدالة والتنمية
يتبع..