التليدي يكتب: في الأولويات الخمس لسنة 2014

قراءة : (27)

13.12.26
نشرت جريدة التجديد مقالا في افتتاحية عدد الخميس 26 دجنبر 2013 للكاتب الصحفي بلال التليدي بعنوان: " في الأولويات الخمس لسنة 2014"، هذا نصه
 مع حلول رأس السنة تتحرك عملية تقييم حصيلة السنة في مختلف الجوانب،  ويتم تسليط الضوء على أهم الأحداث والتحولات التي عرفها المغرب، ويحاول بعض المحللين أن يبحثوا عن العناوين التي تطبع هذه السنة.
والحقيقة أن هذا الجهد الوصفي والتحليلي الذي يركز على مدخل التقييم  مهم ومفيد، لكن الأهم منه هو استثماره لتحديد الأولويات التي ينبغي أن يتم الاشتغال عليها في السنة المقبلة، وترسيخ تقاليد منهجية تربط بين رصد الحصيلة وتقييمها وبين جهد الاستشراف  واستخلاص العناوين الكبرى التي يلزم التركيز عليها في المرحلة المقبلة.
والتقدير، بناء على التقييم الشامل لحصيلة الأحداث والمبادرات والتحولات التي عرفها المغرب  في سنة 2013 أن تحقيق عنصر التراكم في اتجاه متقدم في سنة 2014، يفترض أن يتم التركيز في سنة 2014 على الأولويات الآتية:


1 ـ الأولوية الاستراتيجية، وذلك بتحصين المكتسبات التي حققها المغرب على المستوى الدبلوماسي، ومضاعفة جهوده في التمدد الجيوسياسي في إفريقيا، وإيجاد صيغ من التوازن في العلاقة مع الدول الكبرى لاسيما فرنسا والولايات المتحدة الأمريكية  في سعيهما نحو إفريقيا، والمحافظة على المستوى العالي من العلاقات مع إسبانيا، والاجتهاد في إحداث اختراقات في محاور خصوم الوحدة الترابية سواء في إفريقيا أو أمريكا اللاتينية، ورفع درجة اليقظة لمواجهة التشويش الذي يتوقع أن يزداد حجمه من قبل خصوم الوحدة الترابية لاسيما في ملف الهجرة الذي  فاجأ المغرب فيه الجميع حين قدم مبادرته لتسوية وضعية المهاجرين القانونية  وإدماجهم.


2 ـ الأولوية الاقتصادية، وذلك بالتقدم خطوات إضافية في القطع مع النموذج التنموي السابق الذي أبرزت الكلفة الطاقية المرتفعة وآثار الأزمة الاقتصادية والتغيرات المناخية محدوديته، بحيث أصبح من الضروري أن يتم الرهان على استكمال عناصر النموذج التنموي الجديد القائم على تطوير الصناعة والتوجه إلى الطاقات المتجددة واقتصاد الخدمات واستثمار وضعية المغرب وجاذبيته لاستقبال أوسع قدر من الاستثمارات الكبيرة والتقليل من ارتهان الفلاحة إلى المتغيرات المناخية.


3  ـ الأولوية السياسية، وذلك بالتخفيف من الاحتقان السياسي بين الأغلبية والمعارضة، والوعي بخصوصية المرحلة الانتقالية وما تتطلبه من استحضار منطق التوافق أكثر من  منطق المغالبة السياسية، والمرور إلى السرعة القصوى لجعل ولاية هذه الحكومة آخر سقف لتنزيل الدستور والتأسيس للمرحلة السياسية الطبيعية، وإيجاد صيغة متوازنة للعلاقة بين الديمقراطية التمثيلية والديمقراطية التشاركية بالشكل الذي ينهي صراع القوة بين الحكومة والمعارضة والمجتمع المدني، ويجعل أدوار هذه الفاعلين الثلاثة متكاملة تصب في خانة دعم الخيار الديمقراطي وتعزيز دولة الحق والقانون.


4  ـ الأولوية الاجتماعية، وذلك بإيجاد صيغة لتحريك الحوار الاجتماعي والتوصل إلى تفاهمات أساسية تنهي التوتر  على خلفية تباين التصور حول مفهوم الإضراب وارتباط الأجر بالعمل وعلى خلفية التوظيف المباشر وموضوع  توظيف أصحاب المحضر، وتقريب الشقة  بين رؤية الحكومة ورؤية النقابات لتطبيق اتفاق 26 أبريل، ومشاركة الفاعل الاجتماعي في القرارات الإستراتيجية التي تخص إصلاح صندوق التقاعد والمقاصة وغيرها من القضايا ذات الارتباط.


5  ـ الأولوية التربوية والقيمية، وذلك بالاعتكاف على إيجاد مداخل حقيقية لإصلاح منظومة التربية والتكوين والانطلاق من الرصيد المرجعي المتوفر للبناء على التوافقات السابقة لاستشراف توافقات جديدة مبنية على قاعدة الوثيقة الدستورية التي حسمت في العديد من  النقاط ذات الارتباط بالمسألة اللغوية، وفتح حوار وطني على غرار  الحوار الوطني لإصلاح منظومة العدالة يشارك فيه كل  المتدخلين لاسيما الصانع الأساسي للعملية التربوية (الأستاذ والمدرس)  وبلورة خيارات إستراتيجية للنهوض بالتعليم يضطلع بصياغتها المجلس الأعلى للتربية والتكوين والبحث العلمي، وتجتهد السياسات العمومية في تنزيلها.


هذا على المستوى التربوي، أما على المستوى القيمي، فيفترض أن يتم دعم رؤية المغرب الوطنية لموضوع حقوق الإنسان، وعدم إضعافها دوليا بإسناد بعض الحكومات والمنظمات الدولية الغربية التي تضغط على المغرب لإجباره على رفع تحفظاته على 8 توصيات ترتبط  أغلبها بالثوابت الدينية والمعيارية للمجتمع المغربي، كما يفترض الانتباه إلى خطورة التحولات القيمية التي تهدد النسيج المجتمعي، وإعداد الرؤى الإستراتيجية لحماية الناشئة،  والمحافظة على الرأسمال القيمي والأخلاقي الذي لا محيد عنه في أي عملية للنهوض.


أما ما عدا ذلك، فإن صورة المغرب المتعدد الضارب بجذوره في  الانتماء إلى  الأمة، والمنفتح على جواره، والمتفاعل مع مختلف الثقافات، فإنها تتطلب  مزيدا من الدعم  والتعزيز حتى تصير مصدر إشعاع تستثمر عائداته في تمتين الاشتغال على الأولويات السابقة.