بروحو: المجلس الدستوري يوجه درسا قاسيا للمعارضة

قراءة : (129)

14.01.02
بقلم/ عبد اللطيف بروحو*
وجه المجلس الدستوري صفعة قاسية للمعارضة بموجب قراره الأخير رقم 931 بتاريخ 31 دجنبر 2013، وذلك في إطار بتّه في الطعن الذي قدمته المعارضة ضد قانون المالية 2014، والذي أقر فيه بدستورية جميع مواد القانون المالي المذكور، وبصحة المسطرة التشريعية المعتمدة على مستوى مجلس النواب في إطار قراءته الثانية لهذا المشروع.
كما حسم المجلس الدستوري بشكل قاطع ونهائي في الجدل الذي أثير من قبل المعارضة منذ 10 أكتوبر الماضي بخصوص التنصيب البرلماني للحكومة، وأكد أيضا في هذا القرار على مجموعة من القواعد المتعلقة بالعمل البرلماني.
وفي هذا السياق لقَّن المجلس الدستوري للمعارضة البرلمانية درسا قاسيا في قواعد العمل البرلماني وفي ممارسة المهام المنوطة بها دستوريا، وختم قراره المذكور بعبارة تغني عن كل تعليق، معتبرا أن مذكرة الطعن التي قدمتها المعارضة "لا تنبني على أساس دستوري صحيح"، وهي عبارة تلخص ما جاء في القرار المذكور، خاصة وأن عريضة الطعن جاءت مبنية على معطيات غريبة لا علاقة لها بقانون المالية وبأسسه الدستورية.
وإذا كان القرار السابق المجلس الدستوري، رقم 929 والمتعلق بدستورية النظام الداخلي لمجلس النواب، قد وضَّح مجموعة من قواعد العمل البرلماني على مستوى التشريع والرقابة والعلاقة بين البرلمان والحكومة وحقوق المعارضة، فإن القرار الأخير جاء ليوضّح قواعد أخرى لا تقل عنها أهمية، وتضع حدّاً للضجيج وللجدل العقيم الذي أثارته المعارضة منذ أكتوبر الماضي.
 
أسس الطعن في دستورية القوانين:
إن الحيثيات التي تضمنها قرار المجلس الدستوري تثير بما لا يدع مجالا للشك موضوع الأسس الدستورية لأي طعن في القانون المصادق عليه من قبل البرلمان، وعندما يصف المجلس الدستوري طعن فرق المعارضة بأنه "لا ينبني على أساس دستوري صحيح"، فهذا يعني أن أي طعن في دستورية القوانين يجب أن ينبني أولا وقبل كل شيء على الأسس الدستورية، كي لا تصبح هذه الآلية الديمقراطية أسلوبا لتمييع الإجراءات القانونية داخل البرلمان أو تصبح أسلوبا للاستهداف بين المعارضة والحكومة، ولكي لا يطغى الجدل السياسي العقيم والفارغ على الأسس والقواعد القانونية لعمل المؤسسات الدستورية الرئيسية بالبلاد.
فالملاحظ خلال السنتين الماضيتين أن المعارضة البرلمانية لم تكن تملُّ من اتهام الحكومة أو الأغلبية البرلمانية بخرق الدستور وبالتضييق على المعارضة، وجاءت العديد من قرارات المجلس الدستوري خلال سنة 2013 لتفنِّد هذه الادعاءات، إلا أن فرق المعارضة لم تكن تتعلم من أخطائها، ولم تستوعب وضعيتها الجديدة ولا مهامها الدستورية الملقاة على عاتقتها، واستمرت بالتالي في العزف على نفس الوتر القديم والمهترئ.
وجاء هذا القرار ليؤكد أن المعارضة لم تكن لها أية مستمسكات قانونية ودستورية للطعن في وضعية الحكومة أو في دستورية قانون المالية 2014، ولعل المجلس الدستوري بهذه العبارات الحاسمة ينبهها لهذا الأمر ويلقنها دروسا قانونية في استيعاب القواعد الدستورية للعمل البرلماني ولوضعيتها في ظل أحكام الدستور الجديد.
ولم تقتصر "دروس" المجلس الدستوري الموجهة للمعارضة على خاتمة القرار وخلاصاته، وإنما تم التأكيد عليها في حيثياته المختلفة، وخاصة المتعلقة بالخلط بين قانون المالية وقانون التصفية، وبالطبيعة التحضيرية للّجان الدائمة لمجلسي البرلمان، وكذا مسألة التنصيب البرلماني للحكومة، وهي الأمور التي تعتبر فضيحة غير مسبوقة للمعارضة أخلاقيا وسياسيا وقانونيا.
 
أولا: الحسم في مسألة التنصيب البرلماني للحكومة
إن هاته المعارضة، التي ابتُلِيَ بها البرلمان المغربي، أقامت الدنيا ولم تقعدها منذ 10 أكتوبر الماضي بسبب مطالبتها بإعادة التنصيب البرلماني للحكومة بعد تعديلها واستندت في ذلك على الفصل 88 من الدستور.
وقد استغربنا حينها لمطلبها هذا وناقشناها قانونيا وعلميا، مبيِّنين أن التنصيب البرلماني وفق أحكام الدستور الجديد يكون عند تشكيل حكومة جديدة عقب انتخابات برلمانية أو عقب استقالة رئيس الحكومة وتعيين رئيس حكومة جديد وتقديم برنامج حكومي جديد، وطالبناها حينها بإعادة قراءة فصول الدستور للتأكد من هذا المعطى الأساسي والواضح.
وأكدنا أيضا أن ما عرفته الحكومة خلال أكتوبر الماضي هو تعديل حكومي موسع وازته إعادة هيكلة جزئية لبعض القطاعات الوزارية، وذلك في إطار أحكام الفصل 47 من الدستور وليس الفصل 88 كما ادعت المعارضة.
إلا أن فرق المعارضة بالبرلمان أصرت على موقفها الغريب، ومارست أشكالا احتجاجية غير مسبوقة، وبقيت تلوك نفس الخطاب بمناسبة مناقشة قانون المالية 2014 بمجلسي البرلمان، ووصل بها الأمر إلى حد الطعن في دستورية قانون المالية أمام المجلس الدستوري لهذا السبب.
ورغم أن المجلس الدستوري كان بإمكانه الحسم في عدم وجود أية علاقة بين التنصيب البرلماني للحكومة وبين دستورية قانون المالية، على أساس أن فحص القانون المذكور يكون بالتثبت بعدم مخالفة مواده للدستور ولا يمتد ذلك عادة لما سوى ذلك، إلا أن المجلس الدستوري تطرق بتفصيل لمسألة التنصيب البرلماني التي أثارتها المعارضة وملأت الدنيا ضجيجا بها، وحسنا فعل لكي يتم حسم هذا الجدال بشكل نهائي وقاطع.


وجاءت حيثيات قرار المجلس لتؤكد صواب موقفنا السابق وقانونية وضعية الحكومة بأغلبيتها الجديدة، وفصَّل المجلس الدستوري بشكل دقيق وواضح في مسألة التعديل الحكومي وتغيير الأغلبيات البرلمانية وعلاقته بالبرنامج الحكومي وبالالتزامات السياسية المترتبة عنه، وأكد بالتالي أن ما حدث يوم 10 أكتوبر الماضي هو تعديل حكومي لا يحتاج لأي تنصيب برلماني جديد.
وأكد المجلس الدستوري على قاعدة هامة جدا تتعلق بهذا المجال، بحيث اعتبر أن التنصيب البرلماني يهم البرنامج الحكومي وليس تركيبة الحكومة والقطاعات الوزارية التي يمكن أن تتغير دون أن تسبب أي إشكال للوضع القانوني للحكومة.
واعتبر بالتالي أنه فقط في حالتَيْ إعفاء الحكومة نتيجة استقالة رئيسها أو تقديم برنامج حكومي جديد يتعين التقدم بتصريح أمام البرلمان وحيازة ثقة مجلس النواب بتصويت جديد وبتنصيب برلماني جديد.
أما حالات التعديل الحكومي، وبغض النظر عن حجمه أو عمليات إعادة هيكلة القطاعات الوزارية المرتبطة به، فلا تتطلب أية إعادة للتنصيب، وذلك خلافا لما كانت تطالب به المعارضة، وهذا الحسم يوضّح بجلاء جوهر القاعدة الدستورية المتعلقة بتنصيب الحكومة.
ومن جانب آخر فقد فصلت حيثيات القرار في الدور الذي يجب أن تلعبه المعارضة في سياق هذا التعديل الحكومي وفي ظل نفس البرنامج الحكومي، ولقَّنها درسا قانونيا بخصوص مهامها السياسية والدستورية، وذكَّرها بالأحكام والمقتضيات التي تسمح لها بممارسة هذه المهام، وهو درس قاسٍ يتعين على المعارضة أن تستوعبه جيدا وتلتفت بالتالي لمهامها ولأدوارها الدستورية عوض محاولة عرقلة عمل الحكومة والانغماس في مهاجمة الأغلبية ومحاولة الاستيلاء على حقوقها الدستورية.
 
ثانيا: الطبيعة التحضيرية للجان البرلمان
كانت هذه المسألة من بين مجالات النقاش داخل مجلسي البرلمان، وخاصة فيما يتعلق بالقوة القانونية لاجتماعات اللجان وبطبيعة أشغالها، وجاءت حالة لجنة العدل والتشريع بمجلس النواب لتعيد إثارة هذا الموضوع، خاصة وأن دخول حزب التجمع الوطني للأحرار للحكومة جعل فريقه البرلماني ضمن فرق الأغلبية، وبالتالي لم يعد بإمكانه الاستمرار في رئاسة هذه اللجنة التي يمنح الفصل العاشر من الدستور رئاستها للمعارضة.
وقد حرص مكتب اللجنة المعنية على عدم رئاستها من قبل رئيسها السابق في انتظار منح الرئاسة لأحد ممثلي فرق المعارضة، وعند التصويت داخل هذه اللجنة على الميزانيات القطاعية كانت الرئاسة قد انتقلت فعليا للمعارضة ولم يبق أي إشكال في المسطرة التشريعية داخل مجلس النواب على هذا المستوى.
إلا أن المعارضة أصرت على حشر هذا الأمر ضمن عريضة طعنها في قانون المالية 2014، وكانت دفوعاتها فارغة بهذا الخصوص، وحاولت رغم ذلك التشكيك في قانونية المسطرة التشريعية داخل البرلمان انطلاقا من هذه الجزئية الهامشية التي لا علاقة لها بقانون المالية من أساسه.
وجاء قرار المجلس الدستوري ليؤكد جهل المعارضة بأبسط القواعد الدستورية على هذا المستوى، وأعطاها دروسا في القواعد الأساسية لمسطرة التشريع داخل البرلمان، مؤكدا أن عمليات التصويت جرت داخل هذه اللجنة تحت رئاسة المعارضة، بما يجعل الأمر موافقا للفصل العاشر من الدستور.
وانطلاقا من صريح الفصل 80 من الدستور الذي يجعل أشغال اللجان ذات طبيعة تحضيرية فقط، فقد أكد المجلس الدستوري أن رئاسة اللجان في أصلها تعتبر شأنا نيابيا ولا تؤثر بأي حال من الأحوال في دستورية المساطر التشريعية داخل البرلمان.
 
ثالثا: ضبط المسطرة التشريعية بين مجلسي البرلمان
تعتبر هذه النقطة من بين أهم المحاور المتعلقة بالتطبيق السليم للدستور وممارسة المؤسسة التشريعية لمهامها واختصاصاتها بشكل مطابق لمضمون الفصل 84 من دستور 2011، فمجلس النواب أصبح الغرفة الأساسية المكلفة بالتشريع، وله سلطة البت النهائي في مشاريع ومقترحات القوانين بما فيها مقترحات أعضاء مجلس المستشارين (باستثناء القانون التنظيمي المتعلق بمجلس المستشارين نفسه، والذي يحتاج لاتفاق بين المجلسين على نصه الموحد).
فقد تم التصويت في مجلس المستشارين على مشروع قانون المالية 2014 بشكل غريب وصادم أثار اندهاش جميع المتتبعين، بحيث أدخل المجلس عشرات التعديلات على المشروع حتى دون موافقة الحكومة، وصوت على هذه التعديلات بالأغلبية العددية التي تمتلكها المعارضة هناك، وصوت أيضا بالإيجاب على عدد كبير من المواد، ليقوم في نهاية المطاف بالتصويت بالرفض على مشروع القانون المالي برمته؟؟؟؟
وعلى إثر ذلك تمت إحالة المشروع على مجلس النواب من أجل القراءة الثانية، متضمنا جميع التعديلات التي صوت عليها مستشارو الغرفة الثانية، لكنه يتضمن بالمقابل عبارة: "مشروع قانون المالية كما عدَّله ورفضه مجلس المستشارين"، وهي عبارة أثارت استغراب واستهجان الجميع بمن فيهم فرق المعارضة التي صوتت عليه في الغرفة الثانية للبرلمان.
وطرح آنذاك إشكال حول هاته الصيغة ومدى مطابقتها للدستور، وأثير نقاش قانوني عميق داخل لجنة المالية بمجلس النواب حول هاته الصيغة التي وردت من مجلس المستشارين وحول النص بمضامينه وبمجموع مقتضياته.


وهنا يمكن القول بأن قرار المجلس الدستوري قد حسم الشكل الدستوري للمسطرة التشريعية بين مجلسي البرلمان من جهة، ودقَّق في شكليات التصويت وفَصَل بشكل منهجي بين التصويت الجزئي على المواد وبين التصويت الإجمالي الذي يقع على النص برُمَّته، وهي قواعد مهمة ستمكّن من تجاوز عدد من الإشكالات المسطرية مستقبلا داخل المؤسسة التشريعية وفي علاقتها بالحكومة.
فبخصوص الإحالات بين مجلسي البرلمان، ذكَّر القرار أنه طبقا للفصل 84 من الدستور فإن المشروع أو المقترح المحال من مجلس لآخر من مجلسي البرلمان يحتِّم دراسته ومناقشته والتصويت عليه بالشكل الذي أحيل عليه، وذلك بغض النظر عن شكل هاته الإحالة وطريقة التصويت على النص موضوعها.
ومن جهة ثانية، أعطى المجلس الدستوري تفسيرات إضافية تتعلق بطريقة التصويت على مشروع قانون المالية استنادا إلى مقتضيات القانون التنظيمي للمالية الذي يستمر العمل به لحين ملاءمته مع الدستور (باستثناء المواد المخالِفة صراحة للدستور الجديد)، وميز بالتالي فيما يتعلق بالآثار القانونية بين التصويت الكلي والإجمالي على مشروع القانون برمته، وبين التصويت الجزئي على مواد المشروع بما يجعل أحكام هذه المواد والتعديلات الواقعة عليها صحيحة وقائمة بذاتها بغض النظر عن نتيجة التصويت على مشروع القانون برمته، وهو اجتهاد جديد بهذا الخصوص وجدير بالدراسة والتحليل.
وهنا اعتبر المجلس الدستوري أن التعديلات التي تمت مناقشتها بمجلس المستشارين تبقى قائمة رغم رفض المشروع برمته من قبل ذاك المجلس، وفسح المجال خلال القراءة الثانية بمجلس النواب أمام دراستها وتعديلها والتصويت عليها، وذلك تأسيسا على أحكام الدستور ومقتضيات المادة 36 من القانون التنظيمي للمالية التي تسمح للحكومة بنقل جميع التعديلات التي تقدمت بها أو التي قبلتها، لمجلس النواب خلال القراءة الثانية، بغض النظر عن نتيجة التصويت عليها.
فهذه الأحكام ستمكِّن لا محالة من توضيح دقيق للمسطرة التشريعية في جزء كبير منها بين مجلسي البرلمان، خاصة وأن النظامين الداخليين لمجلسي البرلمان لا يسمحان بالتفصيل في هذه المسطرة، مما يؤدي لملء فراغ دستوري على هذا المستوى.


وإذا كانت المعارضة قد حاولت استغلال هذا الفراغ الدستوري في العلاقة بين مجلسي البرلمان في حالة رفض مجلس المستشارين للمشروع المحال عليه من مجلس النواب، فإنها أخفقت في صياغة مذكرة طعنها على هذا المستوى، مما جعلها تحشر نفسها في جزئية هامشية تتعلق فقط بمادة جديدة تم تقديمها في مجلس المستشارين، في حين أن الأهم هنا هو ضبط المسطرة التشريعية برمتها بين مجلسي البرلمان.
وبالموازاة مع تأكيد قرار المجلس الدستوري على سلامة المسطرة التشريعية في مواجهة ادعاءات المعارضة، فقد تضمنت حيثيات قراره معطيات هامة تفسح المجال أمام إقرار قواعد واضحة للعمل التشريعي على هذا المستوى، بحيث أكد على الحق المطلق للحكومة ولأعضاء مجلسي البرلمان بتقديم التعديلات على مقترحات ومشاريع القوانين (وضمنها مشروع قانون المالية)، في كلا مجلسي البرلمان، وبغض النظر عن النص المحال من كل مجلس على المجلس الآخر.
وهنا يتم فقط الاحتكام لمقتضيات النظامين الداخليين لمجلسي البرلمان فيما يتعلق بشكليات التعديلات المقدمة، وآجال المناقشة والتصويت عليها داخل اللجن وفي الجلسات العامة.
 
رابعا: التمييز بين قانون المالية وقانون التصفية
يعتبر الطعن المقدم من قبل فرق المعارضة فضيحة لا مثيل لها على هذا المستوى، فقد ادعت المعارضة في طعنها أن وزارة المالية تقوم بعملية المقاصة بين الموارد والنفقات العمومية فيما يخص الإرجاعات الضريبية (وهو أمر يمنعه القانون التنظيمي للمالية في مادته التاسعة) وأكدت بالتالي أن قانون المالية لا يتضمن أي فصل يتعلق بهاته الإرجاعات التي تعتبر نفقات جبائية يتم تنفيذها خلال السنة المالية.
إلا أن عريضة الطعن تعود لتتناقض مع نفسها في نفس البند، وتعترف صراحة أن الحكومة تخصص فعلا فصلا في الميزانية العامة يتعلق بهاته الإرجاعات لكنها لا تحترم سقف النفقات المخصصة لها؟؟؟
ومن جهة ثانية تقوم المعارضة في نفس عريضة الطعن وفي نفس المحور داخلها بالاستناد على حصيلة تنفيذ القانون المالي لسنتي 2009 و2010 لتبرير ادعائها بخرق قانون المالية 2014للدستور؟؟؟
فالفضيحة الأولى في موقف المعارضة تتعلق بالأساس بالخلط الفظيع بين قانون المالية وقانون التصفية، والفرق بينهما شاسع، ونستغرب هنا لهذا السقوط في هذا الخلط غير المقبول علميا وقانونيا وأكاديميا، في ظل وجود أساتذة القانون وأطر محترمة ضمن فرق المعارضة؟؟؟
وقد لقَّن المجلس الدستوري فرق المعارضة درسا قاسيا على هذا المستوى، وأعاد على مسامعها قواعد التمييز بين القانون المالي الذي تحكمه مقتضيات قانونية ودستورية خاصة، وتنفيذ الميزانية الذي يرتبط بقانون التصفية الذي يختلف جذريا في أحكامه وقواعده القانونية والدستورية.
وبمقابل ذلك تواجه فرق المعارضة فضيحة ثانية تتعلق بخلطها أيضا بين تقديرات ميزانية 2014 وبين تنفيذ ميزانية 2009 و2010؟؟؟خاصة وأن قانوني التصفية المتعلقين بهاتين السنتين قد تم تقديمهما للبرلمان قبل سنوات، وتمت المصادقة عليها داخل مجلسي البرلمان من قِبل هذه الفرق التي تطعن الآن في مضامينها.


فأين كانت فرق المعارضة الحالية آنذاك؟ ولماذا لم تثِر هذا الادعاء حينها، علما أن الاستقلال كان يترأس آنذاك الحكومة التي كانت تضم أيضا الاتحاد الاشتراكي كطرف أساسي داخلها؟
وكيف يعقل أن يتم الطعن بعدم دستورية قانون المالية 2014 بسبب خلل تدعي المعارضة أنه شاب تنفيذ ميزانية 2009 و2010؟؟؟
إنه لأمر عجيب أن يصل مستوى المعارضة لهذه الدرجة من الجهل بالدستور الذي يحدد القواعد الأساسية لقانون المالية وقانون التصفية، والجهل أيضا بمقتضيات القانون التنظيمي لقانون المالية الذي يميز بوضوح بين قانون المالية السنوي وقانون التصفية، ويفرد لكل منهما أحكامه ومساطره وقواعده الخاصة.
وهنا يحق لنا التساؤل حقيقة عن مستوى هذه المعارضة التي تصر على توريط نفسها في كل مرة في إشكالات جديدة، تكشف بها عن هزالة مستواها السياسي والقانوني، وتعبر بها عن ضعفها وعدم قدرتها على ممارسة مهامها وواجباتها الدستورية.
ولعل الدروس التي تضمنتها حيثيات قرار المجلس الدستوري المذكور تغني عن كل تعليق، خاصة وأن مضامينه تعيد التأكيد على سلامة العمل الحكومي والبرلماني، وعلى صحة اشتغال المؤسسات الدستورية، وبالمقابل توجه صفعة أخرى لفرق المعارضة التي طعنت في قانون المالية 2014، ويتعلق الأمر بالفريق الاستقلالي، وبالفريق الاشتراكي، وفريق الاتحاد الدستوري.
إن المجلس الدستوري بهذا القرار يكون قد بيَّن شكليات تطبيق النص الدستوري على مستوى مساطر التشريع وخاصة على مستوى قانون المالية (وهي ذات طبيعة عامة تطال مشاريع ومقترحات القوانين جميعها)، ووضَّح العلاقة بين مجلسي البرلمان ودور اللجان الدائمة على المستوى التشريعي.
وبمقابل ذلك لقَّن المعارضة دروسا هامة في استيعاب أحكام الدستور الجديد، وكأنه يدعوها ضمنيا للتركيز على ممارسة مهامها الدستورية تشريعيا ورقابيا، عوض التورط في كل مرة في افتعال المناوشات الفارغة التي تسيء إليها أكثر مما تسيء للعمل البرلماني برمته.
*متخصص في العلوم الإدارية والمالية العامة