ماء العينين تكتب: حوار الإسلاميين والعلمانيين.. الحتمية المؤجلة

قراءة : (21)

 14.01.06
بقلم/ أمينة ماء العينين*
يبدو أن الضحية الأكبر لسنة 2013 هو الحوار وثقافة الاختلاف وتدبير التعددية. وبالعودة إلى مرحلة الجزر التي عرفها الربيع العربي، يمكن الوقوف على المأزق الحقيقي الذي تعيشه ثقافة الحوار، خاصة بين الطرفين الأساسيين في العملية السياسية: الإسلاميون والعلمانيون. حتى إن أخطر ما خلفه تعطيل الآليات الديمقراطية لتدبير الاختلاف والتعايش معه هو التواطؤ الكبير الذي أبداه اتجاه واسع من العلمانيين، مع أساليب مغرقة في اللاديمقراطية عادت بالعالم العربي حقبا إلى الوراء، لمجرد تحقيق انتصارات ظرفية صغيرة تزيح خصومهم من الإسلاميين من مواقع السلطة التي حملتهم إليها صناديق الاقتراع. حتى إننا وصلنا في مرحلة ما بعد الربيع الثائر على السلطوية والاستبداد، إلى التطبيع النفسي والسياسي مع الانقلاب العسكري، وعودة العسكر بقوة إلى إدارة العملية السياسية أو بالأحرى اغتيالها، أو الالتفاف في حالات أخرى بأشكال متعددة على نتائج العملية الديمقراطية، لكون نتائجها لم تستجب لميول فصيل سياسي لا يملك بالضرورة امتدادا شعبيا، غير أنه يعرف كيف يستقوي بمراكز نفوذ داخلية وخارجية لا تضع إرساء مبادئ الديمقراطية على أجندة أولوياتها.


الخطأ الأكبر الذي نرتكبه في بلدان حديثة العهد بالممارسة الديمقراطية، هو تعطيل آليات الحوار المجتمعي الضروري لجسر الهوة، الذي تأكد اليوم أنها عميقة بين الإسلاميين والعلمانيين، والاستعاضة عن ذلك في سياق حرق المراحل بالاحتكام مباشرة إلى صناديق الاقتراع لتحسم خلافاتنا المزمنة. الإسلاميون استقووا بعمقهم الشعبي وتفوقهم الانتخابي، وهو ما يغنيهم حسب هذا التصور عن تعميق الحوار مع الفصيل العلماني الذي لا يختلف معهم، بقدر ما يرفض وجودهم من حيث المبدأ. في حين، لجأ العلمانيون إلى التحالف الانتحاري مع القوى المحافظة الرافضة للإصلاح في الداخل والخارج، مضحين بالديمقراطية التي قد تحمل اللاديمقراطيين حسب تصورهم، إلى مراكز القرار. الخاسر الأكبر في هذه المعادلة هو الإصلاح، والفائز الأكبر هو الجمود والفساد.


صار لزاما في الوضع الذي وصلنا إليه اليوم أن يؤمن الإسلاميون والعلمانيون معا، بالحاجة القائمة إلى مرحلة انتقالية يؤجل فيها الاحتكام إلى الصناديق لحل الخلافات، ويعمق فيها الحوار والنقاش، حتى نرتقي بوعينا الجماعي إلى مرحلة قبول كل طرف بوجود الآخر باعتباره مكونا أساسيا لا يمكن إقصاؤه أو مصادرة حقه في الوجود لمجرد الاختلاف معه.
لقد تبث للعلمانيين أن الإسلاميين قوة شعبية كبيرة وممتدة. كما تبث للإسلاميين أن العلمانيين غير مستعدين للقبول بالعملية الديمقراطية إن كانت ستحمل أعداءهم إلى مواقع القرار. النتيجة هي ما نعيشه اليوم من إجهاض لآمال الأجيال التواقة للتحرر من نير القهر والاستبداد. لم يعد مقبولا اليوم من الطرفين معا تعميق الخلافات، ونهج أساليب الاستفزاز وردود الأفعال والإقصاء و الاستعلاء. إنها السبيل الأقصر إلى الفتنة وإقبار مشاريع التحرر والديمقراطية والتنمية. وتبقى الأوطان الجريحة الخاسر الأول والأخير في صراع لا غالب فيه ولا مغلوب.
*نائبة برلمانية