حامي الدين يكتب: مصر الثورة.. ومصر الانقلاب

قراءة : (45)

   14.01.11

نشرت جريدة القدس العربي في عدد الخميس 9 يناير 2014 مقالا للباحث في العلوم السياسية عبد العلي حامي الدين بعنوان:  "مصر الثورة.. ومصر الانقلاب"، هذا نصه:

بقلم/ عبد العلي حامي الدين

أضحى واضحا أن المشهد المصري بات يعبر عن صورتين: صورة الشعب الذي يستميت في الدفاع عن ثورته ويناضل من أجل استرجاع الشرعية المسلوبة، وصورة الحكومة التي أفرزها انقلاب عسكري أطاح بالرئيس المنتخب يوم 3 يوليوز من السنة الماضية وقامت بتجميع طبقة سياسية لم تعد تؤمن بإمكانية التعايش مع نتائج الديمقراطية حينما تفرز انتصار الإسلاميين، وانتقلت لتبني المقاربة الاستئصالية في حق أكبر جماعة سياسية منظمة في مصر وهي جماعة الإخوان المسلمين..

مصر الانقلاب اتخذت قرارا باعتبار جماعة الإخوان المسلمين جماعة إرهابية، وذلك تتويجا لمجموعة من الإجراءات السابقة التي تستهدف إضعاف الجماعة وقص أجنحتها، لكن الهدف الحقيقي هو معاقبة كل الرافضين للانقلاب أو المتعاطفين مع أطروحة الشرعية..

مصر الانقلاب دشنت حربها على مصر الثورة بارتكاب أعنف مجزرة دموية في التاريخ الحديث ضد اعتصام سلمي استمر أزيد من شهر في ميدان رابعة العدوية، بعد ذلك توالت مجموعة من القرارات السياسية والأمنية التي اتخذت غطاء إداريا أو قضائيا مثل قرار المحكمة الإدارية القاضي بحل جماعة الإخوان المسلمين ومصادرة أموالها المنقولة وغير المنقولة في شتنبر 2013، وإصدار مجموعة من الأحكام القضائية ضد مئات الطلبة والقاصرين والنشطاء الذين كانوا وراء ثورة 25 يناير مثل حركة 6 أبريل، بالإضافة إلى فصل القضاة المتمردين على سلطة الانقلاب، وإصدار قانون التظاهر في نونبر الماضي للإجهاز على الحق في التظاهر وإضفاء الشرعية على القتل والقمع الذي يستهدف المتظاهرين، ولم تكتف سلطات الانقلاب بذلك بل استغلت تفجيرات المنصورة التي نفذتها تيارات متطرفة وأعلنت مسؤوليتها على الحادث للإعلان عن قرار اعتبار الجماعة تنظيما إرهابيا..

هذا القرار جاء تتويجا لسلسلة القرارات السابقة في محاولة لإضعاف القدرة التعبوية للجماعة وترهيب جميع المواطنين الذين يتظاهرون ضد الانقلاب دون أن تكون لهم علاقة تذكر بالإخوان وهم الامتداد الحقيقي لمصر الثورة اليوم..

القنوات الإعلامية المدعومة من قبل السلطات الانقلابية تساهم في المزيد من تأجيج الاحتقان الشعبي المتنامي، وتحاول جاهدة تصوير جميع الاحتجاجات والمظاهرات الرافضة للانقلاب على أنها تمثل تهديدا لأمن الدولة واستقرارها، مع ترويج العديد من الخطابات التي تقطر حقدا وكراهية ضد المتظاهرين ناعتة إياهم بأقبح النعوت ومطالبة السلطات الأمنية والعسكرية باتخاذ خطوات أكثر استئصالا من قبيل الدعوة إلى إسقاط الجنسية المصرية عن المتظاهرين أو المطالبة بتجريم حمل شعارات رابعة، وهو ما تجاوبت معه السلطات الأمنية بسرعة وشرعت بالفعل في ملاحقة ومتابعة كل من يحمل رموز الثورة وشعارات رابعة حتى من الأطفال والتلاميذ..

الإنقلابيون يسعون لبناء شرعية جديدة قائمة على أطروحة استئصال الإخوان باعتبارهم ‘جماعة إرهابية’، وهو الاسم الحركي لاستئصال ثورة 25 يناير والإجهاز على مكتسباتها..وترهيب كل من يسعى للتظاهر ضد الانقلاب بحجة التحالف مع الإرهاب..

إن هذا التصنيف يعني تطبيق قانون الإرهاب على المكون السياسي الأول في مصر الثورة الذي حصل على 40 % من مقاعد مجلس الشعب المنحل وعلى أكثر من 25 % من أصوات المصريين في الجولة الأولى من الانتخابات الرئاسية..

الآن، ما هي سيناريوهات المستقبل؟

السيناريو الذي يرسمه الانقلابيون هو دفع مصر إلى موجة من العنف والعنف المضاد على غرار السيناريو الجزائري، وهو المخطط الذي تسعى لاستنباته بعض الدوائر الإقليمية والدولية داخل مصر لإضفاء الشرعية على ممارسات الانقلاب وإعادة بناء الدولة بدون مشاركة فعلية للتيار الإسلامي..

إذا وقع الإسلاميون في هذا الفخ فستكون الكارثة، لكن يبدو بأن الشعب المصري يدرك بذكائه الفطري أن معركته السلمية أقوى من أدوات العنف، التي مهما بلغت درجة قوتها فلن تصل إلى مسايرة عنف الدولة.. وإلى حدود الساعة فإن التيارات الشعبية الأساسية مصرة على استكمال ثورتها بطريقة سلمية ولا تظهر عليها مؤشرات الانزلاق إلى العنف، وهو ما يعني الفشل ـ ولو بعد حين ـ بالنسبة لمن يراهنون على شماعة محاربة الإرهاب..

في المقابل هناك السيناريو الإيراني، أي استمرار الثورة الشعبية والمظاهرات اليومية إلى حين إنهاك النظام السياسي وفشله في الاستمرار بالموازاة مع اشتداد الأزمة الاقتصادية وعجز ‘مساعدات’ الخارج على تغطية الخصاص الاجتماعي الهائل، هذا السيناريو يحتاج إلى تعبئة المزيد من الفئات الشعبية وهو ما يطرح سؤال القدرة على الصمود والاستمرارية..

لكن هناك سيناريو آخر بدأت بعض ملامحه في التبلور وهو تنامي الاقتناع في العالم بأن ما يحصل هو سيطرة الجيش على السلطة بطريقة غير مشروعة وهو يواجه ثورة شعبية سلمية يتعاطف معها أحرار العالم، خاصة مع تنامي الحملات في الخارج التي تفضح الانتهاكات الجسيمة لسلطات الانقلاب وتحرج الأنظمة الغربية أمام شعوبها..وهو ما سينتهي بسحب الغطاء الدولي والإقليمي على تجربة انقلابية فاشلة على كافة المستويات ليس لها ما تقدمه للشعب المصري سوى وصفات القمع والقتل والفساد والاستئصال..

السيناريو المصري يعني نهاية الإخوان كتنظيم"طائفي" وانصهاره في النسيج الشعبي بمسيحييه ومسلميه كتيار سياسي جديد بأفكار جديدة ومتجددة وبأطروحات قوية تستفيد من دروس الثورة المضادة وتستعد لبناء مصر الدولة بعدما تنجح في استكمال الثورة في نسختها الثانية وتجاوز الثورة المضادة صنيعة الجيش والموالين له..

ومن المهم أن يساهم الجميع في رسم ملامح المرحلة القادمة مع الاستيعاب الدقيق لخصوصية المرحلة الانتقالية، والانضباط التام إلى قواعدها النظرية التي تم تجريبها في سياقات أخرى..

من المهم أن يقدم الجميع نقدا ذاتيا بروح ديمقراطية وأن يتم الاعتراف بأخطاء المرحلة السابقة..

من المهم أيضا أن يبادر الفاعلون الثوريون في الميدان إلى بلورة رؤية مستقبلية تتجاوز خطاب التهديد بالانتقام والتهديد بيوم الحساب..وتنفتح على تجارب العدالة الانتقالية التي انتصرت فيها قيم العفو والتسامح والتعايش واستيعاب الآخر المختلف على قيم الانتقام والكراهية والإقصاء..

من المؤكد أن هناك صعوبات نفسية وسياسية، لكن قوة الثورة تكتسب من قوة قيمها الأخلاقية بالدرجة الأولى بالإضافة إلى حكمة رموزها السياسية..

هذا هو النقاش الذي ينبغي أن يطرح بشكل هادئ، والارتفاع به من مستوى الصراع الإيديولوجي والتقاطب السياسي وإلقاء اللوم على هذا الطرف أو ذاك إلى مستوى التفكير في سبل الخروج من المأزق الذي دخلت فيه البلاد بالموازاة مع استكمال مشوار التدافع السلمي والمدني والترافع القانوني في الداخل والخارج وكسب المزيد من التأييد في العالم..

نعم، سنن التغيير تؤكد أن الثورة ستنتصر في النهاية..لأنها ثورة الحرية والكرامة في مواجهة انقلاب الذل والمهانة..

والله غالب على أمره ولكن أكثر الناس لا يعلمون..