خالد الرحموني يكتب : جبهة معارضة جديدة

قراءة : (68)

14-02-14
يمكنني الجزم بلا ارتياب أو تردد، أن بعضا من مكونات معارضة اليوم، احترفت كل أساليب الدجل والخفة والبؤس في الخطاب والارتباك في المعارضة، والتناقض في السلوك السياسي لرموزها وقادتها الجدد الذين أقحموا إلى واجهة المشهد السياسي الوطني بغاية إحداث الارتباك فيه، وحجب أي إمكانية لتشكل تكتل وطني ديمقراطي يجمع تيارات الفكر والسياسية على برنامج الإصلاحات المهيكلة للدولة والمجتمع من أجل انجاز الانتقال الديمقراطي الحقيقي.


تلك المعارضة بهذه الطبيعة وبتلك الملامح والهوية السياسية الجديدة، راهنت في ممارستها على صعيد الساحتين البرلمانية والاجتماعية وكذا في حضورها السياسي العام، على أساليب التشويش على دينامية الإصلاح الديمقراطي الجارية وتهجينه والنيل من صدقيته، مع الإصرار على تبخيس المنجز الحكومي الممكن في المرحلة، في محاولة مكشوفة ويائسة في نفس الآن  للتعطيل والإرباك والإنهاك والإلهاء وتحريف الصراع السياسي عن أهدافه الأصيلة، ومحاولة تحوير العملية الإصلاحية عن مراميها البعيدة القاصدة لتفكيك بنيات الاستبداد والتقدم خطوات في مسلسل مكافحة الفساد.


وهي بذلك الصنيع تعمل –بكل الوسائل المتاحة- على إثارة الضجيج وامتهان العنف اللفظي والسياسي معا إرادة منها لشغل المشهد السياسي برمته عن القضايا الأساسية للشعب، ممثلة في بسط الحريات وإقرار العدالة الاجتماعية والاستفادة من ثمار النمو-التوزيع العادل للثروات- وإقرار الكرامة الإنسانية والتحقق بالاختيار الديمقراطي الحر وغيرها من شعارات، سبق وأن كانت موضوعا لحركة الانتفاض الشعبي التي عرفها المغرب في السنوات الماضية، والتي رافقت موجة الربيع الديمقراطي.
كل ذلك وغايتها الانقضاض على التجربة الإصلاحية بنقضها ومحاولة نسفها، بل واغتيالها معنويا وإجهاضها سياسيا.


حديثي لا يتجه أساسا لتقييم الأداء السياسي والنضالي للمعارضة الديمقراطية الوطنية سواء بالنقد أو المعالجة أو الكشف عن أعطابها وعوراتها–سواء كانت تلك التي تشتغل داخل المؤسسات أو التي تمارس خارجها- بل إنني أركز حديثي واهتمامي النقدي إلى بعض من القوى السياسية والحزبية التي تستعمل موقع المعارضة المؤسساتية ، لا لإحداث التوازن السياسي المطلوب داخل النسق السياسي، وإنما تستعمل ذلك الموقع بقصد الإساءة إلى وظائف المعارضة المستقلة الإرادة النبيلة المقصد والشريفة الذمة، ولدورها الديمقراطي الأكيد في البناء الديمقراطي لبلدنا.


فأنا لا أتصور ممارسة سياسية ديمقراطية سليمة بلا معارضة جادة اقتراحية مبادرة نقدية ومسؤولة، تملك إرادتها المستقلة وتشكل بديلا فعالا هي السلطة التنفيذية القائمة، وتمتلك مشروعا مجتمعيا وأفقا نضاليا وتجذرا شعبيا وحضورا في خلايا المجتمع ومؤسساته المدنية، لكي تساهم في تحصين البلد ضد التطرف السياسي والاستبداد السياسي.
لكننا –للأسف الشديد -إزاء معارضة غريبة الصفات والملامح، فهي استبدلت وظيفتها واستأجرت إرادتها ورهنت استقلالها السياسي والفكري، معارضة كسيحة بئيسة مثيرة للشفقة.
معارضة مجازية تعارض الإصلاح وتسدي الخدمات لقوى الفساد والاستبداد، الشيء الذي جعلها تنمو بجينات مختلفة، وتبدو بقدرات رخوة واهنة، وتتوشح بلياقة شائخة وبمحدودية في الاقتراح والنقد وطرح البدائل، وحضورها النضالي والتنظيمي في المجتمع يبدو خافتا ومحدودا.


فهي لا ترعوي، ولا تجد أدنى حرج في الاستعانة بخدمات شبكات المصالح الفئوية والنخبوية والإدارية والسياسية والإعلامية والاقتصادية التي تشكلت على مدى فترات متطاولة من الزمن السياسي والاجتماعي للمغرب المعاصر، وأسست لنموذج سياسي للتحكم في الناس والنخبة والسياسة والعمل العام مبني على السيطرة على المجتمع وضبطه بمنطق العصا والجزرة، بحيث شكلت مكونات تلك الشبكات ومراكز القوى متضامنة، نمطا سياسيا زبونيا ونسقا سياسيا يؤسس للسلطوية الناعمة، ذلك النظام السياسي والاجتماعي الذي استوى واكتمل تشكله قبل اندلاع موجة الربيع الديمقراطي، وقد كان سيؤدي بالبلاد إلى حافة الانهيار والانفجار، لولا الحكمة الجماعية التي تمت بها معالجة حركة الاحتجاج السياسي على تردي الاوضاع السياسية والاجتماعية.
لكن معارضة اليوم-على تلك الشاكلة التي سبق الإشارة إلى بعض ملامحها سلفا- وجدت في تلك الشبكات ومراكز القوى المناهضة للإصلاح، سندًا لها لاستعادة المبادرة للحضور في المشهد العام من جديد، وذلك بالقفز إلى الواجهة من خلال إرادة التحكم في مفاصل الدولة والمجتمع، وتأبيد السيطرة عليها.


وغير خاف على كل نبيه وملاحظ حصيف، ما تمر بها قضية الإصلاح من عسر ومن قصف شديد من كل جانب، بحيث نلمح أن هنالك حربا شرسة تدار رحاها الآن، وبلا هوادة على كل المبادرات الإصلاحية التي يقوم بها قادة التجربة التدبيرية الحالية من مستوى موقع السلطة التنفيذية.
حرب  شاملة، معلنة وخفية، ومن طرف واحد، وبأدوات قذرة رديئة وبئيسة، حرب تشن على جبهات متنوعة وفي صعد ومستويات عديدة، تقودها تحالفات متقاربة المرامي والأهداف، في تنسيق تام مع شبكات المصالح المتكاتفة والمتساندة مع مراكز القوى والتجمعات الفئوية، وباستخدام مكشوف للإعلام الخاص والعام وتوسل بآليات الإدارة العمومية وغيرها، كلها قوى يجمع بينها الاعتماد المتبادل، والتشابك في المنافع الريعية مادية كانت أو رمزية، والتحالف في الإستراتيجية النهائية.


كل ما سبق تسطيره، يمثل بالنسبة إلينا توصيفا مجملا لحالة الصراع الجارية على الإصلاح في البلد منذ مدة ليست بالبعيدة.
تلك الحالة من الصراع، تكشف بالملموس وبما يدع مجالا للشك، تشكل تحالف عضوي متين بين قوى الإفساد العمومي ورموز الاستبداد السياسي التي كانت تشكل حصنا للنفوذ والتسلط والتحكم في الأرزاق والعباد، والتي امتهنت أسلوب الضبط والقهر والطغيان واحترفت منهج قطاع الطرق لا القادة السياسيون، ومن مواقع مختلفة وعلى فترات متباعدة.
الغاية النهائية لتلك الأطراف والقوى، هي محاولة إنهاك تجربة الإصلاح الديمقراطي برمتها التي يقودها العدالة والتنمية باقتدار، في أفق إجهاضها والانقلاب عليها واغتيالها سياسيا ومعنويا بعد الفشل في التشويش عليها وتفخيخها من الداخل ووضع العراقيل والمطبات وإثارتها في وجهها، وإنه من الطبيعي في السلوك السياسي لتك القوى وحلفائها أن تتوسل بعديد من الآليات والأدوات والفئات المجتمعية، من خلال الاستعمال الانتهازي لاحتجاجاتها والنفخ في معاناتها وتحريف نضالاتها، مع العمل على تهييجها والمزايدة بها.


الدرس الأساسي الذي يمكننا استخلاصه من التحليل السابق، هو أن بعضا ممن يخاصمون التجربة الديمقراطية الوليدة في المغرب، وممن لا يحملون لها ودا ولا يكنون للشعب ولا للاختيار الشعبي الحر أدنى قيمة أو اعتراف بإمكانية هزيمتهم السياسية وهم لا يسلمون لحقيقة تاريخية فاقعة تنبئ بفشلهم الذريع وانحطاطهم المريب.
إنهم لم يستوعبوا بعد حقيقة تنكب الشعب عنهم وعقابهم وتجاهلهم، فهم يعملون على الصيد في الماء العكر، ويستثمرون في بعض الأخطاء التدبيرية الصغيرة للفريق الذي يدبر الشأن العام في المرحلة، ليحولوها إلى خطايا، ويمعنون في إدارة الصراع السياسي بأدوات غير نزيهة ولا ديمقراطية ولا تحمل قيم المبدئية والمصداقية ولا التخلق ولا الرصانة ولا المسؤولية السياسية وبعيدا عن قيم التنافس الديمقراطي النزيه والخبير.


كل هذا مع الاطمئنان الى كون التجربة الإصلاحية الماثلة أمامنا والتي نعيش على إيقاع بعض أطوارها، تولدت من رحم تجربة ديمقراطية فريدة،وتمخضت عن اختيار انتخابي نزيه، تحصل في حزب العدالة والتنمية على المركز الأول لحظة الاستشارة غير المسبوقة في التاريخ الانتخابي في المغرب المعاصر، انتخابات غير المطعون في صدقيتها السياسية.
بناء على ذلك، يمكننا التأكيد على مسألة حيوية وبالغة الأهمية، تتمثل في ان التحالف الجاري تخليقه وتوليده قسريا، ينبني على هدف جوهري يتمثل أساسا في: الرغبة في معارضة تبلور تحالف سياسي ممكن وعريض بين مكونات التيار الوطني الديمقراطي الأصيل الرافد لطموحات شعبنا في التحرر والانعتاق، ذلك التكتل المجسد للجماعة السياسية الوطنية بكل عائلاتها ومرجعياتها الفكرية والسياسية الأصيلة والمتجذرة شعبيا في وفاق وطني وتشارك في صناعة المستقبل الجامع المبني على المواطنة الكاملة والشرعية الديمقراطية.


من أجل بلوغ ذلك الهدف، فان تكتل الإعاقة الديمقراطية المشكل حديثا –والمتكون من تحالف ظرفي قوامه أربع أحزاب تتمترس بموقع المعارضة المؤسساتية- يعمل بإخلاص على تنفيذ المطلوب منه من مهام غير ديمقراطية ولا نزيهة، مهام لها صلة بالمشاركة في جريمة إرباك تجربة الانتقال الديمقراطي في مغرب اليوم،في محاولة يائسة منها لاستعادة أدوات عمل النسق السياسي السلطوي، وإعادة عقارب الزمن السياسي بالبلد إل ىسابق عهده، بنفس المنهج التحكمي وبنفس التوازنات السياسية المراقبة للمشهد السياسي التي كانت مبنية على ضبط المجتمع والتحكم فيه. كل ذلك يتم بتنسيق محكم ووثيق مع مراكز القوى والنفوذ والجاه، وفي شراكة واضحة مع شبكات المصالح الظاهرة والخفية-كما سبقت الإشارة سلفا.
 لكن كل أولئك نسوا أو تناسوا حقيقة تاريخية فارقة وعنيدة في تطورنا السياسي الحديث، تجلت في بداية عصر جديد لعلاقة الدولة بالمجتمع مبنية على المشروعية والتوازن والانبثاق الخلاق لتجربة ديمقراطية تأسست على نداءات الحرية والتحرر، ودشنت لانهيار جدار الخوف وآذنت بتأسيس عصر المشروعية الشعبية، التي أطلقت المجتمع من عقاله وفجرت طاقاته، وأخرجته من الحجر ومنطق الإكراه، بحيث مضى معها زمن التحكم إلى غير رجعة.


وهنا وجب لفت الانتباه إلى أن تلك القوى لن تستسلم، بالرغم من أن البلاد برمتها تؤدي فاتورة تأخر الإصلاحات بالرغم من أن قوى الإصلاح الديمقراطي الأصيلة تواجه حربًا مستعرة ومستمرة، خصوصا بعد النجاح –وبأقل الخسائر- في إعادة تشكيل أغلبية جديدة وبالتالي توليد الحكومة الحالية، مع تسجيل النجاح الحكيم في عدم تسليم البلاد للمجهول من خلال رهنها  لسيناريو الفراغ المؤسساتي، الذي كان يريد البعض من قوى الردة الديمقراطية -التي كانت تراهن على المفاعيل السلبية للتحولات السياسية والاقتصادية الجارية على الصعيدين الإقليمي والدولي- قلت السيناريو الذي كان البعض يريد أن يورط فيه البلد ويزج بها للمجهول.


ومع ذلك، فإنه بالرغم من سقوط جدران الخوف، وتشكل وعي جديد بالحتمية التاريخية للإصلاح السياسي، والضرورة الحاسمة لأحداث التغيير المجتمعي، والاستجابة العملية لقانونه التاريخي، وبجانب الانبعاث الجديد لحركة الشارع المنطلقة شعبيا، والمطالبة بإقرار الإصلاح العميق للدولة، وانجاز مهمة الإنهاض الشامل للمجتمع، بالرغم من كل ذلك فإننا نؤكد حقيقة ملازمة للمراحل الانتقالية نفسها تتمثل في انبعاث مقاومات شرسة لحركة الإصلاح تمثلت في بروز تحالفات مناهضة للتغيير، تعمل باليات الدولة العميقة،وتنشط بكل مقدرات الدولة، وهي تحاول جهدها العمل على استعادة ما أسقطته حركات الاحتجاج السياسي، وأساسا حركة 20 فبراير .


فالحرب –إذن- تستعر في كل فترة، لأن شبكة مصالح الدولة العميقة وكل ارتباطاتها وتحالفاتها الظاهرة والخفية، لا يمكن لها أن تستسلم بيسر لمنطق التاريخ، ولا يتصور أن تخضع بسهولة لمنطق الانتقال والإصلاح، وهي تصعد الخناق على التجربة وقتما تخشى أن تصل إليها يد التغيير وإخضاعها للحساب والتفكيك، بأسلوب ذكي يراهن على الزمن وعلى التطبيع السياسي لقوى الإصلاح بما يراعي موازين القوى الفعلية على الأرض.
فكلما اقتربت البلاد من تحقيق الاستقرار السياسي وتوطين السلم الاجتماعي والتوازن المؤسساتي، ذلك الاستقرار الحاضن لتفعيل مسلسل الإصلاحات العميقة والشاملة والمهيكلة، كلما تشعر شبكات المصالح وقوى التحكم ومراكز النفوذ التي سطت على تدبير الحياة العامة في السابق، بالخطر أكثر، وكلما تحرك قطار الاصلاح إلا وتشعر هي معه بالتهديد الجدي لمصالحها ولتحالفاتها، لذلك فهي تنظم المقاومة ضد الاصلاح ورموزه وبرامجه وخططه، وتتحرك غريزيا للدفاع عن أسلوبها في الوحيد في البقاء المبني على الفساد والتحكم والاستفراد والاستبلاد، وهذا ما يبصرنا بحقيقة تحريكها لآليات الإعلام والقضاء والادارة وووو،


الاستقرار الذي نعنيه هنا، هو البيئة السليمة والحيوية للاصلاح الشامل، والاصلاح العميق والشامل، هو وحده ما سيجعل المغرب ينفصل عن مخطط الجمود الذي يبشر به تكتل الفساد وتحالف الاستبداد، وهو وحده من سيحجبنا عن الارتهان لزمن تمكن التسلط والاحتكار من التلبس بنظامنا السياسي والاقتصادي، الذي كان قيد التشكل في مرحلة التحكم السابقة على الانتفاضة المباركة العارمة التي اعترت العالم العربي برمته.
من اللازم الانتباه، إلى أن نخبة الدولة العميقة أو الموازية-في تعبير مميز للأستاذ أفتاتي –استطاعت توظيف العديد من القوى السياسية وبعض من الكائنات الحزبية الشاردة عن الجماعة الوطنية، لتشكل لها غطاء سياسيًا-ثلاثي إعطاب الانتقال الديمقراطي، هنا نلمح إلى الجبهة الجديدة التي هي قيد التشكل- وجعلت العديد من وسائل الإعلام الورقي السيار والالكتروني الرائج، بما فيها وسائل عمومية مملوكة للدولة، توفر لها غطاءً إعلاميًا يوفر لها الدعاية وإمكانية التسويق.


وهي ذات القوى التي عملت في السابق، على انتهاز فرصة الانقلاب في مصر خصوصا وموجة الردة الديمقراطية والنكوص السياسي التي طالت الربيع العربي عموما، لمحاولة الانقضاض على التجربة الديمقراطية الإصلاحية التي يقودها العدالة والتنمية، بنسفها والتشويش عليها وتفكيكها والتشكيك في فعاليتها .لكن هيهات.
لزم التشديد على أن بعض تلك القوى المضادة للتغيير التراكمي الهادئ، والتي تخاصم قوى الإصلاح الديمقراطي الحقيقي بقيادة العدالة والتنمية، أصبحت تجد في الدولة العميقة والموازية وفي شبكة النفوذ والتحكم والمصالح التي هيمنت في الوضع السابق، حليفا طبيعيا وشريكا عضويا.


لقد وجدت فيها –إذن- السند الوحيد لها، لمواجهة الحضور السياسي البارز لقوى التيار الوطني الديمقراطي الاصيل، والاهم لمنطق الإصلاح وثقافته.
وهنا وجب الانتباه الى أن هنالك جهات عديدة من مصلحتها العمل على عرقلة الإصلاح المنطلق، وهي من مصلحتها إعاقة التنزيل الديمقراطي للدستور، ونحن نراها الآن تنحاز لتأويل محافظ غير ديمقراطي للدستور-بالرغم من كثير من ملاحظاتنا عليه- هي تحاول ذلك، ببساطة حتى لا تبدأ مرحلة استقرار حقيقية، تفضي الى رؤية ثمار الإصلاح الحقيقية تصل إلى شعبنا، فقرائه وقراه وهوامش مدنه وطبقاته المهمشة ومجاله المستبعد من دورة النمو.


وهي نفسها تراهن على إحداث الإرباك العام في المجتمع، حتى تبقى البلاد رهينة في أيديهم جامدة على مستوى مربع المرحلة الانتقالية التي يتمنون لها الدوام والاستطالة، على أمل أن يتمكن رجالات الدولة العميقة وحلفاؤهم الطيعون، من استعادة السيطرة على كامل مفاصل الدولة والمؤسسات الحيوية للمجتمع، وبالتالي إدامة السيطرة على توجيه القرار السياسي والاقتصادي والاجتماعي والتعليمي،وتشكيل النظام السياسي والاجتماعي وفق الهندسة التي يريدون ويحلوا لهم إخراجه على منوالها في حلة جديدة وبديلة تتجاوز منطق الاصلاح الديمقراطي، بل تتجاوز حتى الصيغة الدستورية التي تبلورت من خلال الوثيقة الدستورية لفاتح يوليوز 2011.
بكلمة جامعة، وبالنظر لكلما سلف تحليله، فإننا أصبحنا ندرك أكثر من أي زمن مضى أننا أمام معارك وجودية متعددة جبهات –في حرب ممتدة مع الفساد والاستبداد- معارك رئيسية وجانبية، سترهن قضية الإصلاح الديمقراطي الشامل في البلد لزمن آخر.


فنحن الآن وفي هذه الأيام نشهد واحدة من أخطرها، هي معركة من قبل الخصوم الطبيعيين للإصلاح والبلاد معا، معركة تستهدف تجربة الإصلاح الديمقراطي برمتها، من خلال الرهان على إنهاك قوى الإصلاح الحقيقية في معارك هامشية وإلهائها في أخرى جزئية على حساب المعركة الأساسية من أجل النهضة.
إنهم يريدون شغلنا عن هم التنمية والحرية والعدالة والاجتماعية والكرامة الإنسانية والمواطنة الكاملة ،و حتى ولو كلفهم الأمر سقوط الدولة القاتل في الجمود السلطوي البائد أو الانتظار الذي يرهن المجتمع ويكبح طاقاته الفاعلة ويعطل مقدراته المنتجة،
إن القادة الكامنين في الخفاء والزعماء الظاهرين على السواء لهذه الحرب الدائرة والمستعرة على الإصلاح، لا يهتمون إلا لأجندتهم البئيسة ولنزواتهم المغرورة والمغرر بهم من خلالها، إنهم لا ينصاعون إلا لمن يخدم منطقهم السلطوي التحكمي المتخفي والمعلن.


وجب الحذر والانتباه إلى طبيعة المعركة كما هي متجلية في واقع الصراع حول الإصلاح الديمقراطي، لكي لا نخطئ العنوان والاتجاه والخصم، فالخصم اللدود في هذه المعركة، هو بنيات الفساد وتحالف الاستبداد وشبكات المصالح وراكز القوى والنفوذ، ورموزها جميعا.
فالمعركة تدار مع القوات الشعبية وبمنطق النضال الديمقراطي الصبور والجسور والمشارك، منطق العمل السياسي النضالي من داخل المؤسسات، بمنطق الممارسة الفاعلة، والشراكة الوثيقة، والتعاقد السياسي، لكي لا تصبح البلاد رهينة ومستأجرة.