نور الدين مفتاح يكتب: جحـا التركــي..

قراءة : (175)

14.03.06
نشرت أسبوعية الأيام في افتتاحية عدد هذا الأسبوع مقالا للكاتب الصحفي نور الدين مفتاح، بعنوان: جحا التركي، هذا نصه:


يمكنك ببساطة عندما تخبر قريبا بأنك مسافر إلى تركيا أن تسمع الجواب الخفيف والسريع: «سلِّم على هيام»! (بطلة مسلسل «حريم السلطان»). هكذا بفعل قوّة الفن تستطيع دولة أن تجني من الصيت ومن نتائج التواصل ما لا تستطيعه الدبلوماسية والميزانيات الهائلة لمكاتب السياحة في الخارج. وعندما كنا كوفد صحافي مصغر في جولة بقصر «طوب كابي» حيث عاش جميع سلاطين الإمبراطورية العثمانية بمن فيهم سليمان القانوني، جاءت سيدة مغاربية وعيناها زائغتان لتسأل مرافقنا الذي لم يكن سوى محافظ القصر: «أين يوجد الحرملك؟!». ابتسمنا، ودلفنا إلى الباحة حيث كانت توجد المسطبة الإسمنتية التي يكفن فيها السلطان عندما يتوفى أمام خليفته، وفي كل يوم عندما يخرج السلطان الجديد من مقر إقامته إلى مقر الحكم يمر على هذه المسطبة ليتذكر أن النهاية هي الموت، وبالتالي يكبح جماح الغرور وهو يسمع الخدم عند قدومه يصيحون: "السلطان كبير، والله أكبر".


15 ألف زائر في اليوم لهذا القصر التاريخي الذي كانت مطابخه تعد خمسة آلاف وجبة في اليوم لمدة 620 سنة، وبجانبه المسجد الأزرق ذو الصومعات الست، ومن هذه الرقعة التي كنا فيها وسط آلاف السياح، كان العثمانيون يحكمون العالم، وبشكل أو بآخر، تحس في كل المجالس أن هناك إحساساً بالفخر يملأ الأتراك ويجعلهم، كل من موقعه، يتدافعون لتحتل تركيا موقعها في عالم تغيرت موازينه رأساً على عقب.


إذن، هذه إمبراطورية مرضت وتفككت، وجاء أب جديد للأتراك هو مصطفى كمال وقرر القطع مع  كل ما يمت للعثمانيين بصلة، وفرض العلمانية واستبدل كتابة التركية من الحرف العربي إلى الحرف اللاتيني، وأعطى الجيش كل السلطات الدستورية لحماية هذا الاختيار الجديد من أجل تركيا لا دينية، وبعد مائة سنة، والكثير من الصراع الدموي أحيانا، وعندما تصل إلى أنقرة، فإنك تجد بالضبط كل هذا الخليط المتشعب في هوية شعب متمزق ما بين العلمانية والدين، القومية والطموح الإقليمي، الامتداد في شرق آسيا والانتماء للعالم الإسلامي، الرغبة في الانضمام للاتحاد الأوربي والإحساس بالقرب الشديد من العالم العربي. إنها تعقيدات المشهد التركي، ولا يمكن للزائر إلا أن يبقى مشدوها أمام صور أتاتورك في كل المؤسسات والمكاتب من رئاسة الوزراء إلى البرلمان إلى وكالة الأناضول للأنباء إلى وكالات التنمية والتعاون، وتحت صورة أب العلمانية يجلس مسؤولو حزب العدالة والتنمية الإسلامي.


النتائج الاقتصادية لتركيا مبهرة، فخلال 10 سنوات ونيف من حكم العدالة والتنمية تضاعف الناتج الداخلي الخام عشر مرات، ولم تنزل نسبة النمو عن الخمسة في المائة، وتبدو البنية التحتية للزائر هائلة، وعلى المستوى السياسي، استطاع أوردوغان ما لم يستطعه أربكان مثلا، وبدل أن ينقلب عليه الجيش ويحل حزبه نجح في إدخال الجيش للثكنات، وعدل الدستور وحاز على ثلثي مقاعد مجلس النواب، وقلب السياسة الخارجية رأساً على عقب، وكم كان يحلو لمخاطبينا أن يذكرونا كلما واجهناهم بتهمة أن تركيا أوردوغان تحاول بالتحالف مع الإخوان المسلمين أن تعيد «أمجاد» الخلافة العثمانية بأن زمن الإمبراطوريات قد ولَّى، ولكن تركيا المتقوقعة ما قبل 10 سنوات قد انتهت أيضا، ولولا السياسة الخارجية الجديدة لما كنا نجلس مع وفد من أقصى المغرب نحاوره في مشاكلنا الداخلية.
النتيجة هي أن تركيا اليوم واحدة من أول سبع دول في العالم من حيث عدد التمثيليات الدبلوماسية في الخارج، وتتحرك بسرعة في إفريقيا، حيث يتساءل مخاطبنا باستغراب: "هل يعقل أن تكون لإسرائيل 35 سفارة في إفريقيا ونحن لا؟".


عموما، لم نكن في أنقرة لنستمع للحصيلة الحكومية، ولكن كنا هناك لأن تركيا بكل ما عرفت من نمو تعيش أخطر أزمة سياسية في حياتها، بل لربما عندما وصلنا كنا في عين الإعصار، بحيث إنه في يوم الاثنين ما قبل الماضي مثلا تم اكتشاف التنصت على أكثر من 7000 شخصية تركية فيها السامي وفيها العادي، ومنها من عرف بالأمر ونحن في ضيافته، ويوم الثلاثاء تفجرت قضية تسريب مكالمة هاتفية لرئيس الوزراء الطيب رجب أوردوغان مع ابنه يدعوه فيها إلى تهريب أموال من البيت حتى لا تضبط، علما أن الإبن يعمل في المجتمع المدني في مجال الوقف، وقبل هذا بأسابيع وقعت تسريبات أخرى اضطر وزيران على إثرها لتقديم استقالتهما من حكومة أوردوغان حتى ينتهي التحقيق، وبيت القصيد ليس هو الجيش ولا الحزب الجمهوري المعارض، ولكن جماعة دينية لا حزب لها، وكانت حليفة للعدالة والتنمية وصاحبها يعيش في الولايات المتحدة الأمريكية، إلا أنها أكبر من حزب وتكاد تكون بحجم الدولة الموازية، إنها جماعة «الخدمة» لفتح الله غولن التي لم يتردد أوردوغان في وصفها بالجماعة الانقلابية.


الحديث عن جماعة غولن يطول، ولكن صاحبها له صيت دولي ومئات من وسائل الإعلام ومئات المدارس التحضيرية وعشرات الجامعات، وله آلاف الأتباع في الشرطة والقضاء على وجه الخصوص. وقد تفجرت الأزمة بين «العدالة والتنمية» و»الخدمة» بسبب قضية سفينة مرمرة التي ذهبت لنصرة غزة حين حصارها من طرف إسرائيل، ووقف فتح الله غولن ضد أوردوغان الذي أشعلها حربا سياسية على إسرائيل، وبدأت منذ ذلك الوقت كرة الجليد تتدحرج وتكبر إلى أن وصلت إلى حرب شاملة على مشارف الانتخابات البلدية المقررة في 30 مارس الجاري.


جمال الدين هاشمي، مستشار في رئاسة الوزراء ومنسق الدبلوماسية العامة، يقول بدون مواربة: «سنصفي جماعة غولن من التغلغل في مفاصل الدولة». ونائب رئيس الوزراء أمير الله أشلاش يقول: «إن هذه الجماعة عصابة وسنحاربها، إنهم يمارسون التقية، وهم شيعة أهل السنة». أما أوردوغان فقد خصص ساعة كاملة من خطابه أمام برلمانيي حزبه للرد على الشريط المسرب له من طرف الجماعة واعتبره مفبركا، وقال إنه لن يخضع للابتزاز، وتوعد الجماعة بالتصفية.


إجمالا، وحتى لو انهزمت الجماعة وانتصرت العدالة والتنمية في الانتخابات التشريعية لأبريل القادم، فإن أوردوغان لا حق له في الترشح لرئاسة الوزراء. وستبقى صورة هذا الزعيم مرتبطة بطموح كبير في إعادة تركيا إلى الساحة الدولية كلاعب إقليمي مهم، مع أن المخاوف من قيادة أنقرة للإسلام السياسي في العالم العربي تبقى حاضرة، خصوصا مع الدعم القوي من تركيا للإخوان المسلمين في مصر: «عندما سقط جحا من فوق السور-يقول مسؤول تركي- جاءه أحدهم يطلب منه النهوض لأن الأمر بسيط، فقال له جحا: فليأت عندي شخص سقط مثلي من فوق السور ليفهم ما أحس به»، والمعنى هو أن تركيا تعرف معنى انقلاب الجيش على الحكومة المنتخبة، وحساسيتها شديدة من هذا الأمر، ولا يمكن لحزب العدالة والتنمية أن يزكي ما جرى في مصر مع السيسي، لأن ذلك سيكون رسالة سيئة للجيش التركي.
في بهو المغادرة من مطار أنقرة، لا شيء يشي بأننا في دولة يحكمها حزب إسلامي في إطار دستور علماني وجزء معتبر من أطرها يتحدث اليوم اللغة العربية بطلاقة. إنها تجربة للتأمل على الأقل، وأخطر شيء في التقييم هو الأحكام الجاهزة، وللأسف هذه الأحكام عندنا عملة وطنية رائجة.