حامي الدين يكتب: الصين… ذلك العملاق

قراءة : (37)

14.03.10
بقلم/ عبد العلي حامي الدين
في زيارة لبضعة أيام إلى الصين قدّر لي أن أكتشف صورة هذا البلد العظيم بعيدا عما تنقله العديد من وسائل الإعلام.
هذا البلد يعيش في قلب التحولات الجارية على مستوى النظام الدولي، وتبرز الصين كقوة سياسية واقتصادية وعسكرية وبشرية قادرة على المساهمة في بناء عالم متعدد الأقطاب ومتحرر من هيمنة القطب الواحد..
قصة التنمية في الصين تستحق الدراسة من زوايا متعددة، خصوصا بالنسبة لنا في العالم العربي، حيث لا
زلنا نتلمس طريقنا نحو استكشاف النموذج التنموي الذي يتلاءم مع بيئتنا الثقافية والحضارية. الصين دولة تجر وراءها حضارة قديمة تعود إلى 7000سنة، تأسست كدولة حديثة سنة 1949 عندما أعلن الزعيم الراحل ماوتسي تونغ قيام جمهورية الصين الشعبية ذات السيادة الكاملة في فاتح أكتوبر من نفس السنة.

تقع الصين على مساحة 9,6 مليون كلم مربع وعدد سكانها يبلغ مليار و370 مليون نسمة، وتتنازع مع دول أخرى على مليون و200ألف كلم مربع، مساحة البحر 3 ملايين كلم مربع ولها بحار تعتبرها محتلة من طرف اليابان. الصين دولة موحدة لكنها متعددة القوميات. فإلى جانب قومية "هان" التي تمثل أغلبية السكان بحوالي 90 في المائة هناك 56 قومية أخرى، ولذلك يطلقون عليها في الصين الأقليات القومية.
وقد نجحت الصين في بناء تعايش كبير بين القوميات المختلفة، فالدستور الصيني يعتبر كل القوميات متساوية وتضمن الدولة الحقوق والمصالح المشروعة لمختلف الأقليات الصينية ويجري تطبيق نظام الحكم الذاتي الإقليمي في المناطق التي يتجمع فيها أبناء القومية الواحدة، كما يقر الدستور حرية المعتقد ويعترف بالديانات المختلفة وأبرزها البوذية والتاوية والإسلام والمسيحية، وينشط العديد من المسلمين الصينيين داخل الحزب الشيوعي..


منذ سنة 1978 اختار الحزب الشيوعي الصيني اعتماد سياسة الإصلاح والانفتاح على العالم الخارجي، وتجاوز بشكل تدريجي سياسة الاقتصاد الموجه مركزيا وإشراف الدولة على توزيع الموارد، وأبدع خبراء الحزب مفهوم اقتصاد السوق الاشتراكي، وهو ما يعني الجمع بين ميزة الاشتراكية أي التنمية المشتركة للموارد، وكذلك السوق الذي يرمز إلى الفعالية في توزيع الموارد بشكل جيد.
هذه السياسة تم اعتمادها بالتدرج، فتم البدء بالأرياف لإطلاق الحماسة للمزارعين عن طريق السماح لهم بامتلاك وسائل الإنتاج، على عكس المرحلة السابقة، حيث كانت جميع الأراضي الزراعية ملك الجماعة والفلاحين يقومون بزراعة الأرض ثم يتقاسمون فيما بينهم المردودية المتحصلة، وهو ما كان ينعكس سلبا على عطاء الفرد وقوته الإنتاجية.


هذه السياسة مكنت من حل إشكالية الغذاء بشكل كبير، ونجحت الصين في تحقيق معجزة اقتصادية كبيرة مع توطيد مكانتها على الصعيد الدولي، فخلال ما يزيد على 30 سنة حافظت الصين على معدل نمو سنوي يتجاوز 9 في المائة، وفي سنة 2010 قفزت إلى الرتبة الثانية في العالم من الناحية الاقتصادية، وارتفع معها مستوى الدخل الفردي للمواطن وتحسنت الأحوال المعيشية للسكان وتغير معها نمط الاستهلاك لدى المواطن العادي.. يصر الصينيون على اعتبار نموذجهم التنموي متلائما مع خصوصياتهم الحضارية، ولفهم علاقة البيئة الثقافية والخصوصيات الحضارية بالنموذج التنموي الناجح الذي اعتمدته الصين ينبغي فهم الوحدة الدنيا في المجتمع الصيني ألا وهي وحدة العائلة والقيم المرتبطة بها.


فالعائلة التي تستند إلى علاقات الزواج والدم، وتتكون من الآباء والأبناء وكبار السن ممن يقتسمون بيتا واحدا، تمثل دورا مركزيا في الحياة الاجتماعية للصينيين، وتحافظ على تقاليد عريقة في التاريخ الصيني، بحيث يمكن اعتبار جميع العلاقات الاجتماعية الصينية تنبع أصلا من العائلة وهو مفهوم متجذر في الثقافة الصينية.
إن علاقات الدم والقرابة ومختلف العلاقات الاجتماعية الأخرى تستند إلى نمط قيمي قائم على التوافق والطاعة وهو ما انعكس على العلاقات الاجتماعية والسياسية التي تقوم على ترسيخ هذه القيم بين فئات المجتمع، بحيث تلتزم الطبقات الاجتماعية بتأييد وطاعة الطبقة العليا التي لها بالمقابل أن تتمثل مفهوم القدوة للطبقات الاجتماعية الدنيا، ولذلك فإن نظرية كونفوشيوس تعتبر الأمة كلها عائلة الأمبراطور..


ولذلك فإن الشعب الصيني لا يتسامح مع المسؤولين الذين يتورطون في قضايا فساد مثلا، ويتقبل بصدر رحب مختلف العقوبات الصادرة في حقهم ولو وصلت إلى درجة الحكم بالإعدام..
غير أن العلاقات الاجتماعية المتشابكة بدأت تتأثر بالتحولات الاقتصادية العميقة التي يعرفها المجتمع الصيني مع سياسة الانفتاح المعتمدة وتغير نمط الإنتاج والاستهلاك وظهور طبقة جديدة في المجتمع لم تكن في السنوات الأولى للاستقلال.
إن نشأة طبقة الأغنياء ساهم في بروز نزعات استهلاكية جديدة، كما بدأت تظهر العديد من الفوارق الاجتماعية التي تزيد في تعميق الهوة بين الفقراء والأغنياء إلى جانب الفوارق الموجودة بين الجهات والمناطق.


ولذلك فرغم أن الصين تمثل القوة الاقتصادية الثانية في العالم، غير أن المسؤولين الصينيين يعتبرون دولتهم لازالت دولة نامية، ولم تحقق بعد الحلم الصيني الكبير.. نظرية الحلم الصيني هي التي تؤطر الآن قادة الحزب الشيوعي الصيني الذي يقود تجربة التنمية في الصين إلى جانب ثمانية أحزاب صغيرة، وتستند على إعادة بناء الحزام الاقتصادي للطريق الحريري وبناء طريق الحرير البحري، وهو ما يمثل مرحلة متقدمة في الانفتاح على الخارج وخاصة على العالم العربي الذي يعتبر نقطة الربط بين هذين الطريقين. الشعوب العربية تنظر إلى الصين نظرة احترام وإعجاب، وهي نظرة متحررة من أي نزعة عدوانية، نظرا لأن الصين ليس لها ماض استعماري اتجاه المنطقة العربية، كما أن سياستها الخارجية كثيرا ما تقاطعت مع سياسة الدول العربية..


النموذج السياسي والتنموي الذي اتبعته الصين بقيادة الحزب الشيوعي الصيني يعكس تجربة فريدة في العالم ومن الصعب محاولة استنساخها في بيئة أخرى، لكن مع ذلك هناك العديد من الدروس المستفادة من هذه التجربة من أهمها: امتلاك القدرة على التكيف مع الظروف الصعبة والحفاظ على قوة التنظيم الحزبي والقدرة على بلورة أطروحات نظرية جديدة في المجال السياسي والاقتصادي وعدم الجمود على ما أنتجه الآباء المؤسسون للحزب الشيوعي لأنه، بكل بساطة، لم يعد ملائما لمتطلبات العصر وتقلبات الواقع..